شرح كتاب الأصول الثلاثة 8

الدرس في شرح كتاب الأصول الثلاثة 8، الدرس الثامن :من :(ودليل الخوف قوله تعالى فلا تخافوهم وخافون إن كنتم مؤمنين ...فمن كان يرجوا لقاء ربه فليعمل عملاً صالحاً ولا يشرك بعبادة ربه أحدا ). ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

أدلة أنواع العبادة وتفصيل خوف السر

يستعرض المقطع أدلة الكتاب والسنة على أن الخوف والرجاء والتوكل من أنواع العبادة، مقسماً إياها إلى أدلة عامة وخاصة تدل على أن صرفها لغير الله شرك. يركز الشرح على آية آل عمران مبيناً أن النهي عن خوف غير الله مشروط بالإيمان، وأن خوف السر صرفه لغير الله كالأولياء والجن شرك أكبر.

صور خوف السر والفرق بين الشرك الأكبر والمحرم

يشرح المقطع مفهوم خوف السر بأنه اعتقاد استقلالية غير الله بالنفع والضر، مستشهداً بقصة الحلف بالسيد البدوي كصورة من الشرك الأكبر. يميز الشرح بين هذا الخوف الشركي والخوف المحرم من الناس الذي يدفع لترك الواجب أو فعل المحرم رياءً وهو معصية دون الشرك.

الخوف الطبيعي والفرق بين رجاء العبادة ورجاء الأسباب

يبيّن المقطع أن الخوف الطبيعي كخوف السبع والنار جائز مستدلاً بخوف موسى عليه السلام، ثم ينتقل للرجاء مبيناً أن رجاء العبادة هو الطمع فيما لا يملكه إلا الله مع بذل الأسباب وصرفه لغير الله شرك أكبر. أما رجاء المخلوق فيما يقدر عليه فهو جائز ويسمى رجاء طبيعياً.

خاتمة المجلس ودعاء كفارة المجلس

يختتم المتحدث الجلسة بالاكتفاء بما ذُكر من مباحث الخوف والرجاء، ثم يردد دعاء كفارة المجلس متضمناً التسبيح والتحميد والإقرار بالتوحيد والاستغفار والتوبة. يأتي هذا الختام ليطبع المجلس بطابع التوحيد والخضوع لله وحده.

التفريغ النصي الكامل

قال المؤلف رحمه الله تعالى: ودليل الخوف قوله تعالى: ﴿فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾، ودليل الرجاء قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾، ودليل التوكل قوله تعالى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾، وقوله: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾، ودليل الرغبة والرهبة والخشوع قوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾، ودليل الخشية قوله تعالى: ﴿فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ﴾، ودليل الإنابة قوله تعالى: ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ﴾، ودليل الاستعانة قوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾، وفي الحديث: «إِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ»، ودليل الاستعاذة قوله تعالى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾، ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾، ودليل الاستغاثة قوله تعالى: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ﴾، ودليل الذبح قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾، ومن السنة: «لَعَنَ اللَّهُ مَنْ ذَبَحَ لِغَيْرِ اللَّهِ»، ودليل النذر قوله تعالى: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا﴾. في هذا بيان الآن لأدلة أنواع العبادة التي ذكرها إجمالًا رحمه الله تعالى، وهي: الخوف، والرجاء، والتوكل، والرغبة، والرهبة، والخشوع، والخشية، والإنابة، والاستعاذة، والاستغاثة، والذبح، والنذر. هذه التي ذكرها المؤلف، ثم الآن بدأ في ذكر الأدلة من الكتاب والسنة على أن هذه عبادات، والعبادة لا تصرف إلا لله. وهذا من الأدلة العامة أن هذه من العبادات، ومن صرف شيء من العبادات لغير الله عز وجل فقد أشرك. قد يكون هناك دليل خاص، قد يكون هناك دليل خاص في أن هذا من فعل هذا فهو مشرك، دليل خاص في هذه العبادة بعينها، وقد يكون هناك دليل عام. فماذا نثبت أنها من العبادات؟ نثبت أنها من العبادات، فإذا ثبتت بالدليل العام فلا يجوز، ولو لم يأتِ دليل خاص في أن من فعل ذلك بغير الله لا يكونوا مشركين، بل نقول: أنها ما دمنا ثبتنا أنها عبادة، فالعبادة لا تصلح إلا لله سبحانه وتعالى، فبصرف شيء من أنواع العبادات لغير الله عز وجل فقد أشرك. فذكر رحمه الله تعالى في هذا الباب الأدلة، والأدلة قلنا على نوعين: الأول أن يستدل بدليل يثبت كون تلك المسألة من العبادة، يأتي دليل من الكتاب والسنة يثبت أن مثلًا التوكل عبادة، أو أن النذر عبادة، أو الذبح عبادة، أو الاستعانة عبادة، أو غير هذه العبادات، يأتي دليل يثبت أولًا أنها من العبادة. ثم الدليل الثاني: لأن الأدلة تكون على نوعين، الدليل الثاني دليل خاص، لما معنا؟ دليل عام يثبت أن هذه من العبادة، ثم يأتي دليل خاص وهو أن كل نوع من تلك الأنواع له دليل خاص يثبت أن صرفه لغير الله تعالى شرك، وأنه يجب إفراد المولى جل وعلا بذلك النوع من أنواع العبادة. إذن الأدلة في الكتاب والسنة على ماذا؟ على نوعين: إما أن يأتي عام، وإما أن يأتي خاص. فبدأ المؤلف بذكر دليل الخوف، وأن الخوف عبادة، قال: ودليل الخوف ﴿فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾. هذا الدليل فيه أن الخوف من غير الله منهي عنه، لأنه قال: ﴿فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ﴾، فنهى وأمر: نهى أن يخاف غير الله سبحانه وتعالى، وأمر أن يخاف ربنا سبحانه وتعالى، فقال: ﴿فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ﴾. فإذن الخوف مأمور به، أي أن الله عز وجل أمر بأن العباد جميعًا يخافون منه. فقوله: ﴿فَلَا تَخَافُوهُمْ﴾ نهي عن الخوف من غير الله، وقوله: ﴿وَخَافُونِ﴾ أمر بالخوف من الله. ثم قال: ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾، فهنا علق هذه الجملة الشرطية، علق الإيمان وحصول الإيمان على ماذا؟ على الخوف، فلا يحصل الإيمان إلا لمن كان خائفًا من الله سبحانه وتعالى، فالإيمان مشروط هنا بالخوف. وهذا دليل على أنه يجب إفراد الله تعالى بالخوف. والمراد من الخوف هو خوف ماذا؟ خوف العبادة الذي يسميه العلماء خوف السر، يسميه العلماء خوف السر. هذا خوف السر هو أن تخشى الله سبحانه وتعالى، أن تخشى الله سبحانه وتعالى فتتقرب إليه بما أمرك وتجتنب عما نهاك. فإذا صرف هذا النوع من الخوف وهو خوف السر الذي يقوم بالقلوب صرف لغير الله فصاحبه ماذا؟ مشرك شركًا أكبر، كمن يخاف مثلًا من الجن، أو يخاف من الولي الفلاني صاحب القبر أنه يفعل به شيئًا من الإضرار. هذا يعتبر ماذا؟ إذا قام في قلبه ذلك أن الجن أنهم يؤذونه أو أنهم يضرونه من دون الله سبحانه وتعالى، وقام في قلبه ذلك فصرف شيئًا من العبادات لهؤلاء. لأن بعضهم مثلًا إذا بنى بيتًا جديدًا فإنه قد يخاف من ماذا؟ من الجن، فيأتي ويذبح عند ذلك البيت تقربًا للجن. هذا قام في قلبه ماذا؟ خوف السر، خاف من الجن فقام فذبح، ولم يخاف من رب العالمين الذي يجب أن يخاف منه. وهكذا أيضًا من خاف من الولي الفلاني فذهب إلى القبر، ذهب ماذا إلى القبر فيتقرب إليه بأنواع من الدعاء أو الاستغاثة خوفًا منه، خوفًا منه. هذا الخوف يسمى خوف ماذا؟ السر، خوف السر. أو إذا حلف لا يحلف إلا ماذا؟ لا يحلف إلا بالولي الفلاني تعظيمًا له لما يقوم في قلبه من تعظيم ذلك الولي الفلاني، أو أنه مثلًا إذا حلف له بالولي الفلاني فإنه ماذا؟ فإنه يقف وينتهي. إذا حلف له بالولي الفلاني لأنه بعضهم أحيانًا يحلفون بالولي الفلاني، بالبدوي مثلًا، بالسيد البدوي: «تركب السيارة، خلاص ما فيه إلا أنه يركب السيارة بالسيد البدوي، تفعل كذا بالسيد البدوي، تنتهي عن كذا»، فإنه ماذا؟ فإنه يفعل ذلك الشيء. لماذا؟ لأنه يخاف من السيد البدوي، فهو عنده في قلبه يخوف كأن السيد البدوي مطلع على ماذا؟ على أحواله، وأنه لو عصى ولم يفعل ذلك الشيء المأمور به وقد حلف له بالبدوي مثلًا فإنه ماذا؟ فإن البدوي سيأخذه أخذ عزيز مقتدر. فلهذا يجعل ماذا؟ البدوي كأنه رب العالمين وأنه يتصرف فيه، والله المستعان. ذكر الشيخ صالح في شرحه، الشيخ صالح للشيخ، قصة حصلت وحكاها له بعضهم، قال: أن رجلًا ركب سيارة، وأثناء الركوب جاء سائل يسأل، جاء سائل يسأل، قال: فأعطاه شيئًا يسيرًا. هذا الشخص أعطى السائل شيئًا يسيرًا، فحلف السائل بالبدوي، حلف السائل ماذا؟ بالبدوي، يعطيه أكثر، أن هذا شيء يسير ما رضي به، مثل ما تقول عندنا عشرة ريال، قال له مثلًا: «بالسيد البدوي خمسين». هذا قال له الرجل، وكان من العادة، قال: وكان من العادة أنه إذا حلف في تلك الأماكن خصوصًا أنه المصري يعظمون ماذا؟ السيد البدوي، تعظيمًا عجيبًا، حتى يزار قبره أكثر من ثلاثة ملايين في السنة، كما نقول: ثلاثة ملايين عند قبره يجتمعون رجالًا ونساءً، وتقرب القرابين من ذبائح وغيرها، بل بعضهم يعني الزيارة السنوية يسمون الكبش مدة سنة، كبش يسمونه مدة سنة يجعله لأجل هذه الزيارة أنه يزور البدوي. لماذا؟ لأن البدوي سيمنعه وسيهب الولد والرزق والعافية والصحة، ويدفع عنه الأضرار والسوء، ويكشف الكربات وغير ذلك. شاهدنا من قصة أن هذا الرجل يعني الموحد كان من أهل التوحيد الذي أعطى السائل، وذلك حلف السائل بالبدوي، قال له: «بالبدوي أعطيني أكثر». فقال له: «هات، هات الذي أعطيتك». فظن السائل أنه ماذا؟ أنه سيأخذ منه العشرة مثلًا ويعطيه ماذا؟ العشرين أو أكثر. فأعطاه، فقال له هذا الرجل الآخر الذي هو المعطي: «اذهب، فلن أعطيك شيئًا لأنك حلفت بالبدوي، والحلف بغير الله شرك». قال له: «الحلف بغير الله ماذا؟ شرك. أول أعطيتك على نيتك، لما سألت أعطيتك على نيتك، وأنت الآن حلفت بالبدوي، والبدوي عنه ماذا؟ أن الحلف بغير الله شرك، تب إلى الله». قام السائل، قال السائل: سائق السيارة، قال: «استر، استر، استر»، يعني خاف لأنه قال كلمة عظيمة عندهم، كيف الحلف بالسيد البدوي شرك؟ فقام السائق، قال: يقول: «استر، استر، استر»، يعني: استر يا سيد البدوي، لطفك منه، استر، استر، استر. قاله ومشت السيارة، قاله طول الطريق قرابة مئة كيلو ونحوها، والسائق لا يتكلم بغير ماذا؟ «استر، استر، استر، استر، استر، استر»، يقصد السيد البدوي: «استر، استر». قال: حتى وصلوا إلى المكان الذي يريد، فقال له ذلك الرجل المعطي: «ها قد وصلنا ولله الحمد، فأينما تزعم من أن البدوي يفعل بنا ويفعل؟» فأجابه السائق، قال: «ده أصل السيد البدوي حليم»، فالله المستعان. فانظر كيف يعني الخروج بـ «أصل السيد البدوي حليم» بدلًا من أن يشكر ربنا سبحانه وتعالى هو الذي نجانا، والذي الله المستعان. هذه قصة في شرح الأصول الثلاثة للشيخ صالح على الشيخ، تدلك على كيف يقوم خوف السر بالقلوب. الآن كثير، بل هنا عندنا نحن زيارات شركية في هذه البلاد، وفي بلاد حضرموت في تريم هناك زيارة لقبر هود، وزيارة للمحضار، وهنا زيارة الواسط، وزيارة سالم بن عمر، وزيارة فلان وفلان. لماذا يزورون؟ وعندما يمر أحدهم يذبح، ويذهبون إلى المشعوذين، إلا لما قام في قلوب بعض الناس من ماذا؟ من هذا الخوف، خوف السر. هذا خوف السر، فلا يجوز صرفه إلا لله سبحانه وتعالى. فيخاف من غير الله عز وجل لما لا يقدر عليه لله، هذا يسمى خوف السر. كان يخاف من ذلك الولي أو غيرهم من الجن، كان يصاب بالأمراض والمصائب، كما يعلم أن ذلك يصيبه من الله سبحانه وتعالى. وهناك نوع آخر من الخوف ليس بشرك أكبر، بل هو محرم، وهو أن يخاف من الخلق في أداء الواجب، أداء واجب من الواجبات. واحد يخاف من الناس فيقوم يصلي لأجل ماذا؟ يصلي لأجل أن لا يقال له، لا يصلي لأجل أن لا يقال له فيعاب عند الناس، هذا فلان لا يصلي، فيذهب خوفًا منهم، أي خوفًا من التعيير، خوفًا من التنقص، خوفًا من كلامهم، فيذهب ويفعل تلك العبادة خوفًا من هؤلاء، أو يترك شيئًا خوفًا من هؤلاء. فهذا يعتبر محرما، بخلاف خوف ماذا؟ خوف الشر الذي يعلم أن يخافه، مثل ما يخاف الله سبحانه وتعالى. فهذا النوع الذي هو النوع المحرم: يخاف من الخلق في أداء واجب الواجبات من تسويل الشيطان. وهناك خوف آخر يسمى الخوف الطبيعي، وهذا لا يشاهدون، كالخوف من السبع، والخوف من الحية، والنار، وغير ذلك مما هو فيه أذى حسي لهذا الإنسان، يخاف منه فيهرب منه. وقد ذكر الله عز وجل في كتابه الكريم عن نبيه موسى عليه الصلاة والسلام أنه هرب من ماذا؟ من العصا لما انقلبت ماذا؟ حية حقيقية. قال الله عز وجل: ﴿يَا مُوسَى أَقْبِلْ وَلَا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ﴾، وكذلك ماذا قال الله عز وجل: ﴿فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى * قُلْنَا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى﴾. نعم، هذه أيضًا فيها ذكر ماذا؟ ذكر الخوف الطبيعي، وأن موسى عليه الصلاة والسلام في بداية الأمر لما ألقوا حبالهم السحرة خاف منها، والله عز وجل طمأنه. فالإنسان يخاف خوفًا طبيعيًا من الحية لما تهجم عليه، أو يخاف من نار، أو يخاف من سبع، أو يخاف من عدو. هذا خوف طبيعي يأتي ماذا؟ يأتي في الإنسان بسبب هذه الأشياء، فماذا فيهرب منها؟ وليس ذلك محرما عليه، ولا هذا من نوع ماذا؟ الشرك، وإنما هذا من الخوف الطبيعي الجائز. هذا ما يتعلق بالخوف، ويقابله الرجاء. ذكر المؤلف دليل الرجاء، فقال: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾. فالرجاء عبادة قلبية. ما معنى رجاء؟ هو الطمع في حصول شيء مع بذل الأسباب، مع بذل الأسباب. إذا بدل الإنسان أسباب سُمِّي رجاء، يطمع في الجنة فيبذل أسبابها، هذا طمع ممدوح ورجاء، ويسمى ماذا؟ رجاء. إنسان يطمع في الجنة ولا يعمل لها، هذا خور، هذا طمع لكنه ماذا؟ ليس بمحمود. يطمع في جنة ولكن لا يصلي، لا يزكي، لا يحج، لا يفعل شيء من الواجبات، ولا من الطاعات، ولا من القربات. فالإنسان يرجو الجنة فيعمل بأسبابها، فيسمى هذا رجاء. هذا الرجاء الحقيقي: رجاء حصول شيء مرجو مع بذل الأسباب يسمى رجاء. والمراد من هنا الرجاء الذي هو عبادة: أن يطمع في شيء لا يملكه إلا الله. ما هو رجاء العبادة؟ يطمع الإنسان في شيء وهذا الشيء لا يملكه إلا الله ولا يعطيك إياه إلا الله سبحانه وتعالى، بخلاف شيء يملكه الإنسان المخلوق ويستطيع أن يعطيك إياه فترجوه، فهذا رجاء يسمى رجاء طبيعي. الرجاء المراد به وهو العبادة: أنك ترجو شيء والشيء هذا لا يملكه إلا الله، مثل الجنة. مثل ماذا؟ الجنة؟ مخلوق يستطيع أن يعطيك الجنة؟ جواب: لا، لأن الجنة بيد الله ويملكها الله وهو يعطيها من يشاء من عباده. فأنت ترجو الله سبحانه وتعالى وترجو رحمته، أو الشفاء. الشفاء ترجو الشفاء من من؟ ترجوه من الله لأنه لا يشفي أحد إلا الله. ودليل ذلك أن إبراهيم عليه الصلاة والسلام قال: ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾. فأنت إذا مرضت ما تذهب وترجو الولي، وترجو الجني، وترجو كذا وكذا من المخلوقات أن يشفيك، فهذا شرك. إذا رجوت مخلوقًا في شيء لا يقدر عليه إلا الله صار شركًا أكبر. أنت مريض، فمن الذي ترجوه لشفائك ويذهب عنك المرض؟ هو الله، فلذلك تطلب ذلك من الله، فتطلب الشفاء من الله، وهذا يسمى رجاء لأنك تطمع الآن في حصول شيء فتبدل الأسباب من الدواء والعلاج، وتعلم أن هذه إنما هي أسباب، وأن الشافي هو الله. الجنة لا يملكها إلا الله، فممن تطلب الجنة؟ هل تقول: يا ولي فلان أدخلني الجنة، كما يفعل أهل التصوف؟ لا، إنما ترجو ذلك من الله: «اللهم أدخلني الجنة». فتطمع في أن الله سبحانه وتعالى يدخلك الجنة لأنه لا يملك ذلك إلا الله، فترجوه وحده. أو تريد الولد، من الذي يعطيك الولد؟ هو الله. لهذا زكريا رجى من رجى الله، كما في سورة ماذا؟ سورة مريم، وآل ماذا؟ ﴿فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا * يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ﴾، مع أنه قد ذكر أن امرأته ماذا؟ عاقر، وأنه قد بلغ من الكبر عتيًا، لكنه طمع ولم ييأس، طمع في أن الله يهبه الولد، يهبه ماذا؟ الولد. فطمع في حصول شيء لا يملكه إلا الله، وأنه لا يعطي الولد إلا الله. والرزق كذلك لا يعطيه إلا الله سبحانه وتعالى، فأنت الحوائج التي لا يقدر عليها المخلوق تطلبها من من؟ من الله سبحانه وتعالى، فترجوه إياه ونحو ذلك. فمن صرف هذا النوع رجاء عبادة لغير الله سبحانه وتعالى فهو ماذا؟ شرك أكبر. وأما الرجاء الطبيعي: مثلًا إنسان عنده شيء، شيء يقدر عليه، رجاء: «أعطني الدفتر»، والدفتر معي، رجاء تقوله: «رجاء»، رجاء: أطمع في أن تعطيني الدفتر، والدفتر يقدر أن يعطيك ذاك الذي يملكه، فيعطيني القلم، رجاء. فلا بأس أن تقول كلمة رجاء، فترجو المخلوق في شيء يستطيعه ويقدر عليه، هذا يسمى رجاء طبيعي، لا بأس به لأنه ليس داخل في رجاء ماذا؟ العبادة. بخلاف الشيء الذي لا يملكه، لا يستطيع إيجاده أبدًا، فهذا لا يطلب إلا من الله سبحانه وتعالى، ومن طلبه من غير الله فهو من شرك، شرك ماذا؟ أكبر، والعياذ بالله. نكتفي بهذا القدر، إلى هنا: سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.