كلمة الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

المحاضرة بعنوان كلمة الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور، والتي كانت بمسجد الفاروق بمنطقة حباير يوم الأحد 5 شوال 1445هـ الموافق 14 أبريل 2024م ألقاها منوع

ابتلاء المؤمنين وسنة الصراع بين الحق والباطل

يؤكد الخطيب أن كثرة الخير في الأمة مقدمة لابتلاء يمتحن الله به المؤمنين على قدر دينهم، مستدلاً بالآيات والأحاديث. ويبين أن الصراع بين الحق والباطل سنة كونية مستمرة منذ خلق آدم، وأن أهل الباطل يتحالفون لمحاربة الإسلام وأهله.

تحالفات أهل الباطل وضرورة وحدة الصف المسلم

يستعرض المقطع أشكال التحالف بين أعداء الإسلام من يهود ونصارى ومنافقين وشياطين الإنس والجن، موضحاً هدفهم المشترك في محاربة الدين. ويوجه المسلمين لوجوب التكاتف والائتلاف والصفح والإحسان بينهم، محذراً من الفرقة وسوء الظن، ومبيناً أن اتحاد المؤمنين صفاً واحداً هو الرد الحتمي على بذل الكفار للمال والجهد لصد الناس عن سبيل الله.

شدة حرص الأعداء ووجوب نصرة الدين بكل المستطاع

يصور المقطع شدة حرص الكفار على محاربة الإسلام ببذل الأعمار والأوقات، ويذكر الآيات المحثّة على عدم الوهن والضعف أمام الباطل. ويوضح أن البشر سواء في الألم لكن المؤمن يتميز برجاء ثواب الله، ويقرر أنه لا وسط بين الحق والضلال، ملزماً كل مسلم بنصرة دينه بما يستطيع من مال أو علم أو دعوة.

الختام بالتحذير من الباطل والدعاء بالهداية واتباع الأحسن

يحذر المتحدث من أن من لم يوفق للحق يُعد من أهل الباطل، مؤكداً خطورة الموقف. ثم يختم بالدعاء لله أن ينفع الحاضرين بما سمعوا، وأن يجعلهم ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، ويصلي على النبي محمد صلى الله عليه وسلم.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، عباد الله، إخواني في الله، وإني أمام هذا الحشد الكريم، والذي إن دل على شيء فإنما يدل على الفضل الكبير والخير العميم الذي أوجده الله جل وعلا في هذه الأمة الإسلامية، وخاصة في البلاد اليمنية، وبالأخص في البلاد الحضرمية التي أقبل الله جل وعلا بقلوب أهلها إلى الخير والسنة، فلله الحمد حمدًا من بعد حمد. إخواني في الله، إن هذا الخير الكثير له دلالة على مؤشر آخر ينبغي البوح به والإشارة إليه، وأن يكون في بالي وحسبان كل واحدٍ منا، وهو ما ينتظره من البلاء العظيم، فإن الأدلة الشرعية قد دلت على أنه ما من خيرٍ موجود إلا وسيبتليه ربنا جل وعلا بشرٍ مرصود، وذلك لحكم علمها من علمها وجهلها من جهلها. قال سبحانه: ﴿الم * أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾، وقال ربنا جل وعلا: ﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَىٰ مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ حَتَّىٰ يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾، وقال عليه الصلاة والسلام: «أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل، يبتلى الرجل على قدر دينه، فإن كان في دينه رقة ابتلي على قدر دينه، وإن كان في دينه صلابة اشتد بلاؤه». وهكذا عباد الله، الأدلة كثيرة تسير على هذا المنحى، فما من خيرٍ موجود إلا ويبتلى بشرٍ مرصود. إخواني في الله، وإن هذا الأمر ليتفرع من مسألةٍ أعظم وأكبر، ألا وهي مسألة الصراع بين الحق والباطل. الصراع هو القضية القديمة التي أوجدها الله جل وعلا منذ أن خلق المعمورة، منذ أن أوجد الله جل وعلا آدم، أوجد الله جل وعلا ما يقابله الشيطان، وقال له: ﴿يَا آدَمُ إِنَّ هَٰذَا عَدُوٌّ لَّكَ وَلِزَوْجِكَ﴾، هنا بدأت العداوة والصراع بين الحق والباطل. فاحتاج الشيطان لأن يستعين بأوليائه وحزبه وأعوانه وأصحابه من كل الأصناف، ومن شتى الأجناس والأصناف، لكي يعينوه على محاربة الحق وأهله ومحاربة الإسلام. عباد الله، إن الصراع بين الحق والباطل له حديثٌ يطول ويطول، ويكفيك عبرة أن تتأمل في كتاب الله لتجد أن الله جل وعلا قد أبان في آياتٍ كثيرة عن حقيقة الصراع بين الحق والباطل وحزبه. في هذا المقام، وعلى عجالة، أن أشير إلى معلمين عظيمين من معالم الصراع بين الحق والباطل. علينا أن نعلم من المعلم الأول: أن أهل الباطل في سبيل صراعهم للحق تحالفوا واحتشدوا، تكالبوا وتآلبوا وتجمعوا وحشدوا من كل حدب وصوب في سبيل ضرب الإسلام وأهله. ها هم أعداء الخارج من كل الملل والأديان والنحل تجمعوا. قال ربنا جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾، بينهم ولاية وزمالة وصداق واشتراك في محاربة الدين. بل ها هم أعداء الداخل من أهل النفاق والشقاق، من مرضى القلوب والارتياب، هم كذلك تحالفوا. قال ربنا جل وعلا: ﴿الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُم مِّن بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ﴾. بل إن التحالف وصل لدرجة أن العالَمين يتحدان في ضرب الإسلام، بين عالم الإنس وعالم الجن. قال ربنا جل وعلا: ﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾، وقال سبحانه: ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَىٰ أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ﴾. يا أهل الإسلام، بالشبهات والتشكيكات. لا زال التحالف قائمًا حتى أن الشيطان لربما استعان بغيره من العوالم، من عالم الحيوانات. ذكر الإمام البخاري رحمه الله تعالى في الأدب المفرد أمر تلك الفأرة، فأرة رؤية، وهي تجر فتيلة شعل من نار، تجرها وتجرها حتى ألقت على الخمرة الذي كان نبينا صلى الله عليه وسلم قد جلس فيها، فإذا بهذه الشعلة تحرق من الخمرة موضع درهم، موضع درهم، فقال عليه الصلاة والسلام: «إذا نمتم فأطفئوا سرجكم، فإن الشيطان لا يدل مثل هذا على فعل هذا». عباد الله، إن التحالفات عظيمة، بها الاستحاذ بين أهل الباطل فيما بينهم في محاربة الإسلام، ما بينهم من الأحقاد والشحناء والضغائن ما الله به عليم، ﴿تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّىٰ﴾، لكنهم يتناسون الماضي إذا كان العدو بينهم هم الإسلام وأهله. عباد الله، من هنا وأمام هذا المعلم، ونحن في صراعنا مع أهل الباطل، ينبغي إخواني في الله أن نشد من أزر بعضنا بعضًا، علينا بالتكاتف والتآلف والوئام والالتئام. ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُم بُنْيَانٌ مَّرْصُوصٌ﴾. كما أن الكفار تحالفوا، يأمر ربنا جل وعلا أهل الولاية من المسلمين والمسلمات بالاتحاد: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾. شد عضدك بأخيك يا عبد الله. احذر، احذر يا عبد الله من إساءة الظنون وإغارة الصدور والانتصار لما في النفوس. اعفُ يا عبد الله عن من ظلمك، وأحسن لمن أتى إليك، وصفح عن من اعتدى عليك. مقام العفو والصفح والإحسان، إن لم نقم بها فمن ذا الذي سيقوم بها؟ المعلم الثاني من معالم الصراع بين الحق والباطل: عليك أن تعلم يا عبد الله أن الكافر ومن كان من أهل الباطل يبذلون ويعطون كل ما يستطيعون عليه من قوة ومن بذل وقدرة في سبيل إيقاف الإسلام وأهله. لا تظن، لا تظن يا عبد الله أن الكافر لا يتعب أو أنه لا يبذل، لا والله، بل ربما شعر بالألم والجوع والجهد والتعب والنصب في سبيل محاربة الدين وأهله. الكافر يا عبد الله وأهل الباطل لربما أنفقوا من أموالهم الشيء الكثير. قال ربنا جل وعلا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾. كافر ينفق، ينفق مما له الكثير والقليل، كل في سبيل محاربة الدين. الكافر يا عبد الله وأهل الباطل لربما أنفقوا من الأوقات وأفنوا من الأعمار كل ذلك في سبيل محاربة الإسلام. قال ربنا جل وعلا مبينًا شيئًا من مخاصمة الكفار: ﴿قَالُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَن نَّكْفُرَ بِاللَّهِ﴾. بقي السؤال: ما الذي يجعلهم لأنفسهم إذا كان مكرهم على مدار الساعة، مكر بالليل ومكر بالنهار؟ ما الذي أبقوه لأنفسهم؟ ما أبقوا لأنفسهم شيئًا، بل استماتوا على الكيد والمخططات في سبيل إضلال عباد الله. الكافر يا عبد الله وأهل الباطل مستعد أن يفني عمره ولو تذهب روحه في سبيل الاستماتة على الباطل والرد على الإسلام. قال ربنا جل وعلا: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ﴾. سبحان الله، كافر ويقاتل، نعم كافر ويقاتل، يبذل روحه ودمه في سبيل نصر الباطل وأهله. عباد الله، فلينظر كل منا إلى نفسه، ماذا عسى أن بذل وأعطى في سبيل نصرة دينه؟ إن المسلم، إخواني في الله، عليه أن يعطي من وقته ومن جهده ما فيه المنافحة لدين الله جل وعلا. قال ربنا: ﴿وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ﴾، لا تعجزوا، لا تتقاعسوا في ابتغاء القوم في مواجهتهم، ﴿إِن تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ﴾. هم بشر، والله ما هم حديد ولا فولاذ ولا خشب، هم بشر يعتريهم ما يعتري البشر من الألم والوجع والتعب والنصب. ﴿إِن تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ﴾. لكن عندنا مزية، نرجو ونرجو من الله ما لا يرجون. قدم يا عبد الله وأنت في باب الصراع بين الحق والباطل، قدم عند الله جل وعلا ما فيه إظهار لنصرتك لدين الله جل وعلا بما تستطيع، بما تقدر عليه. إن الله جل وعلا يرضى منا بالقليل. أبذل يا عبد الله ما يكون من جهدك، وكل على قدر طاقته: ذاك بماله، ونقود، ذاك بجاهه وشفاعته، ذاك بعلمه ودعوته، ذاك بمشاركته وإعانته، ذاك بتكثير سواد إخوانه. تصدق رجل بدينار، تصدق رجل بدرهم، تصدق رجل بشعير، تصدق رجل ولو بشق تمرة، ولو بشق تمرة. يا عبد الله، بلغ دين الله ولو آية، ولو آية. «بلغوا عني ولو آية». ولو أنك تمقل، لا تؤلف ولا تكتب، نظر الله امرأة سمعت منا مقالة فوعاها فأداها. فمن منا يعجز يا عبد الله؟ والله ما منا أحد يعجز، لكنه الكسل والخمول والفتور الذي دب في أمتنا، ونحن في مهب الريح أمام هذا الصراع المحتشد بين ملل الكفر والملل، احتشدوا وتجمعوا، وكل حاول بكل قوته أن يهجم على الإسلام وأهله. فالله الله يا عبد الله. وأخيرًا مما أختم به المقال وهذا المقام: علينا أن نعلم مسألة عزيزة في باب الصراع بين الحق والباطل، ما ثم إلا حق وباطل، ما هناك وسط. لا تقل يا عبد الله: أنا محايد، لا تقل: لست أنا مع هؤلاء ولا مع هؤلاء. قال ربنا: ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ﴾. من لم يوفق إلى الحق فهو معدود من أهل الباطل. أسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، ونسأله سبحانه وتعالى أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.