الدرس في كتاب الجنايات 2، ألقاها
يتحدث هذا الفصل عن حكم قتل العمد في الفقه الإسلامي، مشيرًا إلى تحريمه وإثمه العظيم وعقابه الشديد في الآخرة، وتطبيق القصاص أو العفو والدية في الدنيا. يُبين أن القتل العمد له حكمان: أخروي ودنيوي.
يتناول هذا الفصل شروط القصاص في النفس، مثل كون القاتل مكلفًا ومعصوم الدم وتكافؤ القاتل والمقتول. يُفصّل الشروط الواجب توافرها لإقامة القصاص.
يشرح هذا الفصل آراء الفقهاء المختلفة حول شروط القصاص، مثل التكافؤ وعدم الولادة بين القاتل والمقتول، ويتناول أمثلة تطبيقية مثل قتل الحر بالعبد والذكر بالأنثى والوالد بالولد.
يتناول هذا الفصل أخذ الدية في قضايا القتل الخطأ، مستندًا إلى حادثة عمر بن الخطاب رضي الله عنه مع قاتل المدلجي، ويُثبت صحة الحديث بذكر رأي الشيخ الألباني رحمه الله.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، أخذنا بالدرس الماضي في الفقه الميسر بداية ما يتعلق بباب الجنايات، بتعريف الجناية وأقسامها. طيب، قال وفضل الله حكم قتل العمد، قال: لقتل العمد حكمان، الأول حكم أخروي، وهو تحريم القتل، ولفاعله الإثم العظيم والعذاب الأليم إن لم يتب أو يعفو الله عنه، لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾. فمر معنا أن قتل النفس المعصومة محرم، وإثمها عظيم، وأعظم من ذلك قتل المؤمن بغير حق، وفاعله موعود به الوعيد الشديد إذا لم يتب أو يعفو الله جل وعلا عنه. فالله عز وجل أخبر في هذه الآية أن له أربعة عقوبات شديدة، ومن يقتل مؤمنًا متعمدًا فجزاؤه جهنم خالدًا فيها، وغضب الله عليه، ولعنه، وأعد له عذابًا عظيمًا، عقوبات شديدة تدل على عظم هذا الذنب. وهكذا يرد حديث كثير في بيان عظم هذا الذنب، ومنها ما جاء عند الإمام أحمد من حديث معاوية رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «كل ذنب عسى الله أن يغفره إلا الرجل يموت كافرًا، أو الرجل يقتل مؤمنًا متعمدًا». كل ذنب عسى الله أن يغفره إلا الرجل يموت كافرًا، يعني هذا إذا مات على الكفر ليس له مغفرة، ثم قرن معه أو الرجل يقتل مؤمنًا متعمدًا. هل معنى هذا أنه كافر؟ الجواب: لا، لكن لشدة وعظم هذا الذنب، فإنه على خطر عظيم، قد لا يغفر الله سبحانه وتعالى له، فيعذب ويعاقب، وإن كان هو في الأصل تحت المشيئة، هو في الأصل تحت المشيئة، فإن شاء الله عفا عنه، وإن شاء عذبه. لكن يدل هذا الحديث على أنه الغالب أن مثله لا يعفى عنه، أن مثله لا يعفى عنه، فيعذب ويعاقب، فيعذب ويعاقب. وأما الآية كما ذكرنا بالأمس، فهذه الآية: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا﴾، كيف توجه إذا قال: قال هذه الآية تدل على أنه كافر، وأنه في نار جهنم خالدًا فيها؟ فما هو الجواب؟ ها نعم، خالدًا فيها يطول مكثه فيها، يطول مكثه فيها، ولا يلزم من ذلك التأبيد أن يؤبد فيها كحال الكافرين، أو يعني كما ذكرت أن هذا الذنب دون الشرك، فيكون تحت مشيئة الله، يعني يقال هذا جزاؤه إذا جازاه الله جل وعلا، كما ثبت عن نبي رضي الله عنه وغيره أن هذا جزاؤه إذا جازاه الله، إذا عقبه، فهذه عقوبته أن يدخل النار ويطول مكثه فيها، ويغضب الله عليه، ويعد له عذابًا عظيمًا، لكن لا يخلد في النار إذا كان من أهل التوحيد وليس من أهل الشرك، فمصيره أن يخرج من النار ويكون مآله إلى الجنة، لكن بعد أن يعذب ما شاء الله سبحانه وتعالى. هذا الحكم الأخروي. قال: ثانيًا حكم دنيوي، قال: فيتوجه على قتل العمد القصاص إن لم يعفو أولياء المقتول، لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾. فالله عز وجل أخبر بأنه كتب وفرض علينا هذا الحكم، وهو القصاص في القتل، إذا قتل الإنسان آدميًا معصومًا متعمدًا، فالحكم أنه يقتل ويقتص منه كما فعل بالمجني عليه، الحر بالحر، والعبد بالعبد، والأنثى بالأنثى، وسيأتي الكلام على ما يتعلق بهذا الجزء من الآية فيما يترتب على القصاص. قال: فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان، يعني الأصل في القاتل الذي يقتل عمدًا أن يقتل ويقتص منه، فإذا عفي له من أخيه شيء، أي من أولياء المقتول، إذا عفوا وقبلوا الدية، سقط عنه حكم القصاص، سقط عنه حكم القصاص، فاتباع بالمعروف، يعني بقبول الدية، وأداء إليه بإحسان، يعني من القاتل. فدلت الآية على ثبوت حكم القصاص في القتل العمد، هذا إن لم يعفوا أولياء المقتول، أما إن عفوا ورضوا بالدية، سقط حينئذ حكم القصاص عن القاتل. قال: ولحديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من قتل له قتيل فهو بخير النظرين»، يعني أولياء هذا المقتول، إما أن يعفوا، وإما أن يقتصوا، يعني يقتص منه، وإما أن يعفوا بتنازل عن القصاص وأخذ الدية. قالوا: في رواية «إما أن يقاد وإما أن يفدي»، يقاد يعني يقتص منه، القود والقصاص، وإما أن يفدي يعني يؤخذ منه الدية ويفدي بها نفسه، والحديث في الصحيحين. قال: فولي الدم مخير بين القصاص، أي يقتل هذا القاتل، أو العفو بلا مقابل، يعني يقول عفوت عن هذا القاتل من غير مقابل، لا يأخذ دية ولا شيء، أو أخذ الدية، وهي بدل عن القصاص، ولو صالح على أكثر منها. إما أن يقتص، وإما أن يعفو ويتنازل من غير أخذ شيء، وإما أن يأخذ الدية، وتكون بدل عن القصاص، أو يصلح مع القاتل بما هو أكثر من الدية، بما هو أكثر من الدية، ولو صالح على أكثر منها، يعني لو قيل لأولياء المقتول: يعطيكم ديتين أو ثلاث ديات على أن تتنازلوا عن القصاص، هل يحل لهم ذلك؟ الجواب: نعم، لهم أن يصطلحوا بما هو أكثر من الدية. قال الموفق، أي ابن قدامة رحمه الله: لا أعلم فيه خلافًا، يعني في أن ولي الدم مخير بهذه الأمور. قال: لحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده مرفوعًا: «من قتل عمدًا دفع إلى أولياء المقتول، فإن شاءوا قتلوا وإن شاءوا أخذوا الدية»، وهي ثلاثون حقة وثلاثون جذع وأربعون خليفة، يعني أصناف هذه الدية، ثلاثون حقة، يعني ثلاثون من الإبل حقة، والحقة مالها ثلاث سنوات ودخلت في الرابعة، وثلاثون جذع، وهي مالها أربع سنوات ودخلت في الخامسة، وأربعون خليفة، يعني حوامل. وما صولحوا عليه فهو لهم، وذلك تشديد العقل، وما صولحوا عليه يعني اصطلحوا عليه أولياء المقتول مع القاتل، فهو لهم، وهذا مطلق فيعم ويشمل ما صولحوا عليه من الدية أو أكثر منها، فلهم ذلك. قال: وذلك تشديد العقل، يعني تشديد الدية، فالدية في القاتل العمد مغلظة، مغلظة لعظم هذا الذنب وعظم هذا الجرم. والحديث رواه النسائي وصححه الشيخ الألباني رحمه الله. قال: وعفوه بلا مقابل أفضل، لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَعْفُوا فَهُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾. لكن هل هذا على إطلاقه أن العفو من غير مقابل أفضل؟ الجواب: لا، هذا فيه تفصيل، إن كان هذا القاتل لا يعرف عنه القتل والإجرام، وإنما حصل منه زلة وحالة غضب، ولا يعرف عنه مثل هذه الأفعال، فإن العفو من غير مقابل فهو أفضل. وأما إن كان معروفًا بالإجرام والتعدي على الناس وسفك دمائهم، فمثل هذا لا يعفى عنه من غير مقابل، بل مثله يطالب بالقصاص أو يعفى بدية، أما أن يعفى من غير مقابل فلا يستحق مثل ذلك أن يعفى عنه من غير مقابل، لأن هذا من جره على أن يعتدي على غيره، أن يعتدي على غيره، فيؤدب بمثل هذا العمر بأخذ دية أو أكثر منها، عسى ذلك أن يمنعه من التعدي على الناس. قال: شروط القصاص في النفس يستحق ولي القتيل القصاص بشروط أربعة، الأول أن يكون القاتل مكلفًا، وهو البالغ العاقل، فلا قصاص على الصغير والمجنون والمعتوه والنائم، لقوله صلى الله عليه وسلم: «رفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يبلغ، وعن المجنون حتى يفيق». والحديث رواه أحمد وابن ماجة، حديث ابن عمر، وعائشة رضي الله تعالى عنهم، ومن حديث علي، وعائشة رضي الله تعالى عنهم. قال: ولأن أولئك ليس لهم قصد صحيح، أو لعدم وجود القصد منهم. إذن يشترط في إقامة القصاص أن يكون القاتل مكلفًا، بالغًا عاقلًا، فإن كان صبيًا فإنه لا يقتص منه، ولهذا يقول أن العلماء: عمد الصبي خطأ، عمد الصبي خطأ، يعني لو تعمد الصبي قتل إنسان، فلا يقتص منه، وإنما يعتبر ذلك من قبيل الخطأ، لأنه غير بالغ، وغير البالغ غير مكلف. وهكذا أيضًا أن يكون عاقلًا، فإن كان لا عقل له كالمجنون أو المعتوه، يعني الذي هو أبله، وكذلك الإنسان في حال نومه يكون فاقدًا للعقل، فكذلك إذا حصل منه قتل وهو نائم، فإنه يعتبر من سبيل الخطأ، يعتبر في سبيل الخطأ. وكذلك أيضًا المغمى عليه كذلك، وهذا مما لا خلاف فيه كما قال ابن قدامة رحمه الله. طيب، فإذا قتله وهو عاقل، ثم جن بعد ذلك، قتله ثم جن بعد ذلك، فهل يقتص منه؟ الجواب: نعم، يقتص منه، لأن القتل وقع منه في حال هو فيها مكلف ومؤاخذ، فيقتص منه. إذن يشترط فيه القاتل أن يكون مكلفًا. قال: ثانيًا أن يكون المقتول معصوم الدم، لأن القصاص شرع لحقن الدماء، ومهدر الدم غير محقن، يعني دمه هدر، ليس دمه مما يحفظ ويحقن ويمنع من سفكه. قال: فلو قتل مسلم كافرًا حربيًا أو مرتدًا قبل توبته، لماذا؟ لماذا؟ قال: كافرًا حربيًا، ها ليخرج الكافر الذي لا يجوز قتله كالمعاهد والمستامن والذمي. نعم، كالمعاهد والمستامن والذمي، بخلاف الحربي، هذا ليس له ذمة ولا عهد ولا أمان. قال: فلو قتل المسلم كافرًا حربيًا أو مرتدًا، يعني رجل كان مسلمًا ثم ارتد، صار كافرًا، لكن كفره بالردة، والمرتد حكمه القتل، حكمه القتل، لكن قتله قبل أن يتوب، هذا قال: قبل توبته، أما إذا تاب، يجوز لو أن ولي الأمر يدخله ويكون معصوم الدم. قال: أو زانيًا محصنًا، إنسان زنى وهو محصن، تزوج بنكاح صحيح ووطئ فيه، فحكمه الرجم، صار الآن دمه غير محقن، فلو جاء مسلم وقتله، هل نقتله به؟ قال: فلا قصاص عليه، يعني على هذا المسلم، لماذا؟ قال: لكنه يعزر لتعديه على الحاكم، أولًا، لماذا لا يقتص منه؟ لأن الذي قتله غير معصوم الدم، الذي قتله غير معصوم، فهذا الكافر الحربي غير معصوم الدم، والمرتد غير معصوم الدم، والزاني المحصن كذلك غير معصوم الدم، لأن حكمه في الشرع أن يقتل، يرجم بالحجارة حتى الموت. إذن هو قتل إنسانًا غير معصوم، فلا يقتص به منه، لكن هل يجوز له أن يفعل ذلك؟ يعني جاء مسلم وقتل إنسانًا، لماذا قتلته؟ قال: هذا زاني، قد زنى وهو محصن، نقول: صحيح أنه زنى ومحصن، وحكمه في الشرع القتل، لكن أنت لا يجوز لك أن تقتله، وإنما الذي يقتله ولي الأمر، ولي الأمر هو الذي يقيم الحدود. فهذا ماذا يستحق القاتل هنا؟ يعزر، يعزر بضرب أو بسجن أو بنحو ذلك مما فيه تأديب له، حتى لا يتجرأ على أمر ليس له، ويتعدى على أمور هي لولي الأمر، لكن لا يقتل، المقصود هنا أنه إن قتل مثل هؤلاء لا يقتل، ولا يقتص منه، لماذا؟ لأنه غير معصوم الدم. قال: ثالثًا التكافؤ بين القاتل والمقتول، فيساويه في الحرية والدين والرق، فلا يقتل مسلم بكافر، ولو كان المسلم عبدًا والكافر حرا، لقوله صلى الله عليه وسلم: «لا يقتل مسلم بكافر». والحديث في صحيح البخاري، حديث أسامة بن زيد، أظن في الصحيحين. «لا يقتل مسلم بكافر»، ولا يقتل حر بغير ما سوى ذلك، لا يؤثر فيه التفاضل، لا يؤثر التفاضل في شيء منها في القصاص، فيقتل الشريف بالوضيع، والذكر بالأنثى، والصحيح بالمجنون والمعتوه، لعموم قوله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾. هذا الشرط الثالث من شروط القصاص، التكافؤ بين القاتل والمقتول، أن يكون القاتل مكافئًا للمقتول فيساويه في الحرية والدين والرق. أما في الدين، فلا يقتل المسلم بكافر، لو قتل المسلم كافرًا، حتى لو كان الكافر كافرًا معصوم الدم كذمي أو معاهد أو مستأمن، هو لا يجوز له قتله، لكن لو قتله مع ذلك لا يقتل به، لا يقتل به، لماذا؟ لقول النبي عليه الصلاة والسلام: «لا يقتل مسلم بكافر»، وهذا عام يشمل أي كافر، فإنه لا يقتل به المسلم إذا قتله المسلم. قال: ولا يقتل حر بعبد، يعني أن العبد لا يكافئ الحر، العبد لا يكافئ الحر، العبد مملوك، ليس له تصرف هو كالمال، بخلاف الحر. لهذا قالوا: إذا قتل الحر عبدًا، فإنه لا يقتل به. قال: لقوله تعالى: ﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ﴾، وهذا قول جمهور أهل العلم، استدلوا بهذه الآية: ﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ﴾. قالوا: الله جل وعلا جعل التكافؤ في القصاص، الحر بالحر، والعبد بالعبد، فإذا قتل الحر عبدًا لم يكن مكافئًا له، لأن الحر أرفع وأشرف. واستدلوا كذلك أيضًا بحديث سمرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: نعم، لا، هذا دليل القول الآخر. طيب، هذا قول الجمهور، هذا قول الجمهور، أن الحر لا يقتل بالعبد، خالف بذلك الإمام أبو حنيفة رحمه الله، وقال: بل يقتل به، قال: يقتل به، ورُوي هذا القول كذلك عن علي وابن مسعود رضي الله تعالى عنهما، واستدلوا بعموم الآية: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾، وهكذا أيضًا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾، وبحديث سمرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من قتل عبده قتلناه، ومن جدع عبده جدعناه». لكن هذا الحديث ضعيف، حديث سمرة ضعيف، لأنه من طريق الحسن عن سمرة، ولم يسمع منه هذا الحديث، فهو منقطع. لكن يبقى عموم الآية: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾، وهكذا أيضًا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾. فإن قالوا: الله عز وجل قال: ﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ﴾، نقول لهم: قال: ﴿وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى﴾، والأنثى بالأنثى، جعل الله عز وجل أن الأنثى مكافئة للأنثى. طيب، إذا قتل الذكر أنثى، هل يقتل به؟ قال الجمهور: نعم، يقتل به، لماذا؟ قال: لأنه ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم قتل الرجل اليهودي بالمرأة التي رض رأسها بين حجرين. إذن الآية لا تدل على منع قتل الذكر بالأنثى، نقول: وكذلك لا تدل على المنع من قتل الحر بالعبد، لا تدل على المنع من قتل الحر بالعبد. وهذا القول، الله أعلم، هو الأظهر، ورجحه الإمام ابن عثيمين رحمه الله. قال: وما سوى ذلك فلا يؤثر التفاضل في شيء منها في القصاص، فيقتل الشريف بالوضيع، يعني لو إنسان من أهل الغنى أو من أهل الرئاسة أو الملك قتل إنسانًا وضيعًا، فقيرًا، هل يقتل به؟ الجواب: نعم، يقتل به، لا تفاضل بينهما. قال: والذكر بالأنثى، أما قتل الشريف بالوضيع هذا باتفاق، كما قال ابن قدامة رحمه الله: من العلماء أنه يقتل به، وأما قتل الذكر بالأنثى، فهذا فيه خلاف، وقول أكثر أهل العلم أنه يقتل به، وهو قول مالك والشافعي وأحمد، وقال أبو حنيفة: لا. إذن قول الجمهور أن الذكر يقتل بالأنثى، ويستدل بذلك بعموم الآية، وأيضًا بحديث أنس في قتل النبي صلى الله عليه وسلم اليهودي الذي رض رأس الحرة بين حجرين، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يرض رأسه بين حجرين. قال: والصحيح بالمجنون والمعتوه كذلك، إذا قتل إنسان صحيح مجنونًا أو معتوهًا، فإنه يقتل به، وهذا النوع كذلك نقل فيه من قدامه الاتفاق. قال: لعموم قوله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾، وهذه نفس، فإذا يقتص بالنفس من النفس. فعموم الآية تدل على أنه يقتص من كل نفس اعتدت على نفس أخرى، إلا ما استثناه الدليل. وهذا يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «المؤمنون تتكافأ دماؤهم»، المؤمنون تتكافأ دماؤهم، أي تتساوى، تتساوى دماؤهم، لا فرق بين ذلك بين الذكر والأنثى، والحر والعبد، على الصحيح. قال: رابعًا عدم الولادة، فلا يكون المقتول ولدًا للقاتل، ولا لولده وإن سفل، يعني لا يكون المقتول ولدًا للقاتل، لا يكون القاتل هو الأب أو الجد، ولا لولده وإن سفل، يعني سواء كان ولد البنين أو ولد البنات، يعني لو كان المقتول ابنًا أو ابن ابن أو ابن بنت، فإنه لا يقتل به. قال: فلا يقتل أحد الأبوين وإن علا بالولد وإن سفل، لقوله صلى الله عليه وسلم: «لا يقتل والد بولده»، لا يقتل والد بولده، الحديث رواه الترمذي وابن ماجة، وصححه الشيخ الألباني رحمه الله، جاء من حديث عمر، ومن حديث ابن عباس. قال الإمام ابن عبد البر رحمه الله: هو حديث مشهور عند أهل العلم بالحجاز والعراق، مستفيض عندهم، بغض النظر عن الإسناد، حتى يكون الإسناد في مثله تكلفًا، وإن كان بعض العلماء يضعف الحديث، هذا طيب. لكن الحديث كما سمعنا هو مشهور عند أهل العلم، وصححه الشيخ الألباني رحمه الله. وهذا القول قول جمهور أهل العلم، قول جمهور أهل العلم، أن الوالد لا يقتل بولده، إلا أن المالكية استثنوا صورة واحدة، قالوا: يقتل به إذا أضجعه وذبحه، قالوا: إذا أضجعه وذبحه، فهنا يقتل به. نعم، أما بغيرها من الصور، يعني لو رماه بشيء أو طعنه أو كذا، قالوا: على قول الجمهور أنه لا يقتل به، إلا في هذه الصورة فقط، قالوا: يقتل الولد بكل من الأبوين، يعني لو أن الابن قتل أباه أو قتل أمه أو قتل جده، فإنه يقتل به، قال: لقول عموم قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾. طيب، إذا قلنا بأن الوالد لا يقتل بالولد، فما الذي يجب؟ الجواب: تجب الدية، تجب الدية على الوالد، وتكون لورثة المقتول، لورثة الولد. وصح عن عمر رضي الله عنه أنه أخذ الدية من قاتل المدلجي الذي قتل ابنه، كما رواه الإمام مالك رحمه الله، وكذا رواه الشافعي والبيهقي، منقطع، لكنه صحيح لغيره، كما قال الشيخ الألباني رحمه الله. طيب، نكتفي بهذا القدر، لهنا، صلى الله وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين.