كتاب الإيمان 91

كتاب الإيمان 91

الدرس في كتاب الإيمان 91، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري

بداية الوحي وتوطئة النبي

بدأ الوحي للنبي صلى الله عليه وسلم بالرؤيا الصادقة في النوم، ثم تعبد في غار حراء حتى جاءه جبريل عليه السلام. كان هذا تمهيدا لئلا يفاجأ بشيء غير مألوف.

نزول الوحي لأول مرة في غار حراء

نزل الوحي على النبي صلى الله عليه وسلم في غار حراء، حيث أمره جبريل بقراءة الآيات الخمس الأولى من سورة العلق. رجع النبي إلى خديجة خائفا فطمأنته.

لقاء ورقة بن نوفل وتأكيده لنبوة النبي

ذهبت خديجة بالنبي إلى ورقة بن نوفل الذي تنصر في الجاهلية، فأخبره النبي برؤياه، فقال ورقة: هذا الناموس الذي نزل على موسى وتوقع نبوة النبي.

وفاة ورقة بن نوفل قبل نصرة النبي

ذكر ورقة بن نوفل كأحد الراغبين في نصر النبي محمد صلى الله عليه وسلم، لكنه توفي قبل أن يتحقق ذلك. تم التأكيد على الصلاة والسلام على النبي وآله.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام النووي: قال الإمام مسلم الحجاج أبو الحسين النيسابوري القشيري رحمه الله في صحيحه، في كتاب الإيمان: قال حدثني أبو الطاهر أحمد بن عمر بن عبد الله بن عمر بن سرح، قال أخبرنا ابن وهب، هو عبد الله، قال أخبرني يونس بن عبيد عن ابن شهاب، والزهري قال: حدثني عروة بن الزبير أن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم أخبرته أنها قالت: كان أول ما بدأ به رسول الله صلى الله عليه وسلم من الوحي الرؤيا الصادقة في النوم، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح. ثم حبب إليه الخلاء، فكان يخلو بغار حراء يتحنث فيه، وهو التعبد الليالي ذوات العدد، قبل أن يرجع إلى أهله ويتزود لذلك، ثم يرجع إلى خديجة فيتزود لمثلها، حتى فجئه الحق وهو في غار حراء، فجاءه الملك، قال: اقرأ، قال: ما أنا بقارئ، قال: فأخذني فغطني حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني فقال: اقرأ، قلت: ما أنا بقارئ، قال: فأخذني فغطني الثانية حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني فقال: اقرأ، قلت: ما أنا بقارئ، فأخذني فغطني الثالثة حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني فقال: اقرأ باسم ربك الذي خلق، خلق الإنسان من علق، اقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم. فرجع بها رسول الله صلى الله عليه وسلم ترجف بوادره، حتى دخل على خديجة، قال: زملوني، زملوني، فزملوه حتى ذهب عنه الروع، ثم قال لخديجة: أي خديجة، ما لي؟ أخبرها الخبر، قالت: لقد خشيت على نفسي، قالت له خديجة: كلا، أبشر، فوالله لا يخزيك الله أبدا، والله إنك لتصل الرحم، وتصدق الحديث، وتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق. فانطلقت به خديجة حتى أتت به ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزة، وهو ابن عم خديجة، أخي أبيها، وكان امرأ تنصر في الجاهلية، وكان يكتب الكتاب العربي، ويكتب من الإنجيل بالعربية ما شاء الله أن يكتب، قال: وكان شيخا كبيرا قد عمي، فقالت له خديجة: أي عم، اسمع من ابن أخيك، قال ورقة بن نوفل: يا ابن أخي، ماذا ترى؟ وأخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم خبر ما رأى، قال له ورقة: هذا الناموس الذي أنزل على موسى، يا ليتني فيها جذعا، يا ليتني أكون حيا حين يخرجك قومك، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أو مخرجي هم؟ قال ورقة: نعم، لم يأت رجل قط بما جئت به إلا عودي، وإن يدركني يومك أنصرك نصرا مؤزرا. هذا الحديث ذكره الإمام مسلم رحمه الله في صحيحه، وبهذا الإسناد، باب بدء الوحي إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام. فذكر حديث عائشة رضي الله عنها في إخبارها ببدء الوحي الذي بدأ به النبي عليه الصلاة والسلام، فأخبرت أن أول ما بدأ به رسول الله صلى الله عليه وسلم من الوحي الرؤية الصادقة، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، يعني لا يرى رؤيا إلا تحققت ووقعت، وفلق الصبح هو ضياؤه ونوره الواضح البين. فكان هذا ابتداء الوحي، أنه يرى الرؤية فتكون كما رأى عليه الصلاة والسلام وتتحقق هذه الرؤية. وأشار الإمام النووي رحمه الله عما ذكر أهل العلم أن سبب ذلك أن ابتداء الوحي كان بالرؤية حتى لا يفجعه الملك حين يراه من أول مرة، فيأتيه بغتة، وربما لا يتحمل ذلك، فجاءه الوحي ابتداء شيئا فشيئا، فكان أول ذلك هي الرؤية. قالت: ثم حبب إليه الخلاء، فكان يخلو بغار حراء يتحنث فيه، الخلاء يعني الخلوة والابتعاد عن الناس، فكان يبتعد ويخلو بنفسه يتعبد لله جل وعلا. قالت: فكان يخلو بغار حراء، والغار هو الكهف في الجبل، قد تكون كبيرة وقد تكون صغيرة، قد يكون واسعا وطويلا وقد يكون قصيرا، المهم الفتحة التي تكون في وسط الجبل يقال لها كهف ويقال لها غار. فكان النبي صلى الله عليه وسلم يخلو في غار حراء، قالت: وغار حراء يعني جبل بينه وبين مكة نحو ثلاثة أميال. قال: يتحنث فيه، يتحنث يعني يتعبد، ولهذا قال: وهو التعبد الليالي ذوات العدد. فكان يجلس في الغار يتعبد لله جل وعلا. وقيل: معنى التحنث تجنب الحنث، تجنب الحنث، فكأنه بعبادته يتجنب الوقوع فيما يحنث فيه، يأثم بفعله وقوله. قال: وهو التعبد الليالي ذوات العدد، قبل أن يرجع إلى أهله ويتزود لذلك، ثم يرجع إلى خديجة فيتزود لمثلها، يعني إذا نفد الزاد الذي معه من الطعام رجع إلى خديجة وأخذ له ما يحتاج من الزاد، ثم رجع وجلس في الغار يتعبد لله جل وعلا. قال: فجاءه الملك، والمراد بالملك جبريل عليه السلام، وهو الملك الموكل بالوحي، الملك الموكل بالوحي وهو جبريل عليه السلام، أشرف الملائكة وأفضل الملائكة. قال: اقرأ، قال: ما أنا بقارئ، ومعنى ما أنا بقارئ يعني ما أحسن القراءة، لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان أميا ما يقرأ ولا يكتب. قال: ما أنا بقارئ، ما أحسن القراءة، قال: فأخذني فغطني، يعني ضمني حتى بلغ مني الجهد، يعني التعب والمشقة، ثم أرسلني، يعني أطلقني، قال: اقرأ، قلت: ما أنا بقارئ، ما أحسن القراءة، فأخذني فغطني الثانية حتى فعل ذلك ثلاث مرات. فلما أرسله في الثالثة قال: اقرأ باسم ربك الذي خلق، خلق الإنسان من علق، اقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم. وهذه الخمس الآيات الأولى من سورة العلق هي أول ما نزل على النبي عليه الصلاة والسلام من القرآن، أول ما نزل على النبي صلى الله عليه وسلم من القرآن هذه الخمس الآيات من سورة العلق، هذا قول جمهور أهل العلم وهو الصحيح كما في هذا الحديث. وأما حديث جابر أنه سئل عن أول ما نزل عن النبي صلى الله عليه وسلم من القرآن فذكر انقطاع الوحي، ثم لما رأى جبريل في السماء فرجع إلى أهله فقال: زملوني، ادثروني، صبوا علي ماء باردا، فأنزل الله: يا أيها المدثر، قم فأنذر، وربك فكبر الآيات، فهذا كما قال أهل العلم يحمل على أنه أول ما نزل بعد انقطاع الوحي، فهذه أولية مقيدة، حديث جابر يحمل على أول ما نزل بعد فترة الوحي. أما أول ما نزل ابتداء فهي هذه الآيات من سورة العلق، ثم فترة الوحي، ثم نزل بعد ذلك أول الآيات من سورة المدثر، ثم بعد ذلك تتابع الوحي. قال: فرجع بها رسول الله ترجف بوادره، ترجف بوادره يعني ترتعد وتضطرب، والبوادر هي اللحمة بين المنكب والعنق، تكون في هذا الموضع تضطرب يعني من الخوف والرعب الذي حصل له عليه الصلاة والسلام. فرجع إلى خديجة فقال: زملوني، زملوني، زملوني يعني قطوني، قطوني بالثياب، قال: فزملوه حتى ذهب عنه الروع، يعني الخوف، ثم قال لخديجة: أي خديجة، ما لي؟ يعني ما الذي حدث لي وما الذي أصابني؟ فأخبرها الخبر، أخبر خديجة بما حصل له وما رأى، فقال: أي النبي عليه الصلاة والسلام لقد خشيت على نفسي يعني من الهلاك. فقالت له خديجة رضي الله عنها: كلا، أبشر، فوالله لا يخزيك الله أبدا، لماذا قالت هذا؟ لما علمت من حسن خلق النبي عليه الصلاة والسلام، فلهذا ذكرت من حسن أخلاقه: إنك لتصل الرحم، وتصدق الحديث، وتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق. تصل الرحم يعني أقاربك وأرحامك تصلهم بالزيارة وبالإحسان إليهم والعطاء. تصدق الحديث إذا تكلمت صدقت، ولهذا كان يلقب عليه الصلاة والسلام بالصادق الأمين. وهكذا أيضا تحمل الكل، ومعنى تحمل الكل يعني الأشياء الثقيلة، تحمل الأشياء الثقيلة وتتحمل الإنفاق على الفقراء والأيتام ونحو ذلك. وتكسب المعدوم يعني تعطي الذي ما عنده شيء، تكسب المعدوم تعطي الذي ليس عنده شيء. وتقري الضيف يعني تحسن ضيافة الضيف، إكرامه وإطعامه. وتعين على نوائب الحق، تعين على نوائب الحق يعني أنك تعين على فعل الخير وتبتعد عن فعل الشر. فهذه الأوصاف التي أنت متخلق بها، مثلك ما يخزى، مثلك لا يخزى ولا يصيبه شر، بل يرجى له الخير. فمما علمت خديجة رضي الله عنها من صفات النبي عليه الصلاة والسلام هذه الصفات الحسنة، أكدت له وبشرته بالخير والبشرى. فانطلقت به خديجة حتى أتت به ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزة، وهو ابن عم خديجة، أخي أبيها، يعني ابن عمها من نسب، فأبوه عمها أخو أبيها. وكان امرأ تنصر في الجاهلية، يعني كان في الجاهلية نصرانيا على دين النصارى. وكان يكتب الكتاب العربي، وكان يكتب من الإنجيل ما شاء الله بالعربية. قال: وكان شيخا كبيرا قد عمي، يعني كبير في السن حتى ذهب بصره. فقالت له خديجة: أي عم، اسمع من ابن أخيك. وقيل إنها قالت ذلك من باب الاحترام والتقدير، وإلا لم يكن يعني ابن أخيه حقيقة من النسب، وإنما هذا من باب الاحترام والتقدير. فقال له ورقة بن نوفل: يا ابن أخي، ماذا ترى؟ فأخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم خبر ما رأى. قال له ورقة: هذا الناموس الذي أنزل على موسى، والمراد به الناموس كما قال أهل اللغة يراد به صاحب سر الخير، كما أنه يقال للجاسوس صاحب سر الشر. والمراد به جبريل عليه السلام، المراد به جبريل عليه السلام الذي هو موكل بالوحي والواسطة بين الله وبين رسله في الأرض. فقال: هذا الناموس الذي أنزل على موسى، يعني نفس الوحي الذي كان ينزل على موسى عليه الصلاة والسلام وهو جبريل عليه السلام. قال: يا ليتني فيها جذعا، يعني شابا قويا فتيا، يا ليتني أكون حيا حين يخرجك قومك. فأخبره ورقة بأن قومه سيخرجوه، فاستغرب النبي عليه الصلاة والسلام، قال: أو مخرجي هم؟ يعني قومي سيخرجوني من بلدي؟ أو مخرجي هم؟ فقال له ورقة: نعم، لم يأت رجل قط بما جئت به إلا عودي. وإن يدركني يومك أنصرك نصرا مؤزرا، يعني ما جاء بمثل ما جئت به من النبوة والرسالة إلا كان له أعداء وعودي من جهة قومه وأقاربه وعشيرته. وإن يدركني يومك يعني أكون حيا حين تبعث فيصيبك ذلك، فأنا ممن يؤازرك ويناصرك. هذا الحديث يعتبر من مراسيل الصحابة، لأن عائشة رضي الله عنها أخبرت بهذا الخبر ببدء الوحي للنبي عليه الصلاة والسلام، ولم تدرك ذلك، فإما أن سمعته من بعض الصحابة أو سمعته من النبي عليه الصلاة والسلام، فهو مرسل صحابي. ومراسيل الصحابة مقبولة عند العلماء، مراسيل الصحابة مقبولة عند أهل العلم لأن الواسطة معروفة، إما صحابي وإما النبي عليه الصلاة والسلام، فهي حجة عند سائر أهل العلم. وكذلك أيضا في قول ورقة: هذا الذي قاله، أنه يعني إن أدركه ينصره نصرا مؤزرا، يدعو على أنه إن أدرك النبي عليه الصلاة والسلام سيكون ممن آمن به. وكلامه هذا يدل على أنه كان على دين النصرانية الصحيح، ولهذا أخبر النبي عليه الصلاة والسلام بهذا الأمر، ولذلك يعد من أهل الإيمان، يعد من أهل الإيمان مثله مثل غيره الذين يعني لم يدركوا فترة النبوة ومبعث النبي عليه الصلاة والسلام، وكانوا يبحثون عن الدين الحق. كزيد بن عمر بن الخطاب، وآل السعيد، فإنه لقي النبي عليه الصلاة والسلام، لكنه مات قبل أن يبعث النبي صلى الله عليه وسلم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم فيه: يبعث يوم القيامة أمة وحده. ومثل ذلك ورقة بن نوفل، فإنه كان يعني ممن يريد نصرة النبي عليه الصلاة والسلام إن أدركه، لكنه مات قبل ذلك. صلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.