كتاب التفسير من صحيح البخاري 172

كتاب التفسير من صحيح البخاري 172

الدرس في كتاب التفسير من صحيح البخاري 172، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

نزول السكينة عند تلاوة القرآن وتأثر الدواب بها

يروي البخاري عن البراء بن عازب أن رجلاً قرأ القرآن فاضطربت فرسه، وأخبره النبي ﷺ أن السكينة نزلت بالقرآن. كما تُذكر قصة أسيد بن حضير مع سورة الكهف، وتوضح الرواية أن السكينة طمأنينة قلبية قد تظهر حسية كسحابة أو ملائكة.

يسر القرآن ونزول السكينة على المحبين له

تُروى قصة أسيد بن حضير ونزول السكينة عند قراءته القرآن، مبينة أن محبة كتاب الله وتلاوته تجلب الطمأنينة وتيسر القراءة حتى مكّنت السلف من ختم المصحف في ركعة واحدة أو ليلة واحدة، مصداقاً لقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ﴾.

فضل قراءة القرآن في رمضان ونزول السكينة على القارئين

يصف المقطع حرص السلف على كثرة قراءة القرآن في رمضان، ويبين أن الله ينزل السكينة والطمأنينة على قارئي القرآن ومدارسيه، مما يمنحهم راحة قلبية عظيمة، ويشير إلى أن طلب العلم الشرعي يورث لذة لا تشبع بخلاف طلب الدنيا.

أثر السكينة في استمرار القارئ على تلاوة القرآن

تشير الرواية إلى أن السكينة النازلة على قارئ القرآن تمنحه راحة في القلب والنفس، مما يدفعه للاستمرار في قراءة كتاب الله، ويختتم المتحدث بأن هذا ما يسره الله مع شكر المشاهدين.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد: قال الإمام البخاري رحمه الله تعالى: «باب: هو الذي أنزل السكينة». وفي باب في ذكر هذه الآية: ﴿ هُوَ الَّذِي أَنزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَّعَ إِيمَانِهِمْ ﴾. فقال رحمه الله: حدثنا عبيد الله بن موسى، وهو الأشجعي الكوفي، وكان فيه شيء من التشيع، بل إن الإمام أحمد يرى أنه داعية، فلهذا لم يأخذ عنه، وكان يحذر منه، وأخذ منه البخاري وغيره لأجل الحديث. قال: عن إسرائيل، وهو ابن أبي إسحاق السبيعي، إسرائيل بن يونس بن أبي إسحاق السبيعي الهمداني. قال: عن أبي إسحاق، وهو الجد عامر بن عبد الله الهمداني السبيعي. قال: عن أبي إسحاق، عن البراء رضي الله عنه، البراء بن عازب، وهو من أهل مكة وسكن الكوفة. قال: بينما رجل من أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام يقرأ، وفرس له مربوط في الدار، فجعل ينفر. فخرج الرجل فنظر فلم ير شيئاً، وجعل ينفر. فلما أصبح ذكر ذلك للنبي عليه الصلاة والسلام، فقال: «تلك السكينة تنزلت بالقرآن». هذا الحديث فيه كيف تنزل هذه السكينة؟ والسكينة: قيل إنها الطمأنينة التي يجدها الإنسان، وقيل إنها شيء ينزل كالسحابة وغيرها تنزل، ومنهم من قال إنها ملائكة حتى تطمئن. هذا الذي تنزل عليه السكينة ويعلم أنه في خير، فالسكينة هي الطمأنينة التي تسكن في القلب. لكن هل هي شيء محسوس؟ فظاهر هذا الحديث على أنها شيء محسوس، وقد جاء كذلك في حديث سعد، أو حديث أسيد بن حضير، أنه كان يقرأ سورة الكهف، وكان يقرأ ويرى أن الفرس تضطرب، كأنه شيء ينزل عليها، وكلما قرأ اضطربت، فخاف أن تدوس ابنه يحيى. ولعل هذا الرجل الذي ذكره البراء هو نفسه أسيد بن حضير، لأن هذا الفرس كأنه حس بشيء من الثقل أو شيء مما ينزل، فلذلك لم يحسها أسيد بن حضير، أو هذا القارئ الذي ذكره البراء. فلما سأل النبي صلى الله عليه وسلم أسيد بن حضير، قال: «تلك السكينة تنزلت بالقرآن، تلك السكينة تنزلت بالقرآن». وهذه السكينة تتنزل على من كان يقرأ ويحب هذه القراءة، جزاء محبتي لهذا الكتاب العظيم، فربنا جل وعلا ينزل عليه السكينة التي أيضاً تطمئنه، وكذلك أيضاً يجد الراحة العظيمة في القراءة، يجد الراحة العظيمة في قراءة كتاب الله جل وعلا. ولهذا امتاز بهذا السلف رحمهم الله، فتجد الواحد منهم يقرأ القرآن في ركعة واحدة، يقرأ في ركعة واحدة، كما جاء ذلك عن عثمان بن عفان، وعن تميم الداري، وعن سعد بن أبي وقاص، وجاء كذلك عن جماعة أيضاً من التابعين أنهم كانوا يقرؤون القرآن كله في ليلة واحدة أو في ركعة واحدة. وقد قال: هذا شيء عجيب، أن الذي يقرأ الآن لو قرأ الإنسان من المغرب إلى الفجر قد لا يتم المصحف، لكن كيف هذا يقرأه في ليلة؟ يقوم مثلاً بعد العشاء ويقرأ حتى قرب الفجر فينتهي من القرآن كله. وهذا يدل على أن القرآن يسره الله، يسره الله لهؤلاء الذين يقرؤون دائماً ويحبون قراءة كتاب الله جل وعلا. وكما قال الله عز وجل في تيسير هذا الكتاب العظيم: ﴿ وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ ﴾، ﴿ وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ ﴾. فلهذا يسره الله عز وجل لمن أراد حفظه وأراد قراءته. فكلما أحب العبد كتاب الله جل وعلا وحب قراءته، كلما تيسر له. وكما قال بعض السلف: إن الله عز وجل ألان للصحابة، ومن كان من السلف، ألان لهم القرآن كما ألان الحديد لداود، فيقرأ مترسلاً دون أن يخطأ، أو كذا فيقرأ مترسلاً حتى ينتهي من القرآن. ولهذا كان العلماء يجتهدون أكثر في رمضان، وكان أحدهم يقرأ القرآن مرتين في اليوم، وبعضهم يقرأ مرة، وبعضهم يقرأ في ثلاث ليال، وبعضهم يقرأ في أسبوع. وهذا في قراءته في أسبوع كان دأب أكثر السلف، ويقرأونه في أسبوع ويحزبونه أحزاباً. وهذا كله كما قلنا لأن الله عز وجل يلين لهم هذا الكتاب، وينزل عليهم السكينة التي تطمئن قلوبهم، فيجد القارئ الراحة في القراءة، يجد الراحة والاطمئنان في هذه القراءة، وينشرح صدره. ولهذا تجد كثيراً من السلف إذا دخل الصلاة نسي كل شيء، ولم يحس بأي شيء، يكون مع القراءة ومع هذه الآيات أيضاً. حتى أنه كما قلنا: أن مسلم بن يسار كان يصلي، فسقط نصف المسجد وهو يصلي، والناس خرجوا وهو يصلي، ولم يحس إلا بعد أن سلم، بعد أن سلم حس أن المسجد قد سقط. وهذا كما قلنا من السكينة التي تتنزل عليهم في القرآن. وهذه السكينة أيضاً تتنزل على من أيضاً يتعلم القرآن، كما جاء في حديث أبي هريرة وأبي سعيد، أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «ما من قوم يقرؤون كتاب الله ويتدارسونه فيما بينهم إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده». فنزلت عليهم السكينة التي تجعلهم يطمئنون ويرتاحون، فيجدون تلك الراحة العظيمة فيما يدرسونه وما يتعلمونه. ولهذا أيضاً تجد أن للعلم، خاصة علم كتاب الله وسنة رسوله، لذة عظيمة لا يجدها الإنسان في أي شيء. ولهذا قال نبينا الكريم عليه الصلاة والسلام: «همان لا يشبعان: همان في طلب علم، وهمان في طلب دنيا». والهمان هو الذي يدخل في الشيء بقوة ويريد أن يزداد منه. فقال: «همان لا يشبعان: همان في دنيا، وهمان في طلب علم، وهمان في طلب علم». فلهذا فطلب العلم، وكذلك مدارسة القرآن وقراءته، من أعظم الأمور التي تكون فيها طمأنينة القلب ونزول السكينة، كما جاءت بها الآيات والأحاديث. وهذا من هذا القبيل، وهذه السكينة التي نزلت على هذا القارئ من هذا القبيل، فيجد راحة في قلبه ونفسه، فيستمر في قراءة كتاب الله جل وعلا. فهذا إن شاء الله تعالى ما يسر الله ذكره، والله تعالى أعلم. شكراً للمشاهدة، شكراً للمشاهدة.