كتاب التفسير من صحيح البخاري 173

كتاب التفسير من صحيح البخاري 173

الدرس في كتاب التفسير من صحيح البخاري 173، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

سند حديث بيعة الرضوان ورواة الإسناد

يستهل الإمام البخاري باب «إذ يبايعونك تحت الشجرة» بسند متصل ينتهي إلى جابر بن عبد الله، ويذكر ترجمة قتيبة بن سعيد ورؤياه التي صرفته إلى طلب الحديث. ثم يبيّن طبقة سفيان بن عيينة وعمر بن دينار، مع التنبيه إلى دقة عمر في الأداء وتمييزه بين السماع والرواية عن جابر.

وقائع بيعة الرضوان تحت الشجرة في الحديبية

يروي جابر بن عبد الله أن الصحابة كانوا ألفاً وأربعمائة حين بايعوا النبي صلى الله عليه وسلم تحت الشجرة في الحديبية، وذلك بعد أن بلغهم خبر مقتل عثمان بن عفان، فبايعهم على عدم الفرار لا على الموت كما صحح جابر. نزلت الآية الكريمة في سورة الفتح تثبيتاً لرضوان الله عليهم، ثم تبين أن عثمان حي، وعقد النبي الصلح مع سهيل بن عمرو وغيره من وفود قريش.

إخفاء موقع الشجرة واختلاف الروايات في العدد ومعجزة البئر

أخفى الله موقع شجرة بيعة الرضوان حتى لا تُعظَّم، واختلف الصحابة في عدد الحاضرين فذكروا أرقاماً تقريبية تتراوح بين 1300 و1500، كما وقعت معجزة ببركة النبي صلى الله عليه وسلم حين بصق في إناء ماء فجرى البئر وتوضأ منه الجيش كله.

دلالة الزيادة والنقصان في عدد الرواة

يشير المقطع إلى أن الروايات تذكر ألفاً وأربعمائة راوٍ، لكن المراد ليس التحديد العددي الدقيق بل الإشارة إلى أن عددهم يتفاوت بالزيادة والنقصان. ويختم بالتأكيد على أن العلم الدقيق عند الله تعالى.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. قال الإمام البخاري رحمه الله تعالى: «باب: إذ يبايعونك تحت الشجرة». قال: حدثنا قتيبة بن سعيد. وقتيبة بن سعيد هو ابن طريف، ابن جميل، أبو رجاء الثقفي البغلاني. وبغلان هذه منطقة في خراسان، وهو الثقفي مولى الحجاج بن يوسف، إما من كان أبوه مولى أو كان جده مولى للحجاج بن يوسف فهو الثقفي بالولاء. وكان حافظاً كبيراً، وقد جاءه أئمة الحفظ والعلم فأخذوا منه الحديث، وقد عمر كثيراً رحمه الله؛ فإنه ولد سنة مائة وخمسين، وتوفي سنة مائتين وأربعين، وله تسعون سنة. وبكر في الحديث، ويقول عن نفسه أنه كان يطلب الرأي، ثم رأى رؤية: أن الناس كانوا عند شجرة أو عند عمود، وكان هذا العمود فيه كتاب. قال: فكان الناس يحاولون أن يأتوا بهذا الكتاب فلم يستطيعوا، قال: فجئت فارتفعت إليه فجئت به، فرأيت في الكتاب أنني من المفلحين. قال: فذهبت إلى رجل يقال له طَبَّاع النزال -أو بهذا المعنى- فقال: فقصصت عليه هذه الرؤية، وكان من أعلم الناس بالرؤى، فقال لي: «لا تصلح أن تطلب الرأي، وإنما طريق الجنة بطلب الأثر»، فيطلب الحديث. قال: فمنذ ذلك الوقت وأنا أطلب الحديث، فوفقه الله عز وجل لطلب الحديث. وكذلك أبوه أيضاً رأى رؤية أن ابنه من العلماء. فقتيبة رحمه الله طلب العلم، وعنده أجيال حتى آخرهم محمد بن الفضل الأسبهاني. قال: فكان رحمه الله يُقصد للعلم، ويأتي إليه أئمة الإسلام كأحمد، وابن المديني، وإسحاق، وغيرهم. قال: حدثنا قتيبة بن سعيد، قال: حدثنا سفيان. وسفيان هو ابن عيينة، ومحمد الهلالي، إمام أهل الحجاز. قال الشافعي رحمه الله: «لولا مالك وسفيان لذهب علم الحجاز»، أن الناس ذهبوا إلى البصرة، إلى الكوفة، وأهل العلم هناك. قال: «لولا مالك وسفيان لذهب علم الحجاز»، فبقي مالك في المدينة، وسفيان في مكة، فجاء الناس إليهما من كل مكان. قال: عن عمر، وهو من دينار، أبو محمد الجمل رحمه الله. قال شعبة: «ما رأيت أتقن في الحديث من عمر بن دينار». قال: عن عمر، عن جابر. وعمر بن دينار إذا قال: «عن جابر»، أو «سمعت جابراً» فهو مما سمع، وإذا قال: «قال جابر» فهذا غالباً لم يسمعه، كما قال سفيان هذا الكلام. قال: عن جابر قال: «كنا يوم الحديبية ألفاً وأربعمائة». فهذا الحديث يذكر جابر بن عبد الله رضي الله عنه أنهم كانوا بالحديبية ألفاً وأربعمائة، أي الذين بايعوا تحت الشجرة. قال الله عز وجل: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ [الفتح: 18]. أي: وهو فتح مكة. وهذه الآية: ﴿إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾، المبايعة التي حصلت تحت الشجرة، سببها أن النبي عليه الصلاة والسلام أرسل عثمان إلى مكة حتى يحاورهم في أمر دخولهم، يحاورهم في دخول النبي عليه الصلاة والسلام إلى مكة. فأرسل عثمان بن عفان، فذهب إليهم، فجيء للنبي عليه الصلاة والسلام أن عثمان قد قُتل، فبايع النبي عليه الصلاة والسلام الناس على أن يدخلوا مكة، وبايعهم على أن لا يفروا. وجاء في بعض روايات البيعة أنهم بايعوه على الموت، لكن يقول جابر: إن النبي صلى الله عليه وسلم لم يبايعنا على الموت، وإنما بايعنا على أن لا نفر، والهدف واحد، لكن هذا فيه دقة من جابر بن عبد الله رضي الله عنه. فالمهم أن النبي صلى الله عليه وسلم بايع في غزوة، أو تحت الشجرة، في بيعة الرضوان، وقال: «وهذه يد عثمان»، وكأن النبي صلى الله عليه وسلم علم أنه لم يمت. ثم لما عقد هذه البيعة جاءه خبر أن عثمان لا يزال حياً، ورجع. ثم جاءت الوفود، فجاء عروة بن مسعود الثقفي، وجاء الحُليس بن علقمة، وجاء غيرهم، حتى جاء سهيل بن عمرو. فلما رآه النبي صلى الله عليه وسلم قال: «سهل أمركم». فعقد النبي صلى الله عليه وسلم بعد ذلك معه الصلح، صلح الحديبية، عقده مع سهيل بن عمرو. وسهيل بن عمرو يعتبر من سادات قريش، من أهل مكة، وأسلم في الفتح. وكذلك أيضاً عروة بن مسعود، أسلم في الفتح. فهذه كانت بيعة الشجرة، أو بيعة شجرة الرضوان، التي بايع عندها الصحابة رضي الله تعالى عنهم، وكانت في الحديبية. لكن جاءت في بعض الروايات أنهم بايعوا النبي صلى الله عليه وسلم في المغرب، فلما أصبح الصبح فما دروا أين هذه الشجرة. فلما أصبح الصباح ما علموا أي شجرة هذه التي بايعوا عندها، وهذا حكم من الله حتى لا يعثر على هذه الشجرة فيعظمها الجهال، وليس المراد الصحابة رضي الله عنهم، لكن إذا علم الصحابة سيدلون على مكانها، لكن الله عز وجل لم يعلمهم ذلك المكان، أو لم يجعل ذلك المكان مكاناً معروفاً. وبعض أهل العلم يقول: إنها هي الشجرة التي قطعها عمر. عمر لما جاء إلى الحديبية رأى الناس يذهبون إلى مكان، قال: أين يذهب هؤلاء؟ قالوا: إلى الشجرة التي بايع عندها رسول الله، فقطعها عمر رضي الله عنه. لكن بعض أهل العلم يقول: إن هذا ظن منهم أنها الشجرة التي بايع عندها الناس، وليست كذلك؛ لأن الشجرة لم يعرف مكانها أحد. فقال جابر بن عبد الله: «كنا يوم الحديبية ألفاً وأربعمائة». العدد هذا اختلف الصحابة رضي الله عنهم فيه، والظاهر أنهم يأتون بعدد تقريبي، هذا ليس عدداً مضبوطاً بالدقة، وإنما هو تقريبي. جاء في حديث الزهري، عن عروة بن الزبير، عن مروان بن الحكم، ومسور بن مخرمة: أنهم بضع عشرة مائة، بضع عشرة مائة. وجاء في رواية: ثلاثة عشر مائة، عن ألف وثلاث مائة. وأكثر الصحابة جاء في حديث البراء، وجابر بن عبد الله، وسلمة بن الأكوع، وغيرهم: قالوا أربعة عشر مائة، أي ألف وأربعمائة. وجابر هنا قال: ألف وأربعمائة. لكن قد ذكر عنه سعيد بن المسيب، وسليم بن الجعد، أنه قال: ألف وخمسمائة. بل كان قتادة يقول لسعيد بن المسيب: «جابر محمد نقل الناس عن جابر أنه ألف وأربعمائة»، فقال: «لعل جابر نسي، قد حدثني أنهم ألف وخمسمائة». أي يقول سعيد بن المسيب: إنه لعل جابر نسي، وإلا قد حدثني أنهم ألف وأربعمائة، ألف وخمسمائة. والأمر سهل، الظاهر أن جابراً لم يكن يريد التدقيق في العدد، وإنما أراد التقريب، فهم ألف وأربعمائة، أو ألف وخمسمائة، أو حول هذا العدد، أن يزيدوا أو ينقصوا. لهذا جاء في حديث المسور أنهم ألف وثلاثمائة. ونزلوا بالحديبية، وكانت بها بئر، فشربوا منها حتى فني الماء. فلما جاء النبي عليه الصلاة والسلام جلس على وَرِك هذه البئر، فلم يجد فيها ماء. قال: «عند أحدكم ماء؟» فجاءوا بالماء في إناء، وبصق فيه النبي عليه الصلاة والسلام، فبرك، فجرى هذا الماء، فتوضأوا منهم، وكانوا ألفاً وأربعمائة. فلذا فأكثر الروايات على أنهم ألف وأربعمائة. لكن كما قلنا: الظاهر أنه ليس المقصود العدد بعينه، وإنما يزيدون أو ينقصون. فهذا ما يذكر في هذا الحديث، والله تعالى أعلم.