كتاب البيوع 16

الدرس في كتاب البيوع 16، ألقاها

شرح وتحليل حديث بيع حبل الحبلة

يتناول المقطعان الأول والثاني شرح حديث بيع حبل الحبلة وتحليل البيوع المنهى عنها، حيث ينهى النبي صلى الله عليه وسلم عن بيع حبل الحبلة ويبين العلماء اختلافهم في تفسير هذا الحديث.

تفسير حبل الحبلة وآراء العلماء

يتناول المقطعان الأول والثاني آراء العلماء في تفسير حبل الحبلة، حيث يرى البعض أنه بيع ولد الناقة ويرى آخرون أنه بيع شيء بثمن مؤجل حتى تلد الناقة ثم تحمل الناتجة.

بيع الثمار قبل بدو صلاحها وتحليل آراء الفقهاء

يناقش المقطعان الثالث والرابع بيع الثمار قبل بدو صلاحها، ويبين آراء الفقهاء في جواز أو عدم جواز هذا البيع مستندين إلى حديث النبي صلى الله عليه وسلم.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله حمدًا كثيرًا مباركًا فيه، كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، قال الإمام عبد الغني المقدسي رحمه الله تعالى في كتابه «عمدة الأحكام» في باب أو في كتاب البيوع منه، في باب ما ينهى عنه من البيوع، قال: وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع حبل الحبلة. وكان يتبايعه أهل الجاهلية، كان الرجل يفتاع جزورًا إلى أن تنتج الناقة، ثم تنتج التي في بطنها. قيل: إنه كان يبيع الشارفة -وهي الكبيرة المسنة- بنتاج الجنين الذي في بطن ناقته. طيب هذا الحديث من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، فيه بعض صور البيوع المنهى عنها، وهي بيع حبل الحبلة. فقوله «حبل الحبلة» بفتح المهملة والموحدة، وقيل: في الأول بسكون موحدة، وغلطه القاضي عياضي. غلط من قال بهذا، قال: وهو مصدر «حبلة تحبل حبلًا» أو «حبلت تحبل حبلًا»، والحبلة جمع حابل، مثل ظلمة وظالم، وكتبة وكاتب، والهاء فيها للمبالغة. وقيل: الإشعار بالأنوثة، وقد نذر فيه امرأة حاملًا، فالهاء فيه للتأنيث. وقيل: «حبلة» مصدر يسمى به المحبول. قال أبو عبيد: لا يقال لشيء من الحيوانات «حبلت» إلا الإدميات، إلا ما ورد في الحديث. وأثبته صاحب المحكم قولًا؛ أي: صاحب المحكم ابن سيدة أثبته قولًا لأهل اللغة، فقال: اختلف أهل اللغة: هل يعم جميع الإِناث أم هو للإِناث خاصة؟ وأنشد في التعميم قول الشاعر: «أو ذيخة حبلى مجح مقرب». قال الحافظ: وفي ذلك تعقيب على نقل النووي اتفاق أهل اللغة على التخصيص. فالحاصل: أن الحبل يطلق على المرأة، ويطلق كذلك على الحيوان، وإن كان في المرأة أكثر وأشهر. قوله «وكان يتبايعه أهل الجاهلية» إلى آخر الحديث، ذكر الحافظ في «الفتح» أن هذا اللفظ مدرج؛ يعني: ليس من قول النبي صلى الله عليه وسلم، إنما أدرجه بعض الرواة. ثم اختلف العلماء فيمن أدرجه، فذهب الإِسماعيلي والخطيب البغدادي إلى أنه من قول نافع؛ أي: إن نافعًا هو الذي فسر هذه الجملة. وذهب ابن عبد البر إلى أنه من قول ابن عمر؛ أي: إن ابن عمر هو الذي فسر هذا الحديث؛ أي: «حبل الحبلة»، وهو الذي استظهره الحافظ ابن حجر؛ أي: الحافظ ابن حجر استظهر ما ذهب إليه ابن عبد البر من أن هذا من تفسير ابن عمر رضي الله عنهما. قوله «الجزور» بفتح الجيم وضم الزاي، هو البعير ذكرًا كان أو أنثى؛ يعني: الجزور يطلق على الذكر وأنثاه، إلا أن لفظه مؤنث، تقول: «هذا الجزور». وإن أردت ذكرًا، فيحتمل أن يكون ذكره في الحديث قيدًا فيما كان أهل الجاهلية يفعلونه، فلا يتبايعون هذا البيع لجزور أو لحم جزور. ويحتمل أن يكون ذكرًا على سبيل المثال. وأما في الحكم، فلا فرق بين الجزور وغيرها في ذلك. قال الحافظ: أي: لا فرق بين الجزور، سواء كان ذكرًا أو أنثى، أو كان بقرة أو غنمًا أو ما شابه ذلك؛ الاشتراك في الحكم؛ يعني: اشتراك العلة، واشتراك العلة يقتضي اشتراك أو الاتفاق في الحكم. قوله «تنتج» بضم أوله وفتح ثالثه؛ أي: تلد ولدًا، والناقة فاعل، وهذا الفعل وقع في لغة العرب على صيغة الفعل المسند إلى المفعول، وهو حرف نادر؛ يعني: جاء على صيغة الفعل المبني للمجهول «تنتج». ولذا قالوا: فعل هذا حرف نادر. قوله «ثم تنتج التي في بطنها»؛ أي: تعيش المولود حتى تكبر، ثم تلد. وهذا القدر زائد على رواية «ثم تحمل التي في بطنها». وفي رواية: «أن تنتج الناقة ما في بطنها»؛ يعني: الآن «حبل الحبلة» هل المراد به ينتظر حتى تلد الحبلة؟ أم يراد به أن تحبل الناقة، ثم التي في بطنها تحبل؟ فما يكون من الحبل الثاني فهو الذي يكون عوضًا عن الجزور. تفسيرين لأهل العلم. وسيأتي الكلام على هذا بإذن الله جل وعلا. طيب ها هنا مسائل في هذا الحديث، من أولها: اختلف العلماء في تفسير «حبل الحبلة». فذهب سعيد بن المسيب ومالك والشافعي والجماعة إلى أنه يبيع بثمن إلى أن يلد ولد الناقة؛ أي: يبيع بثمن إلى أن تلد أو إلى أن يلد ولد الناقة؛ يعني: مثلًا رجل يشتري يذهب إلى جزار، يقول له: أعطني مثلًا عشر كيلو من اللحم على سبيل المثال، وسأعطيك ثمنه إذا حبلت «الحبلة» أو إلى حبل «حبلة» أو سأعطيك مقابله «حبل الحبلة» أو ما شابه ذلك. فبعضهم -كما ذهب إلى ذلك سعيد بن المسيب وغيره- إلى أنه أن يبيع بثمن إلى أن يلد ولد الناقة. ومعنى هذا: أن الناقة تحمل، ثم تضع، ثم هذا الناتج يحمل، ثم يضع. هذا يسمى «حبل الحبلة» على قول هؤلاء. وقال بعضهم: أن يبيع بثمن إلى أن تحمل الدابة وتلد؛ يعني: الدابة ما حملت بعد، ولكن يقول: إن حملت دابة، حملت دابة ووضعت، سأقضيك الثمن. وقال: «وتلد ويحمل ولدها»؛ أي: أن يبيع بثمن إلى أن تحمل الدابة وتلد ويحمل ولدها. وبه جزم أبو إسحاق في «التنبيه»، فلم يخلط «وضع حمل ولد» كرواية مالك. رواية مالك شرط أن يلد ولد الناقة، أما الآخر يقول: يكفي أن تحبل ولد الناقة. قال الحافظ رحمه الله: ولم أر من صرح بما اقتضته رواية «جويرية»؛ أي: الرواية الثالثة، وهو الوضع فقط؛ هو الوضع فقط؛ بمعنى أنه مجرد أن تضع الناقة ما في بطنها. يعني: الخلاف بين أهل العلم: منهم من يقول: «حبل الحبلة» يعني الأولى -الأم- تلد، ثم تحمل الثانية -بنتها-. منهم من يقول: إذا إلى الحامل يكفي المدة. ومنهم من يقول: لا، لابد أن تلد البنت؛ لابد أن تلد البنت. فمالك ذهب إلى أنه لابد أن تلد البنت، وذهب غيره إلى أنه يكفي في ذلك أن تحمل البنت. الحافظ رحمه الله تعالى نبه على أمر ثالث، على صورة ثالثة، وهي: يقول: «ولم أر من صرح بما اقتضته رواية جويرية»؛ أي: الرواية الثالثة، وهو الوضع فقط. وهو في الحكم مثل الذي قبله، والمنع في الصور الثلاث بالجهالة في الأجل. طيب وهو الوضع فقط؛ بمعنى أن «حبل الحبلة» إلى أن تحبل الناقة، ثم تضع الأم. واضح هذا؟ قد جاء في رواية تدل عليه، جاء في رواية تدل على هذا المعنى؛ أي: «حبل الحبل» في ماذا؟ إلى أن تضع الأم. فيقول الحافظ رحمه الله تعالى: «وهو الوضع فقط». قال: وهو في الحكم مثل الذي قبله، والمنع في الصور الثلاث -سواء الصور الأولى أو الثانية أو الثالثة- للجهالة في الأجل؛ للجهالة في الأجل. قال: ومن حقه على هذا التفسير -على التفسير الثالث- أن يذكر في كتاب «السلم»؛ يعني: من حقه في هذا التفسير أن يذكر في كتاب «السلم»، إن كتاب «السلم» دفع مقدم ووصف مؤخر. قال: وقال أبو عبيدة معمر بن المثنى، وأبو عبيد القاسم بن سلام تلميذه، وأحمد وإسحاق، وابن حبيب المالكي، وأكثر أهل اللغة، وبه جزم الترمذي: هو بيع ولد الناقة؛ هو بيع ولد الناقة؛ ولد وولد نتاج الدابة؛ هو بيع ولد الناقة وولد نتاج الدابة؛ يعني: يكون البيع في ماذا؟ في ولد الناقة؛ يكون «حبل الحبلة» منصبًا على ماذا؟ على ولد الناقة؛ «حبل الحبلة» منصب على ولد الناقة ونتاج الناقة. قال الحافظ: وللمنع في هذا من جهة أنه يبيع معدومًا ومجهولًا؛ يعني: معدومًا ومجهولًا وغير مقدور على تسليمه، فيدخل في بيوع الغرر. إذن نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن بيع «حبل الحبلة» لماذا؟ لأنه داخل في بيوع الغرر؛ لأنه داخل في بيوع الغرر؛ لماذا؟ للجهالة؛ للجهالة. وأيضًا فيه معنى أنه باع ما لا يملك؛ معدوم مجهول. وفيه كذلك معنى بيع ما لا يقدر على تسليمه. إذن فيه جهالة؛ وفيه جهالة؛ وفيه جهالة؛ فهو من بيوع الغرر. وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن بيع الغرر، كما في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. وجاء عن غيره. قال: ابن نوتين محصل الخلاف: هل البيع إلى أجل أو بيع الجنين؟ هل المراد بالأجل ولادة الأم أو ولادة ولديها؟ وعلى الثاني: هل المراد بيع الجنين الأول أو بيع جنين الجنين؟ قال: فصارت أربعة أقوال. وله تفسيرات أخرى استضعفها بعض العلماء. والحاصل: أن الكل على الصور المذكورة ماذا؟ لا يصح؛ سواء كان ولد الولد أو ولد؛ يعني: أو ما في البطن حتى تضع؛ أو أن يكون الأمر معلقًا بالحامل أو معلقًا بالوضع أو ما شابه ذلك. كله معلق؛ كله ماذا؟ من بيع الغرر؛ من بيع الغرر. فنص هذا الحديث: نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن بيع «حبل الحبلة». والكل يتناول ذلك. قال: ومن حيث العموم داخل في عموم قول النبي صلى الله عليه وسلم: «نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن بيع الغرر»؛ «عن بيع الغرر». قال ابن المنذر رحمه الله تعالى: وقد أجمعوا على أن بيع الملاقيح؛ على أن بيع الملاقيح والمضامين غير جائز. وإنما لم يجز بيع الحامل في البطن لوجهين: أحدهما: جهالته؛ فإنه لا تعلم صفته ولا حياته؛ يعني: أنا أقول له: ستشتري منك ما في بطن ناقتك. ما يدريك ما يخرج ما في بطن الناقة: ذكرًا أو أنثى، كاملًا أو ضعيفًا، ناقصًا في عاهة، كبيرًا أو صغيرًا، جميلًا -يعني: حسنًا- أو غير حسن. وهل يخرج حيًا أو ميتًا؟ ما يدريك؟ فالأمر الأول: قال: «جهالته؛ فإنه لا تعلم صفته ولا حياته». الثاني: أنه غير مقدور على تسليمه؛ أنه غير مقدور على تسليمه؛ بخلاف الغائب؛ الغائب -يعني: الغائب- ولكنه ماذا؟ موجود؛ غائب ولكنه موجود؛ فإنه يقدر على الشروع في تسليمه. وقد روي عن سعيد المسيب؛ وقد روى سعيد المسيب عن أبي هريرة: أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع المضامين والملاقيح؛ «عن بيع المضامين والملاقيح». والحديث رواه البزار، وفي سنده صالح بن أبي الأخضر، وفيه ضعف. لكن له شواهد؛ فمنها ما رواه عبد الرزاق عن ابن عمر، وإسناده صحيح. ورواه الطبراني عن ابن عباس مرفوعًا، وفيه إبراهيم بن إسماعيل بن أبي حبيبة: ضعيف. والخلاصة: أن الحديث -يعني: صحيح- بمجموع طرقه. وقد رواه كذلك مالك في «الموطأ» عن ابن المسيب مرسلًا. فالحديث بمجموع طرقه -يعني: حديث ابن عمر- صحيح. والحديث الأخرى تكون يقوي بعضها بعضًا؛ يقوي بعضها بعضًا. ومعنى «الملاقيح والمضامين»: قال أبو عبيد: «الملاقيح» ما في بطون الأجنة؛ «الملاقيح» ما في بطون الأجنة. «والمضامين» ما في أصلاب الفحول؛ ما في أصلاب الفحول. فالملاقيح: ما في بطون الأجنة؛ يعني: المرأة أو الناقة يلقحها الذكر من الإبل، فيقول الرجل: أشتريت منك ما في بطن ناقتك. هذا يسمى إيش؟ داخل في بيع «الملاقيح والمضامين». «والمضامين» أو داخل في بيع ماذا؟ في بيع «الملاقيح والمضامين». قال: «ما في أصلاب الفحول»؛ يعني: الرجل قديمًا يقول: عنده فحل، يقول له: اشتريت ما في صلب فحلك. فإذا يعني نزى الذكر من الإبل أنثى من الإبل، يقول: «هذه لي، شريتها منك بكذا وكذا». هل يسمى ماذا؟ يسمى «المضامين». قال: «فكانوا يبيعون الجنين في بطن ناقة، وما يضربه الفحل بها عامة أو عامة أو في أعوام عامة أو في أعوام»؛ يعني: سواء كان الفحل يضرب في العام الواحد، يقول: «هذا العام ما ضرب -ما لقح- جملك». وهو لي، أنا سأشتريه منك. لقح الجمال واحدة، ثنتان، عشر، عشرين، هو لي. وبعضهم يجعله ماذا؟ مدى الحياة؛ كل ما لقحه جملك من ناقة، فأنا أشتريه. فهذا شراء ماذا؟ فهذا شراء داخل في شراء «المضامين»؛ داخل في شراء «المضامين والملاقح». «والمضامين والملاقح» منهم -كما ذكر- يجعل «ملاقح» الصورة الأولى، و«المضامين» الصورة الثالثة. ومنهم من يعكس؛ منهم من يعكس، فيجعل «ملاقح» للأنثى، و«المضامين» للذكر. والنهي يشمل الجميع؛ لماذا؟ للمعنى السابق. قال ابن عبد البر رحمه الله تعالى: وأي الأمرين كان، فعلماء المسلمين مجمعون على أن ذلك كله لا يجوز؛ في بيوع الأعيان، ولا في بيوع الآجال. والحمد لله كثيرًا؛ أي: سواء الصورة الأولى ذكرها ابن المنذر، أو الصورة الثانية، كلها لا تجوز؛ كلها لا تجوز. وداخلة في معنى ما تقدم. طيب ها هنا فائدة، وفائدة جليلة ذكرها العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى في كتاب «زاد المعاد»، فنذكرها. الفائدة: قال العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى في «زاد المعاد»، المجلد الخامس: «والمعدوم ثلاثة أقسام: معدوم موصوف في الذمة»؛ قال: «فهذا يجوز بيعه اتفاقًا». وهو ما يسمى ببيع ماذا؟ «بالسلم»؛ هذا ما يسمى ببيع ماذا؟ «السلم». قال: «وكان أبو حنيفة شرط في هذا النوع أن يكون وقت العقد في الوجود؛ وأن يكون وقت العقد في الوجود من حيث الجملة»؛ بمعنى أن أبو حنيفة -وإن وافق الجمهور في بيع السلم- إلا أنه اشترط شرطًا. ما هو هذا الشرط؟ يقول: اشترط أن يكون هذا الشيء موجود -ولا- بالجملة؛ يعني: مثلًا الرجل أراد أن يشتري التمر، يقول: لا بد أن يكون التمر موجود ولو أصل التمر. لا يشترط أن يكون التمر مثلًا بلدة كبيرة، أشترط التمر لا بد أن يكون في ماذا؟ في هذه البلدة تمرًا ولو يسيرًا؛ تمرًا ولو يسيرًا. والجمهور على أن هذا الشرط لا يشترط؛ بل يكفي في ذلك إمكان التسليم عند الأجل؛ يكفي في ذلك إمكان التسليم عند الأجل؛ في بيوع السلام. قال: «من حيث الجملة». قال: «وهذا هو السلام». وسأتي ذكر «السلام» إن شاء الله تعالى. «والثاني: معدوم تبع للموجود»؛ معدوم ولكنه تبع لإيش؟ للموجود. وإن كان أكثر منه. وهو نوعان؛ يعني: معدوم ولكنه تبع؛ تبع لماذا؟ للموجود؛ الأصل للموجود، والمعدوم تبع له. فيقول رحمه الله تعالى: وهو نوعان: نوع متفق عليه، ونوع مختلف فيه. فالمتفق عليه: بيع الثمار بعد بدو صلاح ثمرة واحدة منها. فاتفق الناس على جواز بيع ذلك الصنف الذي بدأ صلاح واحدة منه، وإن كانت بقية أجزاء الثمار معدومة وقت العقد. ولكن جاز بيعه؛ الموجود واضح هذا؟ وقد يكون معدوم متصلًا بالموجود؛ وقد يكون معدوم متصلًا بالموجود. وقد يكون أعيًا أخرى منفصلة عن الوجود؛ منفصلة عن الموجود؛ لم تخلق بعد؛ لم تخلق بعد. يقول: «وقد يكون معدوم متصلًا بالموجود»؛ مثلًا: تمر، وفيه بجانبه ثمار متصلة؛ فيه ثمار في الوسق الواحد، أو فيه العرجون الواحد؛ فيه ثمار. وما شابه ذلك: واحدة ظهرت، ولكن متصلة بها غيرها. فيشمله. يقول: «أو كانت منفصلة»؛ أو كانت ماذا؟ أو كانت منفصلة؛ يعني: قد يكون كما قال رحمه الله: قد يكون معدوم متصلًا بالموجود. وقد يكون أعيًا أخرى منفصلة عن الوجود؛ لم تخلق بعد؛ لم تخلق بعد. طيب قال: «والنوع الثاني المختلف فيه: كبيع المقاث والبطائح إذا طابت المقاث»؛ كالغساء وما شابه ذلك. «والمباطخ» كالبطيخ، البطيخ ومشتقاته؛ يعني: من الخيار ونحوه. قال: «فهذا فيه قولان»؛ هذا فيه قولان. قال: «أحدهما: أنه يجوز بيعها جملة»؛ يجوز بيعها جملة؛ مع أنها معدومة؛ يعني: هذه الأشياء تظهر ماذا؟ الأوراق. وأما الأشياء تكون ماذا؟ تكون تحت الأرض؛ مثل: التفاح، البطاطس، الطماطم، البصل، الطماطم؛ تكون ظاهرة، لكن البطاطس، البصل، الثوم، وما كان على شاكلتها؛ ولا تكون تحت الأرض؛ تكون تحت الأرض؛ وإنما تكون أوراق ظاهرة. فيقول ابن القيم رحمه الله تعالى: يقول: إن بعض أهل العلم يقول: «والنوع المختلف فيه» يقول: بعض أهل العلم: فيه قولان؛ أحدهما: أنه يجوز بيعها جملة. ويأخذها المشتري شيئًا بعد شيء؛ يعني: كل ما طابت أخذ؛ كل ما طابت أخذ. وهذا قد يعرف بماذا؟ بالخبرة؛ يعني: ينظر أهل خبرة إلى الأوراق، فيعلم أن ما تحت قد طابت وصارت صالحة؛ يعني: قد بدأ صلاحها؛ أهل خبرة ينظرون إلى تلك الأوراق، فيعلمون أنه قد بدأ صلاحها. فقالوا: «ويجري مجرى بيع الثمر». قالوا: «ويأخذ المشتري شيئًا بعد شيئًا؛ كما أجرت به العادة»؛ أجرت به عادة الناس. ويجري مجرى بيع الثمر بعد بدو صلاحها. قالوا: «وهذا هو الصحيح من القولين؛ الذي استقر عليه عمل الأئمة». قال: «وَلَا غِلْوَةَ لَهُمْ عَنْهُ وَلَمْ يَأْتِ بِالْمَنْعِ مِنْهُ كِتَابٌ وَلَا سُنَّةٌ وَلَا إِجْمَاعٌ وَلَا أَثَرٌ وَلَا قِيَاسٌ صَحِيحٌ». وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَأَحَدُ الْقَوْلَيْنِ فِي مَذْهَبِ أَحْمَدُ». هو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية؛ أي: جواز هذه الصورة؛ جواز هذه الصورة. قالوا: والذين قالوا: لا يباع إلا لقة؛ أي: لقة واحدة. بعض أهل العلم قال: يجوز ذاكًا لإشتراط أن تلفها؛ يعني: كلها في وقت واحد؛ من أولها إلى آخرها. أما أن تأخذ شيئًا فشيئًا لا. فيقوم القيم: والذين قالوا: لا يباع إلا لقة؛ لا ينضبط قولهم شرعًا ولا عرفًا؛ ويتعذر العمل به غالبًا؛ وإن أمكانًا؛ قال: «ففي غاية العسر». ويؤدي إلى التنازع والاختلاف الشديد؛ إلى التنازع والاختلاف الشديد؛ لماذا؟ لأنه قد يقول: قال؛ يعني: يقطف الرجل، فيبقى عليه شيء ما يستطيع قطفه في اليوم الأول. يأتي اليوم الثاني، يقول له: «انتهى أمرك؛ هذا الزرع الآن لنبته هنا لي». يقول له: «أنا قد اشتريت منك الأرض». فيحصل التنازع، ويحصل ماذا؟ خلاف. «الثالث: قال: معدوم لا يدرى»؛ الصورة الثالثة من المعدوم. قال: «معدوم لا يدرى يحصل أو لا يحصل، ولا ثقة لبائعه بحصوله»؛ بل يكون المشتري منه على خطر. قال: «فهذا الذي منع الشارع بيعه؛ لا لكونه معدومًا؛ بل لكونه غررًا»؛ بل لكونه غررًا. قال: «فمنه صورة النهي التي تضمنها حديث حكيم بن حزام، وابن عمر رضي الله عنهما». فإن البائع إذا باع ما ليس في ملكه؛ أي: في حديث «ولا تبع ما ليس عندك». وجاء في حديث حكيم بن حزام: «لا تبع»؛ يعني: ماذا؟ ما لا. صورة النهي عن بيع ما لم يملك. قال: «فإن البائع إذا باع ما ليس في ملكه، ولا له قدرة على تسليمه»؛ ليذهب ويحصله ويسلمه للمشتري. «ذلك شبيه بالقمار»؛ لماذا؟ لأنه لا يستطيع أن يحصله، ولا قدرة له على تحصيله. قال: «والمخاطرة من غير حاجة بهما إلى ذلك العقد، ولا تتوقف مصلحتها عليه». وكذلك بيع «حبل الحبلة». قال: «وهو بيع حمل ما تحمله ناقته». قال: «ولا يختص هذا النهي بحمل الحمل؛ بل لو باعه ما تحمل ناقته أو بقرته أو أمته؛ كان من بيع الجاهلية التي يعتادونها»؛ لماذا؟ لاشتراك العلة في الكل؛ اتحاد العلة في الكل؛ فيتحد الحكم لاتحاد العلة؛ لأن الحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا. قال: «وقد ظن طائفة أن بيع السلام مخصوص من النهي عن بيع ما ليس عنده». قال: «وليس هو كما ظنه؛ فإن السلام يرد»؛ فإن السلام يرد على أمر مضمون في الذمة؛ أمر مضمون؛ السلام أمر مضمون؛ يستطيع -عن ماذا؟- أن يوصله. قال: «ثابت؛ فيه مقدور على تسليمه عند محله، ولا غرر في ذلك ولا خطر»؛ بل هو جعل؛ بل هو جعل المال في ذمة المسلم إليه؛ يجب عليه أداؤه عند محله؛ عند محله؛ أي: عند حلول الأجل. فهو يشبه تأجيل الثمن في ذمة المشتري؛ يعني: كالعكس؛ أحيانًا إنسان يشتري السلعة، ويؤخر ماذا؟ الثمن. هو ما يسمى بالسلف. فيقول: «السلم» كذلك؛ تقدم الثمن، وتؤخر ماذا؟ السلعة. فالحكم هو الحكم. قال: «فهذا شغل لذمة المشتري بالثمن المضمون، وهذا شغل لذمة البائع بالمبيع المضمون». قال: «فهذا لون، وبيع ما ليس عنده لون»؛ أي: لون آخر. انتهى كلامه رحمه الله. طيب ندخل في الحديث الذي يليه. قال رحمه الله تعالى: عن ابن عمر، قال: وعنه رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الثمرة حتى يبدو صلاحها؛ نهى البائعة والمبتاع. قوله «حتى يبدو» بغير همز؛ أي: يظهر؛ يظهر الثمار. قوله «حتى يظهر». وقوله «أنها عن بيع الثمرة»؛ الثمرة بالمثلثة بالتحريك؛ جمعها ثمار؛ وهي أثمار الرطب وغيره؛ ندخل فيها الرطب وغيره. قوله «نهى البائعة والمبتاع»؛ قال: «أما البائعة؛ فلألا يأكل مال أخيه بالباطل». وأما المشتري؛ فلألا يضيع ماله ويساعد البائع على الباطل. وفيه -أي: في الحديث- من الفوائد: قطع النزاع والتخاصم؛ قاله الحافظ في «الفتح». وقال ابن الملقن في شرح «العمدة»: قال: «هو تأكيد للمنع»؛ أي: في قولي «نهى البائعة والمبتاع». قال: «هو تأكيد للمنع، وإيذانًا بأن المنع وإن كان احتياطًا لحق الإنسان، فليس له تركه مع ارتكاب النهي»؛ أي: ليس له أن يتساهل في ذلك. قال: «فيقول: أسقط حق من الاحتياط -من الاحتياط- لي». فإن الاحتياط هنا لمصلحة مشتري الثمار؛ وهي قبل بدو الصلاح؛ معرضة للآفات والعاهات. فإذا حصل عليه شيء منها أجحف به؛ أجحف به. فلذلك وقع المنع منه للبائع والمشتري؛ لأجل منع الشرع. وكأنه قطع النزاع والتخاصم -أي: من أصله- قطع النزاع والتخاصم من أصله؛ حتى لا يتساهل المشتري، ولا كذلك يتساهل ماذا؟ البائع. طيب قوله «عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه»؛ قوله «عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه»؛ قول الإمام عبد الغني المقدسي رحمه الله تعالى: عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه، قال: «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الثمار حتى تزهى». قيل: «وما تزهى؟» قال: «حتى تحمر». قال: «أرأيت إذا منع الله الثمرة؛ بما يستحل أحدكم ما لأخيه؟» قوله «حتى تزهى»؛ حتى تزهى؛ إذا حمر أو يصفر. وفي رواية: «حتى يزهو»؛ أي: إذا ظهرت ثمرة النخل؛ إذا ظهرت ثمرة النخل. فقيل: «زهى إذا طال واكتمل». وأزهى إذا حمر واصفر؛ إذا حمر واصفر؛ فيكون اللفظ الأول «حتى تزهى» بمعنى ماذا؟ إحمر أو يصفر. وفي الرواية الأخرى «حتى يزهو»؛ أي: حتى يظهر ثمرة النخل؛ فيكون معنى «حتى يزهو» أو «زهى»؛ أي: إذا طال واكتمل؛ إذا طال واكتمل. وهذه الألفاظ كلها مشعرة بماذا؟ مشعرة بأنه لا يجوز البيع حتى ماذا؟ حتى يبدو الصلاح؛ حتى يبدو الصلاح؛ كما في الحديث الأول؛ كما في حديث ابن عمر: «نهى عن بيع الثمرة حتى يبدو صلاحها». طيب تنبيه: قوله «أرأيت إذا منع الله الثمرة إلى آخره»؛ رواها مرفوعة مالك وغيره. وجزم الحفاظ -كأبي زرعة وأبي حاتم والدارقطني- بأن رفعها خطأ؛ والصواب أنها من قول أنس؛ أي: أنها مدرجة؛ أن هذه اللفظة مدرجة في قول «أرأيت إلى آخره» أنها من قول أنس؛ ليس من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم. لكن الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى قال: لا يمنع أن يكون التفسير مرفوعًا، وإن قاله أنس أيضًا. والله أعلم. ولعل هذا الذي استظهره البخاري ومسلم في رواية هذا الحديث. فالحاصل: أن هذه اللفظة هل هي مدرجة أم لا؟ محل نزاع؛ البخاري ومسلم يريان أنها من الحديث؛ وأبو حاتم وأبو زرعة والدارقطني يريان أنها من قول أنس؛ فالله أعلم. وفي الحديث عدة مسائل. وفي المسألة الأولى: أكثر الأمة على أن النهي المذكور للتحريم. وحمله أبو حنيفة على التنزيه. وبناه على أصله في رد أخبار الآحاد بالقياس؛ يعني: أبو حنيفة يقول: القياس إذا خالف خبر الآحاد، فيقدم القياس عليه. والصحيح الأول -الذي عليه الجمهور- أنه محرم. وإذا كان محرمًا، والبيع منصب عليه -أي: التحريم أو النهي منصب عليه- فإن النهي يقتضي الفساد؛ فهو محرم. وإن حصل البيع فهو بيع فاسد. قال الإمام ابن قدامة رحمه الله تعالى -كما في «المغني»-: قال: «والنهي يقتضي الفساد»؛ «والنهي يقتضي الفساد». نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن بيع الثمار حتى تزهى؛ في اللفظ الآخر: «نهى عن بيع الثمار حتى يبدو صلاحها»؛ «نهى البائعة والمبتاع». وأنه منصب على هذا الوصف؛ وهو معلق بغاية؛ معلق بماذا؟ «حتى يبدو صلاحها». فمفهومه أنه إذا لم يبدو صلاحها، فإنه ماذا؟ فإنه لا يجوز؛ وكذلك لا يصح؛ فإنه لا يجوز؛ وكذلك لا يصح. طيب الثانية: المسألة الثانية في هذا الحديث: حكم بيع الثمار قبل أن تخلق؛ ما حكم بيع الثمار قبل أن تخلق؟ واضح هذا؟ فجميع العلماء مطبقون على منع ذلك؛ لأنه من باب النهى عن بيع ما لم يخلق؛ ومن باب بيع السنين والمعاومة. وقد روي عنه عليه الصلاة والسلام أنه نهى عن بيع السنين؛ وعن بيع المعاومة؛ رجاء -يعني: ثبت- عن النبي صلى الله عليه وسلم؛ كما في صحيح مسلم من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع السنين؛ وعن بيع المعاومة. ونقف في المسألة: «و» بيع السنين والمعاومة؛ قالوا: بيع الشجر أعوامًا؛ بيع الشجر أعوامًا؛ أي: قبل أن تثمر؛ يقول: «شريت منك ثمار شجرك لمدة سنة، سنتين، ثلاث سنين، أربع سنين، أعوامًا». فهذا لا يجوز. قالوا: إلا ما روي عن عمر وابن الزبير: أنهما كانا يجيزان بيع الثمار سنين. والله أعلم بصحتي عنهما؛ يعني: الله أعلم هذا صحة أم لا؟ والأظهر أنه لم يصح. لذا قال الإمام ابن المنذر رحمه الله: «أجمع أهل العلم على أن بيع تمر النخل سنين لا يجوز»؛ «أجمع أهل العلم على أن بيع تمر النخل سنين لا يجوز». طيب مسألة الثالثة: لا خلاف بين أهل العلم في جواز بيع الثمار بعد صرمها؛ بيع الثمار بعد صرمها؛ يعني: سواء بدى صلاحها أم لم يبدو صلاحها؛ إنسان أخرج الثمار، وضعها في الأرض؛ جاء مشتري يريد أن يشتريها؛ هل يجوز أو لا يجوز؟ لا خلاف بين أهل العلم في جوازها؛ سواء بدى الصلاح أم لم يبدو الصلاح؛ واضح هذا؟ لماذا؟ لأن الإنسان لا يحصل له غرر؛ ويحصل له كما يقال جائحة؛ ولا ولا إلا غير ذلك؛ فقد يشتري تلك الثمار لمنفعة؛ ولا يشتري تلك الثمار إلا للمنفعة؛ يعني: ما أحد سيشتري إلا لماذا؟ لمنفعة؛ إما يطعم حيوان، أو عنده شيء يستفيد منه بهذه بشراء هذه الأشياء على هذه النوعية أو غير ذلك. طيب المسألة الرابعة: مسألة الرابعة في هذا الباب: بيعها بعد أن تخلق الثمرة؛ يعني: هل يجوز بيع الثمار بعد أن تخلق الثمرة؟ هل يجوز بيع الثمرة بعد أن تخلق؟ أو أن تخلق تلك الثمرة؟ ذهب أكثر العلماء إلى جواز ذلك على تفصيل سيأتي ذكره إن شاء الله. وروي عن أبي سلام بن عبد الرحمن؛ وعن عكرمة: أنه لا يجوز إلا بعد الصرم؛ لا يجوز إلا بعد الصرم. والصحيح الأول على التفصيل الآتي؛ يعني: في المسألة له الآتية مسألة خامسة. بيعها قبل الزهو بشرط القطع؛ بيعها قبل الزهو؛ ما معنى «قبل الزهو»؟ يعني: قبل أن يبدو فيها الصلاح؛ قال: «قبل أن يبدو فيها الصلاح» أو «قبل أن تكمل وتصير ماذا؟ صالحة للانتفاع»؛ صالحة للانتفاع

شاركنا على