شرح العقيدة الواسطية 42

الدرس في شرح العقيدة الواسطية 42، ألقاها

مقدمة في شرح معنى تبارك وتعالى

يبدأ الدرس بشرح معنى تبارك وتعالى واختصاصه بالله عز وجل، ويبين أن البركة تعني دوام الخير وكثرته. كما يشير إلى أن تجدد الكمالات الإلهية لا يعتبر نقصا قبل اقتضاء الحكمة لها.

الرد على شبهة الأشاعرة حول الصفات الفعلية لله

يتناول الدرس شرحا لكلام الشيخ الهراس حول شبهة الأشاعرة في نفي الصفات الفعلية لله عز وجل، ويبين جواب أهل السنة والجماعة بأن تجدد الكمالات الاختيارية لا يلزم منه سبق النقص. كما يبين أن وضع الأشياء في أزمانها المناسبة يدل على الكمال.

تتمة الكلام حول التبارك والفرقان في القرآن الكريم

يشرح الدرس معنى التبارك كصفة ذاتية لله تعالى، ومعنى الفرقان وسبب تسمية القرآن بهذا الاسم. كما يبين أن الرسول محمد صلى الله عليه وسلم مرسل للإنس والجن، وأن الرسل من بني آدم وليس من الجن.

خاتمة وتسبيح واستغفار

يختتم الدرس بالإشارة إلى ضعف أثر الضحاك في مسألة ما، مما يدل على عدم وجود خلاف فيها. ثم يختم بالتسبيح والاستغفار.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، فأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. ثم أما بعد، قال رحمه الله تعالى: وأما قوله تبارك الذي، أي في قول الله جل وعلا: ﴿وقوله تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا الذي له ملك السماوات والأرض ولم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في الملك وخلق كل شيء فقدره تقديرا﴾. قوله: ﴿ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من إله إذا لذهب كل إله بما خلق ولعلا بعضهم على بعض سبحان الله عما يصفون عالم الغيب والشهادة فتعالى عما يشركون﴾. وقوله: ﴿فلا تضربوا لله الأمثال إن الله يعلم وأنتم لا تعلمون﴾. قل: ﴿إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون﴾. قال الشيخ الهراس رحمه الله: وأما قوله تعالى: ﴿تبارك الذي﴾ إلى آخر الآيات، قال: فقد قلنا إن معنى تبارك من البركة، وهي دوام الخير وكثرته. وهي دوام الخير وكثرته، ولكن لا يلزم من تلك الزيادة سبق النقص. قوله رحمه الله تعالى: إن معنى تبارك من البركة، وما هي البركة؟ قال: وهي دوام الخير وكثرته. والبركة كما ذكر العلماء رحمهم الله تعالى، ومنهم العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى، قال: وحقيقة اللفظة أن البركة كثرة الخير ودوامه، ولا أحد أحق بذلك وصفا وفعلا منه تبارك وتعالى. قال: وتفسير السلف يدور على هذين المعنيين، وهما متلازمان، لكن الأليق باللفظة معنى الوصف للفعل، فإنه فعل لازم مثل تعالى وتقدس وتعاضم. فالعلامة ابن القيم رحمه الله تعالى ما يشير بل ويصرح أن لفظ تبارك مختص بالله عز وجل، وأنه من الأوصاف اللازمة المختصة بالله عز وجل. فلا يجوز وصف غير الله عز وجل بهذا الوصف، كما يقع على ألسنة بعض العوام بقولهم: تبارك الطعام، أو تبارك الشراب، أو ما شابه ذلك. لماذا؟ لأن هذا الوصف لم يستخدم إلا في حق الله جل وعلا، أولا، وثانيا لأن معناه كثرة الخير ودوامه، وهذا لا يتأتى في حق شيء إلا في حق الله رب العالمين سبحانه وتعالى. إذا علم هذا، انتقل إلى الأمر الآخر الذي أشار إليه العلامة الهراس رحمه الله في قوله: إن معنى تبارك من البركة، وهي دوام الخير وكثرته، يدل على الاستمرار وعلى التجدد. وكذلك معنى الكثرة، يدل على هذا المعنى. لذا قال العلامة الهراس رحمه الله تعالى مستدركا على هذا الكلام: ولكن لا يلزم من تلك الزيادة سبق النقص. لماذا؟ قال: فإن المراد تجدد الكمالات الاختيارية التابعة لمشيئته وقدرته. قال: فإنها تتجدد في ذاته على وفق حكمته، أي على مقتضى حكمته، متى شاء بحسب حكمته سبحانه وتعالى أن يكون الشيء فيكون. فالخلو عنها قبل اقتضاء الحكمة لها لا يعتبر نقصا. لأن الله عز وجل يعلم ما يكون وما سيكون، وكل شيء كان، فهو بقدرة الله عز وجل وبمشيئته سبحانه وتعالى. ومشيئة الله عز وجل وقدرته إنما هي صادرة عن حكمة بالغة وعن علم تام. فمن حكمة الله عز وجل أنه متى شاء شيئا كان، ومتى لم يشاء ذلك الشيء لم يكن. فكون الشيء موجودا بمقتضى الحكمة يكون في هذه الحالة كمالا، وقبل ذلك الأمر لا يكون كمالا. الله عز وجل بمقتضى حكمته يجعل الأشياء، فمثلا من حكمته أن خلق الأبناء من الآباء. فمتى شاء أن يخلق الأبناء خلق قبلهم الآباء. وفي كلام الهراس هذا إشارة إلى شبهة الأشاعرة في هذا الباب. وكما تقدم أن الشيخ الهراس رحمه الله تعالى يشير إشارات لطيفة إلى مخالفات الأشاعرة ونحوهم من المبتدعة في مسائل من مسائل العقائد. فالأشاعرة يمنعون إثبات الصفات الفعلية لله عز وجل. لماذا؟ لأنهم يقولون: هذه الأفعال التي يفعلها الله عز وجل إما أن تكون كمالا وإما أن تكون نقصا. إن كانت نقصا فهي غير ثابتة لله عز وجل. وإما أن تكون كمالا، وأنتم يا أهل السنة والجماعة تقولون بأنها كمال. فوجود هذه الكمالات في هذا الزمن يدل على أن الله عز وجل اكتمل بها، وأنه قبل وجودها لم يكن كاملا، وإنما اكتمل بها. قالوا: وهذا ممتنع في حق الله عز وجل. ما هو الممتنع في حق الله عز وجل؟ أن يكون ناقصا ثم اكتمل بعد فعل ذلك الفعل. فقالوا: إذن ننزه الله عز وجل، فلا نثبت لله عز وجل هذه الصفات الفعلية. ما هو جواب أهل السنة والجماعة؟ هذا جواب أهل السنة والجماعة، هذا ما ذكره الشيخ الهراس ها هنا بقوله: ولكن لا يلزم من تلك الزيادة سبق النقص. لماذا؟ قال: فإن المراد تجدد الكمالات الاختيارية التابعة لمشيئته وقدرته. قال: فإنها تتجدد في ذاته على وفق حكمة الله عز وجل. قال: فالخلو عنها قبل اقتضاء الحكمة لها لا يعتبر نقصا. متى يكون نقصا؟ إذا كان يتخلف عن الحكمة. أما وضع الأشياء في أماكنها وفي أزمانها المناسبة لا يعد نقصا، بل هو عين الكمال. فوضع الأشياء في أماكنها وأزمانها الذي هي بمقتضى الحكمة تدل على الكمال، ولا تدل على النقص لا من قريب ولا من بعيد. فهذه إشارة لطيفة إلى هذه المسألة الكبيرة بأوجز عبارة. وكما أشرنا مرارا أن الكتاب من الكتب الذي اعتنى فيها بالرد على شبه المتكلمين بإشارات لطيفة من الشيخ عليه رحمة الله. قال العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى في بدائع الفوائد في المجلد الثاني صفحة 86 و100: وحقيقة اللفظة أي لفظة البركة أو التبارك، قال: وحقيقة اللفظة أن البركة كثرة الخير ودوامه، ولا أحد أحق بذلك وصفا وفعلا منه تبارك وتعالى. قال: وتفسير السلف يدور على هذين المعنيين، على كثرة الخير ودوامه. قال: وهما متلازمان، لكن الأليق باللفظ معنى الوصف لا الفعل. قال: فإنه فعل لازم مثل تعالى وتقدس وتعاضم. قال: إن تبارك ليس من الأفعال، بل هو أقرب ما يكون إلى المصادر، فهو صفة. وليس بفعل. قال: تقدس وتعاظم وما شابه ذلك، فهذا من هذا الباب. والحاصل في كلامه رحمه الله تعالى أن صفة التبارك من الصفات الذاتية. أن تبارك من الصفات الذاتية. والدليل إن الله تعالى يسند التبارك إلى اسمه. فالمعنى تعالى أسماؤه وتعظمت صفاته وتقدست. قال رحمه الله تعالى: وقد فسر بعضهم التبارك بالثبات وعدم التغير. تبارك بمعنى ثبت. قال: ومنه سميت البركة، لثبوت مائها. قال: وهو بعيد. الذي قال هذا القول قاله الجوهرى صاحب الصحاح. قال: المراد بالفرقان أي في قوله سبحانه: ﴿تبارك الذي نزل الفرقان﴾. قاله: المراد بالفرقان القرآن. سمي بذلك لقوة تفريقته بين الحق والباطل والهدى والضلال. والتعبير بنزل بالتجديد لإفادة التدرج في النزول. نزل أي أنه نزله شيئا فشيئا. كما قال الله عز وجل: ﴿ولا يأتونك بمثل إلا جئناك بالحق وأحسن تفسيرا﴾ بعد أن قال الله عز وجل على الكثيرين أنهم قالوا: ﴿لولا نزل هذا القرآن جملة واحدة﴾. فقال الله عز وجل: ﴿كذلك لنثبت به فؤادك ورتلناه ترتيلا﴾. قال رحمه الله تعالى: وأنه لم ينزل جملة واحدة. والمراد بعبده محمد صلى الله عليه وسلم. والتعبير عنه بلقب العبودية للتشريف. كما سبق. ولذلك كما مر معنا أن الله عز وجل ذكره بهذا الوصف في مقامات هي من أشرف المقامات. في مقام الدعوة إليه كما قال الله عز وجل: ﴿وأنه لما قام عبد الله يدعوه﴾. وفي مقام التحدي كما قال الله عز وجل: ﴿وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله﴾. وفي مقام الإسراء كما قال سبحانه: ﴿سبحان الذي أسرى بعبده ليلا﴾. قال رحمه الله تعالى: والعالمين جمع عالم، وهو جمع لما يعقل. واختلف في المراد به. فقيل: الإنس. وقيل: الإنس والجن، وهو الصحيح. وهذا هو الصحيح في أن العالم هم الإنس والجن. أنهم الإنس والجن. قال رحمه الله تعالى: فقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم مرسل إلى الجن أيضا، وأنه يجتمع بهم ويقرأ عليهم القرآن. وأن منهم نفرا أسلم حين سمع القرآن وذهب ينذر قومه به. كما قال تعالى: ﴿وإذ صرفنا إليك نفرا من الجن يستمعون القرآن فلما حضروه قالوا أنصتوا فلما قضي ولوا إلى قومهم منذرين﴾. والنذير والمنذر هو من يعلم بالشيء مع التخويف. وضده البشير أو المبشر، وهو من يخبرك بما يسرك. والحاصل من هذا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد بعث للثقلين، بعث للجن والإنس. وقد ذكر العلماء رحمهم الله تعالى أن هذه المسألة، أي مسألة هل من الجن رسل أم لا؟ ذكر العلماء رحمهم الله تعالى أن هذه المسألة ما خالف فيها إلا الضحاك. فقال: إن من الجن رسلا. وأما عامة أهل العلم من السلف والخلف، فإنهم يقولون: إن الرسل من بني آدم، أي من الإنس. وأما الجن، فإن منهم منذرين. كما دلت الأدلة على ذلك. والضحاك رحمه الله تعالى قال: إن من الرسل إن من الجن رسلا، كما أن من الإنس رسلا. والأثر عن الضحاك لا يثبت. وإذا كان أمر كذلك، فلا خلاف في المسألة. إذن لا خلاف في المسألة في أن الرسل إنما هم من بني آدم، من الإنس لا من الجن. وهذا كما سمعتم بضعف أثر الضحاك إليهم يدل على أن المسألة ليس فيها خلاف. ولله الحمد. سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.

شاركنا على