الدرس في كتاب الإيمان 93، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
ركب النبي البراق وذهب إلى بيت المقدس ثم عرج إلى السماوات السبع والتقى بالأنبياء. فرضت الصلاة وخففت من خمسين إلى خمس صلوات.
الإسراء كان بجسد النبي وروحه، والتقى بالأنبياء في السماوات واختبر باختيار اللبن على الخمر. فرضت الصلاة وخففت إلى خمس صلوات.
فرضت الصلوات الخمس على النبي في رحلة المعراج، وخففت من خمسين إلى خمس صلوات. هذا يدل على عظيم فضل الصلاة وشأنها.
لا يكتب الله سيئة على الإنسان إذا هم بها ولم يعملها، وإن عملها كتبت سيئة واحدة. هذا يدل على عدل الله في حساب الأعمال.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه، أما بعد. قال: فركبته حتى أتيت بيت المقدس، قال: فربطته بالحلقة التي يربط بها الأنبياء، ثم دخلت المسجد وصليت فيه ركعتين، ثم خرجت، فجاءني جبريل عليه السلام بإناء من خمر وإناء من لبن، فاخترت اللبن، فقال جبريل صلى الله عليه وسلم: اخترت الفطرة. ثم عرج بنا إلى السماء، فاستفتح جبريل، فقيل: من أنت؟ قال: جبريل. قيل: ومن معك؟ قال: محمد. قيل: وقد بعث إليه؟ قال: قد بعث إليه. ففتح لنا، فإذا أنا بآدم، ورحب بي ودعا لي بخير. ثم عرج بنا إلى السماء الثانية، فاستفتح جبريل عليه السلام، فقيل: من أنت؟ قال: جبريل. قيل: ومن معك؟ قال: محمد. قيل: وقد بعث إليه؟ قال: قد بعث إليه. ففتح لنا، فإذا أنا بابني الخالة عيسى بن مريم ويحيى بن زكريا، صلوات الله عليهما، فرحبا ودعوا لي بخير. ثم عرج بي إلى السماء الثالثة، فاستفتح جبريل، فقيل: من أنت؟ قال: جبريل. قيل: ومن معك؟ قال: محمد صلى الله عليه وسلم. قيل: وقد بعث إليه؟ قال: قد بعث إليه. ففتح لنا، فإذا أنا بيوسف صلى الله عليه وسلم، إذا هو قد أعطي شطر الحسن، فرحب ودعا لي بخير. ثم عرج بنا إلى السماء الرابعة، فاستفتح جبريل عليه السلام، قيل: من هذا؟ قال: جبريل. قيل: ومن معك؟ قال: محمد. قيل: وقد بعث إليه؟ قال: قد بعث إليه. ففتح لنا، فإذا أنا بإدريس، فرحب ودعا لي بخير، قال الله عز وجل: ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا﴾. ثم عرج بنا إلى السماء الخامسة، فاستفتح جبريل، قيل: من هذا؟ قال: جبريل. قيل: ومن معك؟ قال: محمد. قيل: وقد بعث إليه؟ قال: قد بعث إليه. ففتح لنا، فإذا أنا بموسى صلى الله عليه وسلم، فرحب ودعا لي بخير. ثم عرج بنا إلى السماء السابعة، فاستفتح جبريل، فقيل: من هذا؟ قال: جبريل. قيل: ومن معك؟ قال: محمد صلى الله عليه وسلم. قيل: وقد بعث إليه؟ قال: قد بعث إليه. ففتح لنا، فإذا أنا بإبراهيم صلى الله عليه وسلم مسندا ظهره إلى البيت المعمور، وإذا هو يدخله كل يوم سبعون ألف ملك لا يعودون إليه. ثم ذهب بي إلى سدرة المنتهى، وإذا ورقها كآذان الفيلة، وإذا ثمرها كالقلال. قال: فلما غشيها من أمر الله ما غشي، تغيرت، فما أحد من خلق الله يستطيع أن ينعتها من حسنها. فأوحى الله إلي ما أوحى، فرض علي خمسين صلاة في كل يوم وليلة. فنزلت إلى موسى صلى الله عليه وسلم، فقال: ما فرض ربك على أمتك؟ قلت: خمسين صلاة. قال: ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف، فإن أمتك لا يطيقون ذلك، فإني قد بلوت بني إسرائيل وخبرتهم. قال: فرجعت إلى ربي، فقلت: يا رب، خفف على أمتي، فحط عني خمسا. فرجعت إلى موسى، قلت: حط عني خمسا. قال: إن أمتك لا يطيقون ذلك، فرجع إلى ربك فاسأله التخفيف. قال: فلم أزل أرجع بين ربي تبارك وتعالى وبين موسى عليه السلام، حتى قال: يا محمد، إنهن خمس صلوات كل يوم وليلة، لكل صلاة عشر، فذلك خمسون صلاة. ومن هم بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة، فإن عملها كتبت له عشرا، ومن هم بسيئة فلم يعملها لم تكتب شيئا، فإن عملها كتبت سيئة واحدة. والإسراء ثابت بالكتاب والسنة، قال الله عز وجل: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾. وورد بالسنة كما في هذا الحديث، حديث أنس رضي الله عنه في ذكر إسراء النبي عليه الصلاة والسلام. واختلف أهل العلم هل كان إسراءه عليه الصلاة والسلام في جسده وروحه أو كان بالروح فقط دون الجسد؟ والصحيح أنه بجسده وروحه، أن إسراءه وعروجه إلى السماء كان بجسده وروحه، لأن هذا هو حقيقة العبد، حقيقة العبد هو مجموع الجسد والروح. وهذا قول أكثر أهل العلم وأهل الحديث والعلماء على أنه عليه الصلاة والسلام أسري به بجسده وروحه. وكذلك أيضا أن المشركون كانوا لا ينكرون المنامات، لكن ينكرون أن يقع ذلك حقيقة. وسيأتي معنا أيضا في إسراءه عليه الصلاة والسلام إلى بيت المقدس أنكره المشركون، ولو كان مناما ما أنكروه؛ لأنه في النوم يمكن ذلك -يعني فيما يعتقدون ويظنون- أما أن يكون ذلك بجسده حقيقة يذهب في ليلة ثم يعود، فهذا أنكره المشركون. ولهذا كان هذا الإسراء بجسده عليه الصلاة والسلام، وكانت هذه الحادثة قبل الهجرة، قبل هجرة النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة. واختلف أهل العلم وأهل السير: كم الفترة التي كانت بين حصول هذا الإسراء والمعراج وبين هجرته صلى الله عليه وسلم إلى المدينة؟ فقيل: كان قبلها بخمس سنين، وقيل: بثلاث سنين. وأقل ما قيل: إنه كان بعد مبعثه عليه الصلاة والسلام بخمسة عشر شهرا. والأقرب -والله أعلم- أنه كان قبل هجرته بثلاث سنين؛ لأن بعد فرض الصلاة صلى النبي عليه الصلاة والسلام في مكة ثلاث سنين، وخديجة رضي الله عنها صلت معه، ولها ذكر الإمام النووي رحمه الله أن هذا هو أشبه الأقوال، وهو قول الزهري ومن تابعه. فأخبر النبي عليه الصلاة والسلام بأنه أوتي بالبراق، وهو دابة أبيض طويل فوق الحمار ودون البغل -يعني أرفع من الحمار وأصغر من البغل- قيل: سمي بالبراق لسرعته، وهو كالبرق في سرعته. قال: «يضع حافره عند منتهى طرفه» -يعني مثلا القدم في هذا الموضع والأخرى في مدى منتهى بصره- وهذا يدل على شدة سرعته. ونحن نؤمن بذلك، وإن كنا لا نجد مثلها في الدنيا، لكن كما أن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر به، والله عز وجل على كل شيء قدير، والنبي عليه الصلاة والسلام صادق مصدق، فنؤمن بما أخبر به عليه الصلاة والسلام. فأخبر أنه أتى بيت المقدس -يعني في الشام- فربطه بالحلقة التي يربط بها الأنبياء، ودخل المسجد -يعني مسجد بيت المقدس- وصلى فيه ركعتين. ولهذا سيأتي معنا أن المشركين لما أنكروا ذلك أمر النبي عليه الصلاة والسلام أن يصف لهم بيت المقدس. ثم جاء جبريل عليه السلام للنبي صلى الله عليه وسلم بإناء من خمر وإناء من لبن -يعني يختار أحدهما- فاختار النبي عليه الصلاة والسلام اللبن، قال جبريل: «اخترت الفطرة» -يعني اخترت الإسلام والاستقامة والهدى- وفي بعض الروايات: «لو اخترت الخمر لغوت أمتك». ثم عرج به إلى السماء بعد ذهابه إلى بيت المقدس. فاستفتح جبريل كما مر معنا في كل سماء يستفتح، وهذا فيه أن السماء لها أبواب، ولها حرس من الملائكة. وإن كنا لا نرى هذه الأبواب ولا نشاهدها، فنحن نؤمن بذلك كما أخبر عليه الصلاة والسلام أن جبريل كان يستفتح -يريد أن يفتح له حتى يمر- فيدل على أنها لها أبواب. وشاهد النبي عليه الصلاة والسلام هؤلاء الأنبياء في السماء الأولى والثانية والثالثة والرابعة إلى السماء السابعة. وكون عليه الصلاة والسلام يصعد إلى السماء من غير ما يستعمله الناس اليوم ممن أخذ الأكسجين والاستعمال الصواريخ المحكمة إلى آخره، فالله عز وجل على كل شيء قدير، وهذه من معجزاته وآياته التي أيد بها النبي عليه الصلاة والسلام. ومما أكرمه الله عز وجل به أن يُعرج به إلى السماء من غير هذه الأشياء، فصعد إلى السماء الأولى والثانية إلى السماء السابعة، وفُرضت عليه الصلوات في السماء، ورجع إلى الأرض. وهكذا أيضا أخبر أنه رأى في السماء السابعة إبراهيم عليه السلام مسندا ظهره إلى البيت المعمور -البيت المعمور يعني مثابة الكعبة في الأرض، بيت يعمر بطاعة الله وعبادته- يدخله كل يوم سبعون ألف ملك لا يعودون إليه -يعني من دخل لا يرجع، يأتي آخرون سبعون ألف آخرون- كل يوم سبعون ألف ملك، قال: «لا يعودون إليه». وهذا يدل على كثرة الملائكة. ثم ذهب به إلى سدرة المنتهى، السدرة يعني شجرة السدر، وسميت بسدرة المنتهى؛ قيل: لأنه ينتهي إليها كل شيء، فما يصعد من الأرض ينتهي إليها، وما ينزل من السماء ينتهي إليها. وقيل: لأن علم الملائكة ينتهي إليها. ولم يجاوز سدرة المنتهى أحد إلا النبي عليه الصلاة والسلام. قالوا: «إذا ورقها كآذان الفيلة، وإذا ثمرها كالقلال» -يعني يدل على عظم هذه السدرة، أوراقها كآذان الفيلة، ورق هذه الشجرة كآذان الفيلة، وثمارها كالقلال، الثمرة القلال الجرة العظيمة، الجرة العظيمة تسع قربتين أو أكثر. ثم فرضت على النبي عليه الصلاة والسلام الصلوات الخمس فرضت عليه في السماء، في السماء السابعة فرض الله عز وجل عليه خمسين صلاة وعلى أمته. فلما نزل ولقي موسى عليه السلام سأله: ما الذي فرضه الله عليه؟ قال: خمسين صلاة. قال: ارجع إلى ربك فسأله التخفيف، أمتك لا تطيق ذلك. فرجع، فما زال يرجع ويصعد بين موسى وبين الله عز وجل حتى خففت إلى خمس صلوات، خمس صلوات في كل يوم وليلة، وهي في الأجر أجر خمسين صلاة، كل صلاة بعشر صلوات، فهي خمس في الأداء وخمسون في الأجر والثواب. وهذا من فضل الله جل وعلا. وانظروا مع كونها خمس صلوات، كم من الناس من يضيعها ولا يؤديها ولا يصليها؟ كيف إذا كانت خمسين صلاة؟ فخففها الله عز وجل إلى خمس صلوات، وهذا يدل على فضيلة الصلاة وعظم شأنها، حتى إنها فرضت في السماء، وسائر الفرائض فرضت في الأرض، الصيام والزكاة والحج كلها فرضت على النبي صلى الله عليه وسلم في الأرض، وأما الصلاة فرضت عليه في السماء، مما يدل على عظم شأنها. ثم أخبر أن من هم بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة -يعني كاملة- ومن عملها كتبت له عشرا. إذا هم الإنسان بحسنة وعنده عزم على فعلها لكن ما عملها -عزم مثلا على الصيام ثم لم يصم لعذر من الأعذار- يكتب له الأجر، يكتب له أجر فعل هذه الحسنة. فإذا عملها ضوعف له الأجر، إذا عملها ضوعف له الأجر. وهذا في فضيلة العزم على فعل الخير والبر، إنسان إذا عزم على فعل الخير وإن لم يعمله لعذر من الأعذار يكتب له الأجر كأنه عمله، وإذا عمله ضوعف له الأجر، الحسنة إلى عشر حسنات إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة. ومن هم بسيئة فلم يعملها لم تكتب، انظر إلى عظيم عدل الله جل وعلا، هذا من عدله. الحسنة يهم بها العبد فلا يعملها تكتب له حسنة، هذا من فضل الله. وإذا هم بسيئة فلم يعملها لم تكتب، وهذا من عدل الله. إذا هم بها وتركها لم تكتب له عليه شيء، فإن عملها كتبت سيئة واحدة، هذا من عدله. إذا هممت بسيئة فعملت كتبت سيئة واحدة، ما يضعف السيئات؛ لأنها فضل وإكرام، والسيئات مؤاخذة الإنسان بعمله، فلا يضعف عليه السيئات والذنوب، وإنما يؤاخذ كل سيئة بمثلها، السيئة بمثلها سيئة واحدة إذا عملها، إن لم يعملها لم تكتب عليه شيئا. صلى الله عليه وسلم عن أبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.