المحاضرة بعنوان كلمة الشيخ أبو عبدالله صالح الشرفي، والتي كانت بمسجد الفاروق بمنطقة حباير يوم الأحد 5 شوال 1445هـ الموافق 14 أبريل 2024م ألقاها منوع
يوضح المقطع أن السعادة الحقيقية تتحقق بثلاث خصال هي الشكر عند النعمة، والصبر عند الابتلاء، والاستغفار عند الذنب، مستنداً إلى قول ابن القيم في الوابل الصيب. ويبين أهمية الشكر كعبادة عظيمة تدل عليها الآيات وأقوال السلف.
يؤكد المقطع أن الشكر يحفظ النعم القائمة ويجلب النعم المفقودة، مستشهداً بالآيات وأقوال السلف، وأن المؤمن يُختبر بتمسكه بدينه فيصبر على الابتلاء. ويذكر قدوة النبي ﷺ في قيام الليل شكراً لله.
يوضح المقطع أن الابتلاء يميز الصادق من الكاذب، مستشهداً بابتلاء النبي ﷺ وآيات القرآن، وأن الصبر هو السبيل الوحيد لمواجهة الابتلاءات. ويستند إلى أقوال ابن تيمية والإمام أحمد وابن القيم بأن بالصبر واليقين تنال الإمامة في الدين.
يشدد المقطع على ضرورة الصبر واليقين بالله محذراً من الاستعجال والجزع الذي قد يزل العقل. ويؤكد أن وعد الله حق ولا ينبغي أن يخدع المؤمن بمن لا يوقنون.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. الحمد لله العظيم في قدره، العزيز في قهره، العليم بحال عبده، سره وجهره. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، نؤمن بقضائه كله، خيره وشره، وحلوه ومره. ونشهد أن نبينا محمداً عبده ورسوله، جاهد في الله حق جهاده طول عمره ووقته. وعلى آله وصحبه ما جاد السحاب بقطره، وأطل الربيع بزهره، وسلم تسليماً كثيراً. معاشر الإخوة الحاضرين، إنه لمن دواعي السرور أن نجتمع هذا الاجتماع المبارك على مائدة الأخوة الإسلامية والرابطة الإيمانية. فهذه اللقاءات وهذه الاجتماعات المباركة ترضي الرحمن، وتغيظ الشيطان، وتجعل الجبهة الداخلية للدعوة السلفية محصنة من أي اختراق، ومن أي تفرق أو تمزق. فهنيئاً لكم هذا الخير العظيم وهذا اللقاء الكبير. وكلما اتسعت الدعوة كلما احتاجت إلى العناية والرعاية، وتحتاج إلى مزيد تبصير ومعرفة وحلم ورفق. سمعنا في كلمات الدعاة ما يطيب الخواطر ويسر النواظر. وكلمتي أحببت أن تكون مختصرة في جملة للإمام الكبير ابن قيم الجوزية رحمه الله. هذه الكلمة والجملة ذكرها رحمه الله تعالى في كتابه «الوابل الصيب»، فذكر ثلاثة جمل وقال: هي عنوان السعادة. قال: «عنوان السعادة الشكر عند النعمة، والصبر عند الابتلاء، والاستغفار عند الذنب». فأول ما ذكره ابن القيم رحمه الله تعالى من عنوان السعادة: أن يكون العبد شاكراً عند النعمة. والشكر هو في حقيقته القيام بطاعة الله عز وجل قولاً واعتقاداً وعملاً. وقال سفيان بن عيينة رحمه الله تعالى: «شكر الله عز وجل أن تجتنب ما نهاك الله عنه». شكر الله عز وجل، قال ابن القيم في «المدارج»: «هو سبيل رسول الله وأنبيائه وأخص خلقه». قال الله عز وجل عن نوح عليه السلام: ﴿ ذرية من حملنا مع نوح إنه كان عبدا شكورا ﴾. وقال في إمام الحنفاء: ﴿ شاكرا لأنعمه ﴾. وقال في حق داود: ﴿ اعملوا آل داود شكرا ﴾. ﴿ وقليل من عبادي الشكور ﴾. الشكر هذه العبادة العظيمة التي يغفل عنها كثير من الناس هي حقيقة العبودية لله عز وجل، فإن من يعبده هو الذي يشكره. ولهذا قصر كثير من الناس في القيام بحق شكر الله عز وجل. مع الشكر يكون المزيد: ﴿ وإذ تأذن ربكم لئن شكرتم لأزيدنكم ﴾. الشكر أمان من عذاب الله عز وجل، قال الله جل وعلا: ﴿ ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم ﴾. قال قتادة بن دعامة السدوسي: «إن الله لا يعذب شاكراً». الشكر هذه عبادة عظيمة. قال بكر بن عبد الله المزني: «إذا أردت أن تعرف نعمة الله عليك فغمض عينيك». كم أنعم الله علينا من نعم ظاهرة وباطنة: نعمة الإسلام والتوحيد والسنة، نعمة الإيجاد والإمداد، نعمة الصحة والعافية والفراغ، نعمة الفتوة والقوة. كم من نعمة أنعم الله بها علينا يا عباد الله لم نقم بحق الله عز وجل فيها. ولهذا إذا أردنا من الله أن يديم هذه النعم علينا أن نقوم بحق شكرها لله عز وجل. ولهذا كان السلف يسمون الشكر «الحافظ الجالب»، يسمون الشكر «الحافظ الجالب»، فهو الحافظ للموجود والجالب للمفقود. قال أبو الوفاء بن عقيل الحنبلي رحمه الله تعالى: «النعم أضياف النعم، كالضيف الذي ينزل بك، وقراها الشكر». تثبت هذه النعم بشكرها. أعطاك الله علماً، أعطاك الله حفظاً، أعطاك الله بلاغة، أعطاك الله فصاحة، أعطاك الله فقهًا، أعطاك الله من فضله عليك أن تقوم بحق الله عز وجل في هذه النعمة. وهذه علامة الخيرية عند المؤمن: المؤمن هو كله خير وإلى خير. «عجبا لأمر المؤمن إن أمره كله له خير، إن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له، وإن أصابته سراء شكر فكان خيرا له». هذه الجملة الأولى من عناوين السعادة. وكل واحد يفتش في نفسه: هل هو قائم بشكر الله عز وجل، أم هو ذاهل؟ انظروا النبي عليه الصلاة والسلام قام بحق الله، قام بدعوته، قام بأعباء الرسالة، حتى كان يقوم من الليل وتتورم قدماه الشريفة. فيعاتب بذلك: «تقوم هذا القيام الطويل وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟» فكان يقول: «أفلا أكون عبدا شكورا؟». وأما العنوان الثاني فهو الصبر عند الابتلاء. لا بد لطالب العلم وللعالم وللعابد والزاهد والمسلم أن يدفع ضريبة استقامته. وقد ذكر أخونا الشيخ أبو هشام حفظه الله تعالى ما ثبت عنه عليه الصلاة والسلام في حديث السعد: «ثم يبتل المرء على قدر تمسكه بدينه، فإن كان صلبا في دينه ابتلي وزيد له في ابتلائه، وإن كان في دينه رقة ابتلي على قدر رقته». فالابتلاء كير القلوب ومحك الإيمان، وبه يميز الصادق من الكاذب. ﴿ الم أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون * ولقد فتن الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين ﴾. انظروا إلى رسول الله، ما سنتكلم على الأنبياء والرسل السابقين. انظروا إلى رسول الله: ابتلي بالقريب والبعيد، والعدو والصديق. امتحنه الله في صبره على قتل أصحابه وفقد أحبابه. ابتلاه الله جل وعلا ابتلاء شديداً. قال: «لقد أذيت في الله وما أذي أحد مثلي، ولقد أخفت في الله وما أخف أحد مثلي». رأى الموت أمامه ماثلاً، صلوات الله وسلامه عليه. ولهذا قال الله جل وعلا له: ﴿ قد نعلم إنه ليحزنك الذي يقولون * فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون * ولقد كذبت رسل من قبلك فصبروا على ما كذبوا وأوذوا حتى أتاهم نصرنا ولا مبدل لكلمات الله * ولقد جاءك من نبأ المرسلين ﴾ صبر. أما نحن في هذه الأيام: الواحد ما يصبر على جفوة ابنه، ولا على جفوة أبيه، ولا على خطأ زوجته، ولا على بعض كلمات شاره. أحوالنا بأيدينا في هذه الأيام ما فيه مصبرتين، والواحد مصبر الأيام هذه مع أبيه، مع إخوته، مع زوجته. أين الصبر؟ ونقوم بعدين: «الصبر إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب». أين الكلام؟ كلام كله يبين، بعدين يبين عند الامتحان. الصبر: قال عمر فيما علقه البخاري: «وجدنا طيب عيشنا في الصبر، وجدنا طيب عيشنا في الصبر». وذكر ابن حجر رحمه الله أن الصبر سبب حصول كل كمال. ولهذا قال الإمام أحمد: «إن الله ذكر الصبر في تسعين موضعاً». وألف ابن القيم كتاباً يعد زاداً ومعدناً للدعاة إلى الله، سماه «عدة الصابرين»، فأتى فيه بالعجب العجاب، تكلم على فضل الصبر وعلى أحكام الصبر، فأتى بما لم يأت به غيره في هذا الكتاب. لهذا قال الحسن البصري: «الصبر كنز ثمين لا يؤتيه الله إلا لعبد كريم». هذا الكنز الثمين لا يؤتيه الله إلا لعبد كريم. نصبر يا إخوان على طاعة الله، نصبر عن معاصي الله، نصبر على أقدار الله وأقضيته. ولهذا لن تقابل هذه الابتلاءات والاختبارات والتمحيصات إلا بمقام الصبر. ولهذا قال ابن تيمية المقالة التي سارت بها الركبان: «بالصبر واليقين تنال الإمامة في الدين». بالصبر واليقين، تباً وتنجراً، تباً يقتل عقلك بزلة أو طيش. فاصبر: ﴿ إن وعد الله حق ولا يستخفنك الذين لا يوقنون