الدرس في التعليقات على كتاب الأدب المفرد 426، ألقاها
يتناول هذا الفصل جواز إزالة شعر العانة والإبط في الإسلام واستدلالاته من القرآن والسنة. كما يشير إلى أهمية هذه العادات في الطهارة والنظافة الشخصية.
يفصل هذا الفصل في خصال الفطرة الخمس المذكورة في حديث أبي هريرة، ويشرح دلالاتها وأهميتها في الطهارة والنظافة وعدم التشبه بالكفار. يشدد على وجوب الالتزام بها.
يختتم بالدعاء بالصلاة على النبي محمد وآله وصحبه، ويعتبر هذا الدعاء من الأفعال التي يحث عليها الدين الإسلامي وتُعد من علامات الإيمان والتقوى.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال إمام البخاري رحمه الله في كتابه "الأدب المفرد": باب حلق الجارية والمرأة زوجها. قال حدثنا موسى بن إسماعيل، قال حدثني سكين بن عبد العزيز بن قيس عن أبيه، قال: دخلت على عبد الله بن عمر وجارية تحلق عنه الشعر. وقال: النورة ترق الجلد. هذا الباب ترجمه الإمام البخاري رحمه الله "باب حلق الجارية والمرأة زوجها"، أي جواز حلق الجارية - وهي الأمة المملوكة - أو المرأة لعانة زوجها، وأن ذلك جائز. وذلك لعموم قول الله جل وعلا: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾. وفي حديث معاوية بن حيد رضي الله عنه قال: يا رسول الله، عوراتنا ما نخفي منها وما نذر؟ قال: «احفظ عورتك إلا من زوجك أو ما ملكت يمينك». فيجوز، كما سمعنا، للجارية أو المرأة تحلق شعر العانة عن زوجها، وذلك لما سمعنا من هذه الأدلة. والإمام البخاري رحمه الله بوضع هذه الترجمة ليستدل بما ذكر في هذا الباب على جواز ذلك. ذكر في هذا الباب أثر عبد الله بن عمر أنه دخل عليه عبد العزيز بن قيس وجارية تحلق عنه الشعر. لكن المراد هنا بالشعر إما شعر الرأس أو شعر الإبط، إما شعر الرأس وإما شعر الإبط، وإلا فلا يظن بابن عمر أنه يسمح بدخول أي رجل عليه وهو على مثل تلك الحال إذا كانت - يعني - تقوم بحلق شعر العانة، فإنه لا يأذن لأحد أن يدخل عليه. فلذلك يحمل قوله "وجارية تحلق عنه الشعر" يعني شعر رأسه أو شعر إبطه. قال: والنورة ترق الجلد. النورة مادة تستعمل في إزالة الشعر، وقوله "ترق الجلد" يعني تنعمه وتلينه. وإزالة الشعر يجوز بالحلق ويجوز بالنورة أو ما كان بمثله من المزيلات. وسيأتي معنى أن من الفطرة حلق العانة ونتف الإبط. قال باب نتف الإبط، قال حدثنا يحيى بن قزعة، قال حدثنا إبراهيم بن سعد عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الفطرة خمس: الختان، والاستحداد، ونتف الإبط، وقص الشارب، وتقليم الأظفار». هذا الباب "باب نتف الإبط" يعني ذكر ما ورد بنتف الإبط، وأن نتف الإبط من خصال الفطرة. ندفه يعني باليد، وذلك أن شعر الإبط في الغالب حين يبدأ ظهوره يكون قليلا وخفيفا، فإذا نتف فإنه لا يكثر كما لو حلق. فلذلك جاءت الشريعة بالحث على نتف الإبط أن الإنسان ينتفه بيده أو ينتفه له أحد. لكن هذا كما قلنا إذا كان يطيق ذلك، وإذا كان يشق عليه ولا يتحمل الألم، يجوز أن يحلقه. ذكر حديث أبي هريرة رضي الله عنه: «الفطرة خمس» ومر معنا في أحد الأبواب السابقة في الكلام على الختان: «خمس من الفطرة». فقوله عليه الصلاة والسلام «الفطرة خمس» ليس معنى أن محصورة في هذه الخمس، لكن المراد أن هذه خمس من خصال الفطرة. ولهذا جاء في حديث عائشة: «عشر من الفطرة»، دل على أن خصال الفطرة لا تتخصص بهذه الخمس ولا بهذه العشر، لكن هذه منها. هذه من خصال الفطرة، ومر معنا أن الفطرة المراد بها الدين. فهذه من خصال الدين التي جاءت الشريعة بالحث على فعلها. قال: والختان، ومر معنا الكلام على الختان وما يتعلق به في الأبواب السابقة، وأنه إزالة اللحمة التي تكون على رأس الذكر بالنسبة للذكر، وبالنسبة للأنثى إزالة لحمة تكون في أعلى الفرج كعرف الديك. وأنه في حق الرجال واجب، وفي حق النساء مستحب. قال: والاستحداد، والاستحداد هو إزالة شعر العانة بالموس، وسمي استحدادا لأنه يزال بالشيء الحاد كالموس ونحوه. والفطرة في شعر العانة أن يزال بالحلق. قال: ونتف الإبط، عرفنا أن نتف الإبط المراد به شعر الإبط الذي يكون في باطن مفصل اليد الذي في الكتف. هذا الشعر يسمى شعر الإبط، فإن إزالته ونتفه من الفطرة. وإزالة شعر العانة والإبط لأن إبقاءها سبب لتعلق الأوساخ بها، ثم تظهر الروائح الكريهة من الإنسان بسبب ذلك، خاصة مع العمل والحركة ونزول العرق. فتصدر شيء من الروائح الكريهة بسبب ذلك. فلأجل هذا جاءت الشريعة بالأمر بنتف الإبط وحلق شعر العانة، وهذا من كمال الطهارة والنظافة. وبالنسبة للختان مر معنا أن الأمر بختان الذكر لأنه يتعلق بطهارته، لأن هذه اللحمة إذا بقيت يعلق فيها البول، وإذا بقي فيها البول فإن هذا يضر بطهارته، وإذا بطلت طهارته بطلت صلاته. قال: وقص الشارب أيضا من الفطرة. قص الشارب: الشعر الذي يكون في أعلى الشفة العليا هذا يسمى الشارب، فقصه وتخفيفه من الفطرة إذا زاد ونزل على الشفة. وتدلل فينبغي أن يزال أن يقص. وهذا حتى لا يكون الإنسان على - يعني - مظهر غير حسن، وكذلك أيضا لا يتشبه بالكفار الذين يحلقون لحاهم ويطيلون شواربهم. وهكذا أيضا إذا أكل فلا - يعني - يعنق شيء من الطعام في شاربه أو يستقدره من يشرب بعده، وغير ذلك من الحكم الكثيرة. فلهذا جاءت الشريعة بالأمر بإعفاء اللحية وبقص الشارب. قال: وتقليم الأظفار، تقليم الأظفار يعني قصها، قص الأظفار وذلك حتى لا يعلق تحتها شيء من الأوساخ التي يتضرر الإنسان بعد ذلك إذا أكل. وهذه الأوساخ تحت أظفاره فتدخل إلى جوفه فتصيبه بشيء من الأمراض، وأيضا لحصول كمال النظافة. فهذه الأمور الخمسة من الفطرة، وتجد أن كثيرا من الناس انعكست الفطرة عندهم، فتجدهم يطيلون أظفارهم ويحلقون لحاهم ويطيلون شواربهم، فهذا من انعكاس الفطرة. فالفطرة كما سمعنا أن يحلق الشارب، وتعفى اللحية، وتقص الأظفار. لكن بعض المسلمين - هداهم الله - يتشبهون بالكفار في مثل هذه الأمور، وربما يفتخر بذلك. يفتخر بإطالة شاربه وبحلق لحيته أو بإطالة أظفاره، خاصة عند النساء ربما يطلن الأظفار من أجل فعل المناكير والتجمل بها ونحو ذلك، فهذا لا يجوز. والواجب على المسلم أن يأخذ بما جاء به هذه الشريعة العظيمة المباركة التي جاءت بهذه الخصال التي ينبغي أن يحافظ عليها المسلم. قال: وحدثنا مسدد، وهذه الأمور كما مر معنا أنها تترك أو تزال عند إطالتها، تزال عند إطالتها. إذا طال الشارب قصه، طالت الأظفار قصها، كثرة شعر الإبط أو العانة أزاله. ولا يجوز أن يبقيه إلى أكثر من أربعين يوما، لحديث أنس في مسلم قال: «وقت لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في نتف الإبط، وقص الأظفار، وحلق العانة، أن لا تبقى أكثر من أربعين يوما». والمعنى أنها تزال قبل ذلك عند إطالتها، فإذا أهمل الإنسان أو غفل فلا يزيد على أربعين يوما، يعني لا تأتي عليه أربعون يوما وهو ما زال مبقي هذه الأشياء لم يزلها ولم يقصها، بل ينبغي أن يزيلها ولا يبقيها حتى تمر عليه أربعون يوما. قال: حدثنا مسدد، قال حدثنا يزيد بن زريع، قال حدثنا عبد الرحمن بن إسحاق، قال حدثني سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «خمس من الفطرة: الختان، وحلق العانة، وتقليم الأظفار، ونتف الإبط، وقص الشارب». والحديث بهذا اللفظ ضعيف. قوله "نتف الإبط" هذا اللفظ شاذ، والمحفوظ "ونتف الإبط" كما في الرواية السابقة. قال: وحدثنا عبد العزيز، قال حدثني مالك عن سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أبي هريرة قال: «خمس من الفطرة: تقليم الأظفار، وقص الشارب، ونتف الإبط، وحلق العانة، والختان». وهذا صحيح موقوف من قول أبي هريرة رضي الله عنه. وقد صح مرفوعا كما مر معنا في الحديث المذكور في أول هذا الباب. صلى الله عليه وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.