الدرس في شرح كتاب الأصول الثلاثة 18، الدرس الثامن عشر:من(فلما استقر بالمدينة أمر ببقية شرائع الإسلام ... قل بلى وربي لتبعثن ثم لتنبؤن بما عملتم وذلك على الله يسير ). ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يتناول هذا المحور استقرار النبي صلى الله عليه وسلم في المدينة وتشريع بقية أركان الإسلام ك الزكاة والصوم والحج والجهاد، وإكمال الدين ببعثته، مع الاستدلال بالقرآن على موته وبعث الناس للحساب وتكفير منكر البعث.
يبين الفرق في تشريع العبادات؛ فالزكاة وجبت في مكة وفُصلت أنصبتها في المدينة، بينما شُرع الحج والأذان والجهاد تفصيلاً في المدينة، مستعرضاً قصة أمر أبي بكر بالحج، ورؤية عبدالله بن زيد للأذان، ونزول آيات الجهاد.
يؤكد المحور شرعية الجهاد وكونه سبباً لعز الأمة وذلاً عند تركه، ويستعرض دعوة النبي عشر سنين في المدينة، وحفظ الله للدين بالقرآن إلى يوم القيامة، ورفع العلم في آخر الزمان وبقاء كلمة التوحيد.
يوضح أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يترك خيراً إلا دل عليه ولا شراً إلا حذر منه كما في حديث عبدالله بن عمرو، ويقرر أن أعظم ما دل عليه هو التوحيد فهو أعظم الحسنة وأجل القربات.
بسم الله الرحمن الرحيم قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى: فلما استقر في المدينة أمر ببقية شرائع الإسلام، أو أمر عندنا بالضم، عندكم بالضم، أمر ببقية شرائع الإسلام مثل الزكاة والصوم والحج والآذان والجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وغير ذلك من شرائع الإسلام. أخذ على هذا عشر سنين، وتوفي صلوات الله وسلامه عليه، ودينه باق. وهذا دينه: لا خير إلا دل الأمة عليه، ولا شر إلا حذرها عنه. والخير الذي دلها عليه التوحيد وجميع ما يحبه الله ويرضاه، والشر الذي حذرها عنه الشرك وجميع ما يكرهه الله ويأباه. بعثه الله إلى الناس كافة، وافترض طاعته على جميع الثقلين: الجن والإنس. والدليل قوله تعالى: ﴿ قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا ﴾. وكمل الله به الدين، والدليل قوله تعالى: ﴿ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا ﴾. والدليل على موته صلى الله عليه وسلم قوله تعالى: ﴿ إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ * ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِندَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ ﴾. والناس إذا ماتوا يبعثون، والدليل قوله تعالى: ﴿ مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى ﴾. وقوله تعالى: ﴿ وَاللَّهُ أَنبَتَكُم مِّنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا * ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجًا ﴾. وبعد البعث محاسبون ومجزيون بأعمالهم، والدليل قوله تعالى: ﴿ وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى ﴾. ومن كذب بالبعث كفر، والدليل قوله تعالى: ﴿ زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَن لَّن يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ ﴾. طيب، فهذه الفقرة من كلام المؤلف رحمه الله تعالى بعد ذكر الهجرة: أن النبي صلى الله عليه وسلم حينما استقر في المدينة أمر -أي من الله عز وجل- ببقية شرائع الإسلام. فقد تقدم أن في مكة كان فيه صلاة، وكان فيه زكاة، يعني من حيث الوجوب، على الصحيح أن الزكاة وجوبها قد كان في مكة، ولكن يعني من حيث عدم تقدير الأنصبة، أنصبة الزكاة وشروط الزكاة، هذا لم يقع إلا في المدينة. والآيات الدالة على أنهم كانوا يتصدقون كثيرة في كتاب الله عز وجل، وهي من السور المكية. وأيضا من منع الصدقة فإنه كان ماذا؟ يؤثم ويأثم بمنع الصدقة أو منع الماعون، كما قال: ﴿ وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ ﴾، وهو أي الماعون اسم للأشياء التي يستخدمها الناس من الأواني وغيرها، هذا لا يجوز منعه إذا كان الإنسان في غنى عنه وليس في حاجة له، ويمنع أخاه المسلم الذي يحتاج له، هذا مما نهى الله سبحانه وتعالى عنه وتوعد أصحابه: ﴿ فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ * الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ * وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ ﴾، هذا توعدهم بالويل. فعموم الزكاة كان قد كان في مكة، لكن لم يقدر الأنصبة والفرائض الواجبة للزكاة، ومواضع أهل الزكاة إلا في المدينة. ولهذا ذكر أن بقية الشرائع ك الزكاة والصوم والحج، وكذلك الأذان. الحج: النبي صلى الله عليه وسلم أمر أبا بكر أن يحج بالناس في عام الوفود، وهو السنة التاسعة من الهجرة، ولم يحج هو صلى الله عليه وسلم في ذلك العام، وإنما حج سنة عشر. الحج كذلك الأذان، كما في حديث عبد الله بن زيد أن الأذان قد شرع للصلوات في المدينة في الرؤية التي رآها، ورآها عمر رضي الله تعالى عنه. وكذلك الجهاد: أي أمر النبي صلى الله عليه وسلم بأن يجاهد الكفار: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ ﴾، وكذلك قوله تعالى: ﴿ قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ ﴾ الآية. في هذا دليل على شرعية الجهاد في سبيل الله عز وجل، وأنه أمر به رسول الله عليه الصلاة والسلام، وأن عز هذه الأمة ورفعتها في الدنيا ما أقامت الجهاد في سبيل الله، وأن ذلها إذا تركت الجهاد في سبيل الله، كما في حديث ابن عمر رضي الله عنهما الذي بين فيه النبي عليه الصلاة والسلام أن هذه الأمة إذا تركت الجهاد في سبيل الله وأقبلت على الدنيا فإنه سينزل عليها الذل من الله سبحانه وتعالى لا يرفعه عنها حتى ترجع إلى دينها. وهكذا أيضا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وغيرها من شرائع الإسلام. وأخذ على هذا عشر سنين في المدينة، قال: أخذ على هذا عشر سنين يدعو إلى الله عز وجل ويبين للناس الأحكام وما أنزل إليه من ربه، ثم توفي عليه الصلاة والسلام، لكن دينه باق إلى قيام الساعة. دين النبي عليه الصلاة والسلام باق لأن الله عز وجل قد حفظ هذا الكتاب وهو القرآن: ﴿ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ﴾. فالله سبحانه وتعالى ضمن حفظ هذا الدين إلى قيام الساعة، أي قرب قيام الساعة إلى أن يرفع، يعني يرفع القرآن من الصدور ومن المصاحف، فلا يبقى في الأرض منه آية، وعندها يضل الناس ويجهلون دينهم، فلا يدرون ما صلاة ولا زكاة ولا صيام ولا حج. ثم في حديث حذيفة عند ابن ماجه: ما معهم إلا كلمة واحدة وهي ماذا؟ لا إله إلا الله، يقولونها، فهم أدركوا آباءهم لا يدرون شيئا من فرائض الإسلام. هذا دل على رفع العلم في آخر الزمان. قال: ودينه لا خير إلا دل الأمة عليه ولا شر إلا حذرها عنه، كما في حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما: «إنه لم يكن نبي قبلي إلا كان حقا عليه أن يدل أمته على خير ما يعلمه لهم وينذرهم شر ما يعلمه لهم»، وهذا في صحيح الإمام مسلم. والخير الذي دل عليه التوحيد وجميع ما يحبه الله ويرضاه، أعظم خير هو التوحيد، وأعظم حسنة هي التوحيد، فهذا هو الخير العظيم. فإذا كان الناس