الدرس في شرح أصول السنة للرازيين 7، ألقاها الشيخ أبو العباس محمد جبريل
يؤكد النص أن أهل الجنة يرون ربهم بأبصارهم يوم القيامة، مستنداً إلى الآيات والأحاديث كحديث جرير بن عبد الله الذي شبه الرؤية برؤية القمر. كما يثبت أن الكفار محجوبون عن الرؤية عقاباً، وأن المؤمنين يسمعون كلام الله كيف شاء.
يتناول المقطع نعيم رؤية الله وسماع كلامه في الجنة، مستدلاً بحديث صهيب وآية (للذين أحسنوا الحسنى وزيادة). ويبين أن خطاب الله لأهل الجنة وسلامه عليهم يعد أعظم النعيم، محذراً من إنكاره الذي يعد من بدع المعتزلة والمتأخرين من الأشعرية.
يوضح المقطع أن الله يكلم أهل الجنة مباشرة بلا واسطة، مقترناً بمسألة رؤية الله وعلو الذات، وهي ثلاث مسائل أنكرها المعطلة وأثبتها السلف. ويستدل بالقرآن والسنة على حقيقة التكليم والرؤية البصرية، مؤكداً أن أعلى نعيم الجنة هو رؤية وجه الله وسماع كلامه.
يختتم الدرس بالصلاة والسلام على النبي محمد وعلى آله وصحبه، مع ذكر اسم المترجمة نانسي قنقر في نهاية النص. وتشكل هذه الفقرة ختاماً رسمياً للمحاضرة.
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد الصادق الأمين، وعلى آله الطيبين وصحبه الغر الميامين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد، ففلازلنا في رسالة وجزء أصول السنة للإمامين الجليلين أبي حاتم محمد بن إدريس الحنظلي الرازي، وأبي زرعة عبيد الله بن عبد الكريم الرازي، فيما سألهما وكتب جوابهما العالم الإمام الكبير أبو محمد عبد الرحمن بن أبي حاتم، رحمهم الله تعالى جميعاً. قالا رحمهم الله تعالى: وأنه تبارك وتعالى يراه في الآخرة، يراه أهل الجنة بأبصارهم، ويسمعون كلامه كيف شاء وكما شاء. وهذه الفقرة تضمنت مسألتين من مسائل اعتقاد السلف الصالح رضي الله عنهم وأرضاهم. المسألة الأولى: رؤية الله في الآخرة لأهل الجنة، هذه هي المسألة الأولى في هذه الفقرة، وهي ثابتة بالكتاب وبالسنة. يقول الله عز وجل: ﴿ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ ﴾. «ناظرة» والناظرة: الأولى من النظرة، والنظرة: الثانية من النظر. الأولى بذات البطن الضاد «ذات البطن»، والثانية ذات العصى «ذات العصى». ﴿ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ ﴾، وعدي بـ «إلى»، والنظر إذا عدي بـ «إلى» أفاد نظر الأبصار: نظرت إلى المسجد أي ببصري. ولا يكون هذا فيه معنى الزينة أو الجمال، لأن هذا من النظر المعدى بـ «إلى» لا من النظرة وهي الحسن والجمال. ونحن ذا فدلت هذه الآية على أن الله عز وجل يرى في الآخرة: ﴿ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ ﴾ أي في نعيم الجنة، ﴿ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ ﴾. ويقول ربنا جل وعلا في حال الكفار: ﴿ كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ ﴾. قال الإمام الشافعي وغيره من الأئمة: لما حجب أعداءه لم يكن ليحجب أولياءه، فدل على أنهم يرونه، وأن أعداءه محجوبون عن رؤيته، وإلا لكان المعاقب والمجازى في العقوبة سواء، وهذا ينافي الآية: ﴿ كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ ﴾. هذا في الكفار: ﴿ لَمَحْجُوبُونَ ﴾ عن رؤية ربهم، فدل على أن غيرهم من أهل الإيمان لا يكونون مثل الكفار في العقوبة، كما يقول الأئمة. والأدل على ذلك أيضاً موجودة، كقوله سبحانه: ﴿ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ ﴾. تقدم في حديث جابر تفسير الزيادة بأنها النظر إلى وجه الله تعالى. هذه المسألة الأولى: رؤية الله في الآخرة لأهل الجنة بأبصارهم، بأبصارهم. وفي السنة أحاديث، من أشهرها وأكبرها حديث جرير بن عبد الله البجلي رضي الله عنه، قال: كنا جلوساً عند النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فنظر إلى القمر ليلة أربع عشرة، فقال: «إنكم سترون ربكم عياناً كما ترون هذا القمر، إنكم سترون ربكم عياناً كما ترون هذا القمر، لا تضامون في رؤيته». وفي رواية: «لا تضارون في رؤيته»، فلا أنتم بالذين من كثرة زحامكم يحجب بعضكم بعضاً فيضره عن النظر، ولا أنتم بالذين تحجبون عن النظر لسحاب أو نحوه، بل ترونه عياناً لا تضامون أو تضارون في رؤيته. «فإن استطعتم أن لا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها فافعلوا»، يعني صلاة الفجر وصلاة العصر. حديث جرير، يقول الإمام أحمد: لا يرده إلا جهمي. دل هذا الحديث على تشبيه الرؤية بالرؤية للمرئي بالمرئي: «إنكم سترون ربكم كما ترون هذا» تشبيه للرؤية بالرؤية لا للمرئي بالمرئي، وفرق بين البابين. «إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر» رؤية تشبه برؤية، والقصد تأكيد حقيقة رؤية المؤمنين لربهم يوم القيامة. «إنكم سترون ربكم عياناً كما ترون هذا القمر» تشبيه للرؤية بالرؤية. لا يرد حديث حديث جرير بن عبد الله إلا جهمي، كما يقول الإمام أحمد. هذه المسألة الأولى: أن من إكرام الله عز وجل للمؤمنين يوم القيامة أن يروا ربهم، وأن من عقاب الله على الكافرين يوم القيامة أن يحجبهم عن ربهم. المسألة الثانية: قالا رحمهم الله تعالى: «ويسمعون كيف شاء وكما شاء». هذه هي المسألة الثانية، وهي أنه مع الرؤية لربهم يسمعون كلام الرب جل جلاله، فيخاطبهم ربهم سبحانه وتعالى، وهذا نعيم آخر: يرونه ويخاطبهم أيضاً سبحانه وتعالى خطاباً حقيقاً يليق بجلال الله عز وجل سبحانه وتعالى. في الباب أدلة منها حديث صهيب في صحيح مسلم: إذا دخل أهل الجنة الجنة، يقول الله عز وجل: «تريدون شيئاً أزيدكم؟ أزيدكم؟» فيقولون: «ألم تبيض وجوهنا؟ ألم تدخلنا الجنة وتنجنا من النار؟» قال: فيكشف، يعني ربنا سبحانه وتعالى، فيكشف الحجاب، فلم يؤتوا شيئاً أحب إليهم من نظرهم إلى الله عز وجل، أو كما جاء في الرواية: «فما أعطوا شيئاً أحب إليهم من النظر إلى ربهم عز وجل». ثم تلاها به الآية: ﴿ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ ﴾. للذين أحسنوا الحسنة وهي الجنة، وزيادة. وما هي الزيادة؟ للذين أحسنوا الحسنة، الحسنة هي الجنة، فما هي الزيادة؟ قال أهل العلم، وثبت عن مجاهد، ويدل عليها حديث جابر، ويدل عليها حديث سمرة، حديث صهيب في صحيح مسلم. ثم تلاها هذه الآية، ثم تلاها هذه الآية: ﴿ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ ﴾، فما أعطوا شيئاً أحب إليهم من النظر إلى ربهم. فهذا أعظم النعيم: أن ينظروا إلى ربهم سبحانه وتعالى. لهذا يقول ابن القيم رحمه الله في بيان هذا النعيم العظيم، وأنه أعلى نعيم الجنة: «أعلى النعيم نعيم رؤية وجهه وخطابه». أعلى النعيم نعيم رؤية وجهه وخطابه في جنة الرحمن، النعيم بالرؤية وكذلك بالمخاطبة. يخاطبهم ربهم: «تريدون شيئاً أزيدكم؟» فيقولون لربهم: «ألم تبيض وجوهنا؟ ألم تدخلنا الجنة وتنجنا من النار؟» هذا من خطاب الله عز وجل لهم في الجنة يوم القيامة. يوم القيامة، والكفار من أعظم العذاب أن يحجبوا عن النظر إلى ربهم، وأن لا يخاطبهم ربهم: ﴿ كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ ﴾. يقول ابن القيم: وأشد شيء في العذاب حجابه سبحانه عن ساكن النيران، وأشد شيء في العذاب حجابه سبحانه عن ساكن النيران. في الصحيحين أيضاً حديث أبي سعيد: أن الله عز وجل يقول مرفوعاً عن النبي صلى الله عليه وسلم: أن الله عز وجل يقول لأهل الجنة: «يا أهل الجنة»، هذا من الخطاب أيضاً، اسمعون كلامه. «يا أهل الجنة» فيقولون: «لبيك وسعديك يا ربنا»، فيقول: «هل رضيتم؟» فيقولون: «وما لنا لا نرضى وقد أعطيتنا ما لم تعط أحداً من الخلق أو من خلقك؟» قال: «أرأيتم إن أعطيتكم أفضل من ذلك؟» فيقولون: «وأي شيء أفضل من ذلك؟» فيقول لهم ربهم سبحانه وتعالى: «أحل عليكم رضواني فلا أغضب عليكم أبداً». هذا خطاب بين الرب جل جلاله وبين أهل الجنة، يسمعون كلامه. من هذا ذكرى هذه المسألة إثباتاً لها حقيقة على ما يليق لجلال الله سبحانه، ويسمعون كلامه كيف شاء وكما شاء سبحانه وتعالى. وأيضاً جاء في تفسير قوله تعالى: ﴿ سَلَامٌ قَوْلاً مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ ﴾، أن الله عز وجل يطلع على أهل الجنة فيسلم عليهم سلاماً حقيقاً، وذلك قوله تعالى: ﴿ سَلَامٌ قَوْلاً مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ ﴾. هكذا جاء تفسير الرواية أيضاً في حديث جابر سبحانه وتعالى، وأن الله عز وجل يسلم على أهل الجنة عياناً، يسلم عليهم تسليماً حقيقاً. هذه المسألة أيضاً تضمنت ثلاثة مسائل الحقيقة، عند التأمل نجد أن هذه الأحاديث تضمنت ثلاث مسائل، كفرت المعطلة بها جميعاً. هذه المسألة، وهذه هاتان المسألتان، وأدلتهما عند التأمل فيهما تخرج لنا ثلاث مسائل: المسألة الأولى: إثبات رؤية الله عز وجل في الجنة، وهذه أنكرتها المعتزلة. أنكرها المعتزلي، وقالوا: إنما المراد بالرؤية العلم. ووافقهم متأخر الأشعرية، متأخر الأشعرية للأسف، من أبو المعالي الجويني ومن بعده، يذهبون إلى مذهب المعتزلة، لا إلى ما عليه أبو الحسن الأشعري في طوره الثاني. فالمعتزلة أنكروا الرؤية، وقالوا: المراد بالرؤية العلم. لكن ألفاظ الروايات ترد ذلك، وألفاظ الأحاديث ترد ذلك. المسألة الأولى: الرؤية. المسألة الثانية: التكليم، وأن الله يكلم عباده من أهل الجنة كلاما يسمعونه بلا واسطة سبحانه وتعالى. المسألة الثانية: أن الله يكلم عباده سبحانه وتعالى، ويقول لهم: «تريدون شيئاً أزيدكم؟ هل رضيتم؟» إلى غير ذلك مما ثبت في صحيح مسلم وغيره من الكتب الصحاء التي نقطع بصحتها إلى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. المسألة الثالثة: العلو، المسألة الثالثة: العلو، علو الذات. هذه الثلاثة المسائل تضمنتها هذه الأحاديث. كحديث جرير: «إنكم سترون ربكم عياناً كما ترون هذا القمر»، فيه إثبات العلو ضمناً، فيه إثبات العلو ضمنا. هذه ثلاث مسائل أنكرها المعطلة: علو الذات، ورؤية الله في الجنة، وخطابه لأهل الإيمان في الجنة. هذه ثلاث مسائل أنكرها المعطلة، وأثبتها السلف رضي الله عنهم وأرضاهم. وأكثر أحاديث الرؤية تتضمن التكليم. من تتبع أحاديث رؤية الله عز وجل وجمعها الدارقطني في جزء نافع سماه «الرؤية» أو «أحاديث الرؤية»، من نظر في تلك الأحاديث يرى اقتران الرؤية بالتكليم: يرونه فيقول لهم، يرونه فيخاطبهم، تقترن الرؤية بالتكليم. وهذا من عظيم فضل الله عز وجل. كما قال بعض أهل العلم: إن من يمكر هذه الأبواب وينازع فيها يخشى أن يعاقب بعقاب من يجحد الله عز وجل، فيقال فيه وفي أمثاله: ﴿ كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ ﴾. نسأل الله العافية. والسلام. الله جل وعلا يقول: ﴿ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ ﴾، وهذه أدلة قاطعة لمن فهم وتبصر. قال رحمهم الله: وأنه تبارك وتعالى يرى في الآخرة، يراه أهل الجنة بأبصارهم، حتى لا يقول قائل: الرؤية رؤية علم. الرؤية رؤية بصر، رداً على المعتزلة. يراه أهل الجنة بأبصارهم، بأبصارهم، ويسمعون كلامه كيف شاء سبحانه وكما شاء سبحانه. والله عز وجل خاطب موسى عليه السلام في الدنيا: ﴿ إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي ﴾. خاطب الله موسى عليه السلام وأكرمه بخطابه، ولهذا يقال في موسى إنه الكليم. فلماذا يقال لموسى الكليم عندك يا أخانا؟ بله، لماذا يقال لموسى الكليم؟ ليش؟ لأن الله كلمه وخاطبه سبحانه، فصارت ميزة لكليم الله موسى عليه السلام أن كلمه ربه. ولما جاء موسى لميقاتنا، إيش تتمت الآية؟ إيش تتمت الآية؟ ﴿ وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ ﴾. وقال عز وجل: ﴿ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى ﴾، إيش إيش تتمتها؟ تكليم. يقول علماء البلاغة إجماعاً: إن التأكيد ينفي المجاز. التأكيد ينفي المجاز. يعني لو جاء مجادل يقول: لا، إنما... جرحه بعض أهل الأهواء، نسأل الله العافية، يقولون: إنما جرحه بأضافر الحكمة. هذا من التعطيل، نسأل الله العافية. هذا من تحريف الكلم عن مواضعه. فقوله: «تكليم»، مصدر مؤكد، مصدر مؤكد للفعل السابق: «كلمه». «وكلم الله موسى»، موسى مفعول به، «تكليم». هذا يدل على الحقيقة وينفي المجاز. لماذا يدل على الحقيقة وينفي المجاز؟ لماذا يدل على الحقيقة وينفي المجاز؟ لأن علماء البلاغة يقولون: إن التأكيد ينفي المجاز. يعني قد يشتبه على بعض أهل الجهل، منهم فيقول: ليس المراد الكلام الحقيقي. قلنا: قد قال «تكليماً»، هذا المصدر ينفي المجاز، ينفي ويحيل إرادة المجاز على قواعد علم البيان، وهو أحد علوم البلاغة الثلاثة، وهو من العلوم المشهورة. شاهد هذا في الدنيا، وفي الآخرة من نعيم الله عز وجل لأهل الإيمان أن يخاطبهم ربهم، وأن يكشف الحجاب فيرونه سبحانه وتعالى. أعلى النعيم نعيم رؤية وجهه وخطابه في جنة الرحمن، كما يقول ابن القيم رحمه الله تعالى. فهذه العقيدة كما تقدم في هذا الكتاب، هو ما عليه أهل العلم إجماعاً في سائر الأمصار والبلدان في ذلك الزمن، وفي تلك الحقبة، وهي الحقبة التي هي قريبة من حقبة السلف والأئمة والصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم. فإذا كان لكم شيء... إلا ووقفنا عند هذا، ونكمل غداً إن شاء الله المسألة التي تليه. هذا، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. ترجمة نانسي قنقر