الدرس في شرح كتاب ضوابط الجرح والتعديل 62، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يُعرّف الوهم بأنه خطأ الراوي في وصل المرسل أو رفع الموقوف، ويصيب الثقة والضعيف على حد سواء. يُعرف الوهم بجمع طرق الحديث ومقارنتها، وقد وقع فيه أئمة الإتقان كمالك وسفيان.
جرت مناظرة بين علي بن المديني ويحيى بن معين وأحمد بن حنبل في أوثق رواة الزهري، فرجح أحمد مالكاً لقلة أخطائه عن سفيان بن عيينة. وقرر المتحدث أن الوهم لا يسلم منه أحد حتى أئمة الحفظ، مستدلاً بكلام ابن حبان.
ناقش المقطع سبب عدم إخراج البخاري لحميد بن سلم رغم إمامته في رواية ثابت البناني، عازياً ذلك إلى أخطاء كثيرة وقعت له عند النقل من الحفظ وتغير في كبره. وأوضح أن الوهم الواقع من الثقة يسمى علة وهو الأكثر في كتب العلل.
حذر العلماء من الاستشهاد بالروايات المنكرة والضعيفة حتى لو كان راويها ضعيفاً. واكتفى المتحدث بهذا القدر من البيان في هذا المحور.
بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه. أما بعد: قال المؤلف رحمه الله: الوجه الثالث: كثرة الوهم. قال: المراد بالوهم أن يروي الراوي على سبيل الخطأ والتوهم، فيصل الإسناد المرسل، ويرفع الأثر الموقوف، نحو ذلك. إن يرويها على سبيل التوهم، أو على الظن، أو غلب الظن، كله يعتبر وهما. وليس الوهم المقصود به ما عند الأصوليين من القول المرجوح، وإنما الوهم هنا: الخطأ، أو بما يتوهمه الإنسان. مثل ما قال الإمام محمد في رواية جرير بن حازم عن قتادة: «كان يروي بالتوهم، كان يروي بالتوهم، كان يروي بالتوهم». قد يكون أنه حفظ هذه الأحاديث، ثم بطول الوقت تجد أنه نساها. كذلك كان يفعل معمر في رواية البصريين: أنا سمع من قتادة وأيوب وغيرهم وثابت وهو صغير، ثم لما روى هذه الأحاديث حصلت له أوهام فيها. والظاهر أنه رواها بالتوهم، وكان يظن معمر أنه قد حفظها حفظاً جيداً، لكن حصلت أخطاء له في روايته عن قتادة، وفي روايته عن ثابت، وعن أيوب. لكن الظاهر أنه أتقن التفسير، كأنه كان مكتوباً في شيء، فأتقن عن قتادة التفسير. ولهذا أكثر تفسير عبد الرزاق هو عن قتادة، كان عبد الرزاق في تفسيره: عبد الرزاق عن معمر عن قتادة، أكثر لأسانيد من طريق معمر. قالوا: يعرف حصول الوهم بجمع الطرق والمقارنة بينها، من حيث الوصل والإرسال، ومن حيث الرفع والوقف، وتوثيق الرواة الناقلين، ووجوه ضعفهم. وما ظهر الوهم فيه من الروايات فهو المعلل. أن هذا المعلل هو معرفة خطأ الثقة، بل خطأ الراوي، سواء كان ثقة أو صدوقاً أو حتى ضعيفاً. فهذا الحديث المعلل هو معرفة خطأ الراوي، خطأ الراوي في الحديث. وهذه المعرفة كما تقدم تعرف بجمع الطرق. الراوي الحديث الذي لم تجمع طرقه لم تعرف علته. فهذا الوهم يعرفونه بجمع الطرق. ولهذا هذا الوهم لم يسلم منه أحد، حتى أئمة الإتقان كمالك وسفيان وغيرهم، قد وقعوا في الوهم. ولما حصلت مذاكرة بين علي بن المديني ويحيى وأحمد بن حنبل في من هو أوثق أصحاب مالك، أقصد: من هو أوثق أصحاب الزهري، فاختار علي بن المديني سفيان بن عيينة، واختار أحمد بن حنبل مالكاً، واختار يحيى بن معين معمراً. فلما حصلت المقارنة، قال أحمد بن حنبل لعلي بن المديني: إن سفيان بن عيينة أخطأ في عشرين حديثاً، أخطأ في عشرين حديثاً من حديث الزهري، وهذا يدل على أنه ليس بمنزلة مالك. فمالك عنده أخطاء عن الزهري، لكنها قليلة جداً. حتى ألف ابن رقطني جزءاً جمع فيه أخطاء مالك عن الزهري، أو جمع فيه أخطاء مالك كلها، وأكثرها ليست مما مثلاً هو خطأ كبير أو يضر الحديث. أكثرها من أخطاء يسيرة، إما في معرفة في اسم راوٍ، وإما في قلب بعض الألفاظ، أو كذا. مثل ماذا في حديث: «كان يذهب الذاهب منا إلى قباء أو إلى العوالي ثم يأتي والشمس حية». فالناس قالوا: العوالي، وماذا قال: قباء. فلهذا الإمام أحمد رأى أن أفضل من وأتقن من روى عن الزهري ولم يخطئ كثيراً هو مالك. لكن الخطأ موجود، الخطأ موجود حتى في رواية مالك. لكن كما قال الإمام أحمد لما ذكر هذه الحكاية لبعض أصحابه: «فقلت لعلي: إن سفيان أخطأ في عشرين»، ثم قال: «بل أخطأ في عشرين، بل في عشرين»، معنى: أكثر من العشرين أخطأ فيها، بل قد يكون ستون حديثاً أو أكثر التي أخطأ فيها سفيان عن الزهري. فلهذا فالوهم لا بد منه، معنى: لا أحد يسلم من الوهم. ولهذا لما أراد أن يرد الإمام ابن حبان، أراد أن يرد عن البخاري أو يرد على البخاري، لما لم يخرج لحميد بن سلم في الأصول، قال: حميد إمام في السنة وإمام في الحديث، فمن الذي جعل البخاري لا يخرج له؟ قال: فإن قال: الوهم، فمن ذا الذي لا يهم؟ فإني من الناس فقد وهم مالك، مالك، وكذلك سفيان وشعبة وغيرهم من أئمة الحفظ. فكيف لا يروي لحميد بن سلم ويروي لأبي بكر بن أبي عياش؟ أنا يقول ابن حبان: كيف البخاري لا يخرج لحميد بن سلم ويخرج لأبي بكر بن أبي عياش، مع أنه قد يكون دونه، أي دون حميد بن سلم؟ لكن من تأمل في مسألة حميد بن سلم يجد أن حميداً ليس فقط الخطأ منه أنه يهم في الأحاديث، بل عليه أخطاء كثيرة. لأنه لما نقل كتبه من الأجزاء، من الأجزاء، من الأجزاء إلى المصنفات، نقلها من حفظه، فحصل فيها أخطاء كثيرة، حصلت فيها أخطاء كثيرة. وكذلك أيضاً أحياناً يتساهل في جمع المشايخ، وأحياناً أيضاً حصل منه تغير يسير عندما كبر. وهذه الأشياء لم تحصل لأبي بكر بن أبي عياش. عنده أوهام لكنها هي أقل من أوهام حميد بن سلم في الجملة. لكن ابن حبان يريد أن البخاري لو أخرج حتى روايته عن ثابت، لأنها من أتقن الروايات. يعني حميد بن سلم يعتبر أثبت الناس في ثابت البناني، فالبخاري لم يخرجها أبداً، حتى روايات ثابت لم يخرجها. مع أنه كما قال الإمام مسلم، وقال الإمام الترمذي: إن العلماء أجمعوا على أن حميد بن سلم أثبت الناس في ثابت. وقد علل الإمام أحمد وغيره أحاديث، معنى: الثقات خالفوا حميد بن سلم في ثابت. وقال مسلم رحمه الله: حميد بن سلم يختبر، يختبر الناس في حديثه عن ثابت. أنا إذا أراد الإنسان أن يعرف الرجل، هل هو ثقة عن ثابت أو لا، يقارن حديثه بحديث حميد بن سلم، فيختبر حديث الناس بحديث حميد بن سلم، معنى الثابت. فالمهم أن الوهم واقع لكل أحد، وهذا الوهم يسمى العلة. أنا إذا وقع الوهم من الراوي يسميه العلماء علّة. ومن نظر إلى كتب العلل فإنهم لم يكتفوا بتعليل حديث الثقة، حتى حديث الضعيف، لكنه قليل. لكن أكثر تعليل لهم لحديث الثقة. لكن أحياناً يريدون أن يبينوا أن هذا الحديث خطأ أصلاً، ولو رواه ضعيف؛ لأن الضعيف يستشهد به، لكن هذا الحديث منكر، حديث منكر. فما دام أنه منكر لا يستشهد به، لأنه قد تجد أنه أدخل حديث في حديث، أو أنه أتى بعبارات ليست موجودة في الأحاديث. فمثل هذا ينبهون العلماء أنه يعتبر من المنكر الذي لا يستشهد به، ولو كان هو الذي رواه ضعيفاً. طيب، إن شاء الله نكتفي بهذا، والله أعلم.