صلح الحديبية مسائل وأحكام 38

صلح الحديبية مسائل وأحكام 38

الدرس في صلح الحديبية مسائل وأحكام 38، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

مفاوضات صلح الحديبية: التنازل عن لقب رسول الله

تنازل النبي صلى الله عليه وسلم عن كتابة "رسول الله" في وثيقة الصلح مكتفياً بـ "محمد بن عبد الله"، وقبل تأجيل العمرة للعام القادم مراعاةً لموقف قريش. أكد النبي لعمر بن الخطاب أنه لا يعصي ربه، ووافقه أبو بكر الصديق على طاعة النبي وتسليم أمره لله.

طلب رضا الله تعالى مقابل طلب رضا الناس

يبين المقطع أن المؤمن الحق يجعل رضا الله معياراً لأفعاله وأقواله لأنه أعظم النعيم، بينما المنافقون يطلبون رضا الناس بسخط الله. ورد في الحديث أن من أرضى الله بسخط الناس رضي الله عنه وأرضى عنه الناس، والعكس صحيح.

تقديم رضا الله على رضا الناس من صفات كمال الإيمان

يشرح المقطع حديث محبة الله للعبد وتأثيرها في محبة الملائكة والناس، مؤكداً أن كمال الإيمان بتقديم رضا الله على رضا الخلق. حذر من تقديم نظر الناس على نظر الله، مبيناً أن الحياء الحقيقي هو ما يردع عن سخط الله لا سخط الناس.

الختام والدعاء بالخير والرضوان

اختتم المتحدث الدروس بالدعاء لله أن يمن بفضله ورضاه على المستمعين. وحمد الله رب العالمين على ما تيسر من العلم والنفع.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، فأخذنا في ما سبق في صلح الحديبية بعض المسائل التي ذكرت، أو بعض المسائل التي أخذت من بداية الكتاب الذي كتبه النبي صلى الله عليه وسلم مع سهيل بن عمرو. ثم قال له: اكتب اسمك، اللهم. ثم قال: هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فقال سهيل: والله لو كنا نعلم أنك رسول الله ما صددناك عن البيت ولا قاتلناك، ولكن اكتب محمد بن عبد الله. وأخذنا بعض المسائل في هذا. ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم: والله إني لرسول الله وإن كذبتموني، اكتب محمد بن عبد الله. قال الزهري: وذلك لقوله: «لا يسألوني خطة يعظمون فيها حرومات الله إلا أعطيتهم إياها». أنا هذا الذي فعل النبي صلى الله عليه وسلم، أو الذي جعل النبي صلى الله عليه وسلم يفعل هذا، أنه يوافقهم على أنهم لا يكتبون «رسول الله» لأجل ما قاله عليه الصلاة والسلام: «لا يسألوني خطة يعظمون فيها حرومات الله إلا أعطيتهم إياها». وقد ذكرنا بعض المسائل التي تتعلق بهذه العبارة فيما سبق. ثم قال النبي عليه الصلاة والسلام أي في الكتاب: قال: «على أن تخلوا بيننا وبين البيت فنطوف به». فقال سهيل: والله لا تتحدث العرب أن أخذنا ضغطة، ولكن ذلك من العام المقبل. وقال سهيل: وعلى أنه لا يأتيك طيب. هذا الآن هذه الفقرة: النبي عليه الصلاة والسلام طلب من سهيل أن يكتب، أو أن يكتب في هذا الكتاب، أننا نطوف بالبيت، «أن تخلوا بيننا وبين البيت فنطوف به». فقال سهيل: والله لا تتحدث العرب أن نأخذنا ضغطة، أن أخذنا بالقوة والقهر. وقيل: إن ضغطة أي أننا كنا في ضعف فأجزنا لكم أن تدخلوا لأننا ضعفاء، وكذا من هذا المعنى. فالمهم أن هذا الأسلوب الذي تكلم به سهيل، وهو قبل إسلامه، هذا كان عند العرب معناه أنهم ينظرون إلى قول الناس، ينظرون ماذا سيقول الناس، ماذا سيقولون علينا. ولكن النبي عليه الصلاة والسلام لما كتب الكتاب فهو أراد رضا الله جل وعلا، أراد رضا الله جل وعلا. ولهذا لما كما سيأتي، لما قال له عمر رضي الله تعالى عنه: يا رسول الله، ألسنا على الحق وعدونا على الباطل؟ قال: بلى. قال: ألسنا... قال: فلِمَ نعطي الدنية في ديننا؟ وقال قبل ذلك: ألم تعدنا أننا نتطوف بالبيت، نأتي البيت نتطوف به؟ فقال له: «أقلت لك العام؟ أنا قلت لك أنك ستأتي في هذه السنة». ثم قال: فلِمَ نعطي الدنية في ديننا؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «يا عمر، إني رسول الله ولا أعصيه». وجاء في رواية: «ولن أعصي، إني رسول الله ولن أعصي». أي أنني أتقرب إلى الله عز وجل برضاه، وما أفعل شيء إلا برضى الله سبحانه وتعالى. وهكذا قال أبو بكر لعمر: يا عمر، إنه رسول الله وليس بعاصيه، فالزم غرزه، فإنه على الحق المبين. وسيأتي إن شاء الله هذا الكلام. لكن شاهدنا هنا أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يبحث عن رضا الله، وهؤلاء يبحثون عن ما تقول العرب، وما يقول فلان وفلان. وهذا يحتاج إلى وقفة يسيرة، وهي أن المؤمن ينبغي عليه في المواقف، في المواقف مثل هذه العهودات أو المواثيق، أو حتى مجالس عادية فيها كلام أخذ ورد، فهذه المجالس ينبغي للمسلم والمؤمن أنه ينظر إلى رضا الله جل وعلا، ويتكلم بما يقربه إلى الله سبحانه وتعالى، لأن المؤمن يدور مع رضا الله، لأن رضا الله هو أكبر من كل شيء، ورضوان من الله أكبر. فهم المؤمن هو أن الله عز وجل يرضى عنه، هم المؤمن أن الله عز وجل يرضى عنه في الدنيا والآخرة، وهو من أعظم النعيم الذي يعطيه الله عز وجل أهل الجنة، رضا الله، كما جاء في الصحيحين في حديث أبي سعيد: لما يدخل أهل الجنة الجنة، فيقول الله عز وجل لهم: «يا أهل الجنة، هل رضيتم؟» - أنا يطلب الله عز وجل رضاهم - فقالوا: وكيف لا نرضى يا رب وقد بيضت وجوهنا وأدخلتنا الجنة؟ قال: «فإني أحل عليكم رضواني، فلا أسخط عليكم بعدها أبدًا، فإني أحل عليكم رضواني، فلا أسخط عليكم بعدها أبدًا». فرضوان الله عز وجل هو أعظم من كل شيء. فلذلك المؤمن يدور مع رضا الله، ويترقب الله عز وجل في كلماته، في أفعاله. هذا المؤمن الحق. وأما غير أهل الإيمان، أو من يفعل مثل هؤلاء، تجد أنهم يترقبون الناس، مثل ما قال الله عز وجل: ﴿يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً﴾ [النساء: 77]، يخشون الناس كخشية الله أو أشد خشية. وقال الله عز وجل أيضًا فيمن يبيت الأقوال الباطلة وكذا، فقال سبحانه وتعالى، فقال جل وعلا في بياتهم: قال: معنى أنهم يبيتون في ما لا يرضى ربنا جل وعلا من القول، معنى: يتكلمون ولا يبالون برضى الله سبحانه وتعالى، يبيتون ما لا يرضى من القول. فلذلك المؤمن يبحث عن رضا الله، وأما هذه العادة التي حصلت لكثير من الناس، وأنه ينظر إلى الناس: ماذا سيقولون، ماذا سيقول الناس، وماذا لعلهم لا يرضوا عني الناس، فهذا ليس من صفات الإيمان، وإنما هي من صفات المنافقين، كما ذكرها الله عز وجل عنهم في سورة التوبة، فإنما يريدون رضا الناس فقط. وجاء في حديث أخرجه الإمام أحمد والترمذي وابن ماجة من حديث عائشة رضي الله عنها، أنها كتبت إلى المغيرة بن شعبة: أن النبي عليه الصلاة والسلام قال عليه الصلاة والسلام: «من أرضى الله بسخط الناس، رضي الله عز وجل عليه وأرضى عنه الناس، ومن أرضى الناس بسخط الله، سخط الله عز وجل عليه وأسخط عليه الناس». أن الذي يريد رضا الناس ولو كان ذلك في سخط الله، الله عز وجل يسخط عنه، يغضب عنه عليه، ويغضب عليه الناس كذلك، هؤلاء الذين يريد رضاه. وكذلك إذا فكر في رضا الله وأراد رضا الله سبحانه وتعالى، فإن الله عز وجل يرضى عنه ويرضي عنه الناس، ويرضي عنه الناس. وهذا الحديث طحا الشيخ الألباني رحمة الله عليه، وإن كان بعضهم يقول أنه مرسل، لكن الأدلة تدل عليه. ومن ذلك ما جاء في الصحيحين: أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «إن الله إذا أحب عبدًا نادى جبريل: يا جبريل، إني أحب فلانًا فأحبه، فيحبه جبريل، وينادي في الملائكة: يا ملائكة، إن الله يحب فلانًا فأحبوه، فتحبه الملائكة، ثم يوضع له القبول في الأرض، ثم يوضع له القبول في الأرض». معناه: يوضع له الرضا، رضا أهل الصلاح وأهل الإيمان يرضون به، ولو كان يفعل أشياء تسخطهم أو تسخط بعضهم، لكن همه رضا الله جل وعلا. فلذلك هذه من صفات أهل الإيمان، ومعنى كمال أهل كمال الإيمان، أنهم يرضون الله عز وجل، ويترقبون في الأفعال والأقوال رضا الله سبحانه وتعالى. فإذا كان فعلًا أرادوا أن يقدموا عليه، رأوا: هل هذا يرضي الله أو لا يرضي الله؟ لا ينظرون إلى الناس، لا ينظرون إلى كذا. النظر إلى نظر الناس يأتي بعد، بعد نظر الله عز وجل. أن أولًا ينظر: هل هذا رضا الله؟ فيفعله لأنه رضا لله. وأما إن كان هذا الشيء لا يرضي الله ولا يرضي الناس، فالواجب على المسلم أنه لا يفعله. لهذا كان الحياء من الإيمان، الحياء من الإيمان لأنه يردعك عن ما يغضب الله جل وعلا، استحياء من الله ومن الناس. هذا لا لا بأس بذلك، بل هو من الإيمان. لكن تفعل ما يسخط الله، ما يغضب الله، لأجل رضا الناس، هذا باطل، هذا باطل. وإنما إذا كان تعارض رضا الله برضا الناس، فيقدم رضا الله ومحبة الله جل وعلا. ولهذا من صفات أهل الإيمان، أهل الكمال، أنهم يقدمون حب الله ورسوله على محاب غيرهما، وأيضًا يقدمون ما يرضي الله عز وجل على غيرهما. كما قال الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [الحجرات: 1]. وقال النبي عليه الصلاة والسلام كما في الصحيحين في حديث أنس، وجاء في البخاري من حديث أبي هريرة: أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «ثلاثة من وجد... قال: ثلاثة من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان، ثلاثة من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليهم مما سواهما». وهذا لا يكون إلا بتقديم محابهما على محاب غيرهما، محاب الله ومحاب رسوله صلى الله عليه وعليه وسلم. «أن يكون الله ورسوله أحب إليهم مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يقذف في النار». فلذلك أيها الإخوة الكرام، من أعظم الصفات التي في المؤمن أنه يحب رضا الله في أفعاله وفي أقواله. وهكذا كان نبينا عليه الصلاة والسلام، وهو القدوة، صلوات الله وسلامه عليه، كان ينظر إلى هذا. وأما الكفار فكانوا ينظرون إلى رضا العرب، وأنهم سيقولون، وأنهم سيفعلون. مثل ما يقول بعض بعض المسلمين: إذا ذكر بشيء من الخير ومن الصلاة، يقول: ماذا سيقول علي الناس، وماذا سيقول علي فلان، وماذا كذا؟ هذا خطأ. الواجب أن ينظر إلى رضا الله سبحانه وتعالى. فهذا ما يؤخذ من هذا المقطع من الكتاب، وإن شاء الله تعالى نكمل ما تبقى في الدروس اللاحقة. فنسأل الله عز وجل أن يمن علينا بفضله ورضاه، والحمد لله رب العالمين.