الدرس في شرح كتاب التوحيد مختصر 8، الدرس الثامن:من( باب من الشرك الاستعاذة بغير الله + باب من الشرك أن يستغيث بغير الله أو يدعو غيره ). ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
الاستعاذة هي طلب العصمة من الشرور وهي عبادة لله وحده، ويحذر من صرفها لغير الله تعالى. هذا المفهوم مستند إلى الآيات القرآنية والأدلة الشرعية.
صرف الاستعاذة لغير الله تعالى يعتبر شركًا، والاستغاثة هي طلب إزالة الشدة وهي نوع من الدعاء يجب أن يكون لله وحده. يُستدل على ذلك من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية.
الاستغاثة بمخلوق فيما يقدر عليه جائزة، أما الاستغاثة فيما لا يقدر عليه إلا الله فهي شرك. يُستدل على ذلك من القرآن الكريم وتفسير الشوكاني.
يأتي أعمالنا من يهده الله فهو المهتد، ومن يضلل فلن تجد له وليًا مرشدًا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم التسليم الكثير. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: باب من الشرك الاستعاذة بغير الله. باب من الشرك الاستعاذة بغير الله جل وعلا، باب من الشرك أي من نوع الشرك، هذا الذي بين يديه، أوى الاستعاذة، ما هي الاستعاذة؟ قال علماء: الاستعاذة هي طلب العياذ، والعياذ بمعنى الالتجاء والاعتصام. وحقيقته، قال علماء: هو الهرب من شيء تخافه إلى من يعصمك منه. الاستعاذة عبادة كما سيأتي بيانه، وقد جاءت الأدلة على ذلك، قال ربنا جل وعلا: ﴿وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾، وقال: ﴿أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾، ﴿أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾، كلها العوذ واللجوء والاعتصام بالله جل وعلا. قال المؤلف رحمه الله تعالى: وقول الله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ الْإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِّنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾، ذكر أهل التفاسير عند هذه الآية ما كان عليه العرب، أنهم إذا أرادوا أن يجتازوا واديًا خافوا من هذا الوادي، وما كان فيه من الجن والشياطين، فاستغاثوا بسيد الوادي. قال ربنا جل وعلا: ﴿فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾، أي بمعنى اضطرابًا وخوفًا، فالشاهد أن الجزاء من جنس العمل، عندما التجأوا إلى الجن والعفاريت، كان الجزاء أنهم ازدادوا خوفًا وهلعًا. قال المؤلف رحمه الله تعالى: وعن خولة بنت حكيم قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من نزل منزلًا فقال: أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق، لم يضره شيء حتى يرحل من منزله ذلك»، رواه مسلم. في هذا الحديث فضيلة لهذا الذكر العظيم، ينبغي أن يحافظ عليه المسلم، لأن فيه العصمة من شر الهوام والدواب. وحكى العلماء عن الإمام القرطبي رحمه الله تعالى أنه ذكر قصة وقعت له، قال: لما سمعت هذا الحديث ما فرطت فيه، فكان دائمًا يأتي به. قال: في يوم من الأيام لدغتني عقرب، فتفكرت في نفسي، ووجدت أني لم آتي بهذا الدعاء ليلة نزلت فيها منزلًا، وغفلت عن هذا الذكر. فهذا يدل على أن من يأتي بهذا الذكر فإن الله يحميه. قال العلماء: ليس العبرة في الدعاء أو الذكر، إنما العبرة فيك، أنت الذي تأتي بالدعاء وتأتي بذكر الله، لكن العلة ليس في الدعاء، العلة فيك أنت، قد يكون عندك قلة يقين، قلة توكل، قلة تدبر، قلة تعلق بالله جل وعلا. أراد المؤلف رحمه الله تعالى أن يبين أن الاستعاذة عبادة، ولا تصرف إلا لله جل وعلا، فمن صرف الاستعاذة لغير الله جل وعلا فقد وقع في الشرك. قال المؤلف رحمه الله تعالى: باب من الشرك أن يستغيث بغير الله أو يدعو غيره، الاستغاثة هي طلب الغوث، وهو إزالة الشدة والهلاك. والدعاء هو الطلب، كل ما كان فيه طلب فهو دعاء. قال علماء: الاستغاثة أحد أفراد الدعاء، فكل استغاثة دعاء، وليس كل دعاء استغاثة. لأن الدعاء أعم من الاستغاثة، والاستغاثة فرد من أفراد الدعاء. قال المؤلف رحمه الله تعالى: وقول الله تعالى: ﴿وَلَا تَدْعُ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ﴾، نهى عن الدعاء لغير الله، وقال: ﴿وَإِن يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ﴾، فلا كاشف للضر إلا الله. قال: ﴿فَابْتَغُوا عِندَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ﴾، مناسبة الآية أن الاستغاثة والدعاء يطلب بهما الرزق، فمن أراد أن يطلب الرزق فليطلب من الله سبحانه وتعالى. قال: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّن يَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ مَن لَّا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾، وفيه بيان ضعف المعبودات التي عبدت من دون الله، أنها لا تستجيب لدعيها. قال: ﴿أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾، فيه مسائل، منها بيان أن التوجه يكون لله جل وعلا، وأنه هو الذي يكشف الضر، وفيه فائدة الاحتجاج بالربوبية على الألوهية. قال المؤلف رحمه الله تعالى: وروى الطبراني بإسناده أنه كان في زمن النبي صلى الله عليه وسلم منافق يؤذي المؤمنين، فقال بعضهم: قوموا بنا نستغيث برسول الله صلى الله عليه وسلم من هذا المنافق، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إنه لا يستغاث بي وإنما يستغاث بالله»، هذا الحديث معلول، لكن معناه صحيح. قال علماء: هذا من باب الأدب، أراد النبي عليه الصلاة والسلام أن يعلم أصحابه الأدب في السؤال، أن يكون بهذا الطريقة، أن يستغاث بالله. ووجه المنع من الاستغاثة بالنبي صلى الله عليه وسلم خشي من تفريط القلب إليه. الاستغاثة بأمر لا يقدر عليه إلا الله هذا الشرك، فمن استغاث بغير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله فقد أشرك. أما الاستغاثة بمخلوق فيما يقدر عليه فجائزة، كما في قوله تعالى: ﴿فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ﴾. قال الشوكاني رحمه الله تعالى: لا خلاف أنه يجوز أن يستغاث بالمخلوق فيما يقدر على الغوث فيه. فالاستغاثة تفرق بينها وبين الدعاء، فالاستغاثة بمخلوق فيما يقدر عليه جائزة، أما فيما لا يقدر عليه إلا الله فهو شرك.