الدرس في شرح العقيدة الواسطية 58، ألقاها
استعرض الشرح آراء المعتزلة في نفي رؤية الله عز وجل واستدلالاتهم، بينما أثبت أهل السنة والجماعة الرؤية بالكتاب والسنة والإجماع. يُشدد على أهمية التسليم لأخبار الله ورسوله.
يناقش الرد على شبهة استحالة رؤية الله تعالى بسبب الجهة، ويبين أن الله تعالى في العلو المطلق. يُفصل معنى الجهة ويرد على استدلال البعض بقوله تعالى: ﴿لا تدركه الأبصار﴾.
استعرض آراء المعتزلة والأشاعرة في مسألة رؤية الله عز وجل، حيث نفى المعتزلة الرؤية بينما أثبتها الأشاعرة مع نفيهم الجهة. يرى الشارح أن الأشاعرة وافقوا المعتزلة في المعنى رغم اتفاقهم مع أهل السنة لفظًا.
ذكر قاعدة أن النظر إذا عدي بإلى فإنه يكون للرؤية الحقيقية بعين الرأس، وهذه القاعدة من القواعد الهامة في باب النظر.
قال الشرح رحمه الله تعالى: وقد نفاها المعتزلة بناء على نفيهم الجهة عن الله، لأن المرء يجب أن يكون في جهة من الرأي. وما دامت الجهة مستحيلة في حق الله عز وجل، ويشترط في الرؤية، فالرؤية كذلك مستحيلة. واحتجوا من النقل بقوله تعالى: ﴿لا تدركه الأبصار﴾، وقوله لموسى عليه السلام حين سأله الرؤية: ﴿لن تراني ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني﴾. ثم ذكر الشرح رحمه الله تعالى بعد أن ذكر مذهب أهل السنة والجماعة في هذا الباب، وأنهم يثبتون رؤية المؤمنين لربهم جل وعلا رؤية حقيقية، كما دلت على ذلك النصوص من كتاب الله عز وجل، ومن سنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وكما أجمع على ذلك الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم، وتابعوهم بإحسان. فمسألة رؤية المؤمنين لربهم عز وجل ثابتة بالكتاب والسنة والإجماع. والكتاب كما في هذه الآيات المذكورة بين أيدينا. ومن السنة قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إنكم سترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر، ليس بينكم وبينه حجاب». وجاء في الحديث: «لا تضامون في رؤيته»، كما في صحيحي البخاري ومسلم من حديث جرير بن عبد الله البجلي رضي الله عنه وأرضاه. وأما الإجماع، فقد نقل غير واحد الإجماع على هذه المسألة، على أن المؤمنين يرون ربهم جل وعلا يوم القيامة، وأنهم يرونه في موطنين: في العرصة، وكذلك يرونه سبحانه وتعالى في الجنة. قال رحمه الله تعالى: وقد نفاها المعتزلة بناء على نفيهم الجهة. الشيخ رحمه الله تعالى، كما ترون، بعد أن يذكر مذهب أهل السنة والجماعة ويقرره، ينبه إلى مذاهب المخالفين لأهل السنة والجماعة في هذا الباب. وكما قيل: الضد به يعرف الضد، أو بالضد تعرف الأشياء وتتجلى. فقوله: وقد نفاها المعتزلة، أي أن المعتزلة نفوا رؤية الله عز وجل، وقالوا: إن الله عز وجل لا يرى. لماذا؟ قالوا: عندنا لذلك دليلان: دليل عقلي، ودليل نقلي. فأما الدليل العقلي، وهو الأصل عندهم، قالوا: كما قال رحمه الله تعالى، بناء على نفي الجهة عن الله. وذلك لأن المرء - أي الشيء الذي يرى - يجب أن يكون في جهة من الرأي. الآن إذا نظرنا في حال المخلوقات، يقولون: الإنسان إذا أراد أن يرى شيئًا، لابد أن يكون هذا الشيء في جهة ما، إما أن يكون أمامه أو خلفه أو عن يمينه أو عن شماله أو من فوقه أو من تحته، لابد أن يكون في جهة ما. لذا قالوا: لأن المرء يجب أن يكون في جهة من الرأي. والجهات كما يذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، باعتبار الإنسان أو باعتبار المخلوق، ست جهات: إما فوق، وإما تحت، وإما عن يمين، وإما عن شمال، وإما أمام، وإما خلف. وأما باعتبار الجهات من حيث هي، فما هي إلا جهتان: علو وسفل. فهؤلاء المعتزلة يقولون: إن الله عز وجل لا يرى. لماذا؟ قالوا: لأن المرء يجب أن يكون في جهة من الرأي. قالوا: وما دامت الجهة مستحيلة في حق الله عز وجل - لماذا مستحيلة؟ قالوا: لأننا لو قلنا إن الله عز وجل في جهة، لازم أن تكون هذه الجهة محيطة بالله عز وجل، وهذا ممتنع ومستحيل أن يكون شيء من خلق الله عز وجل محيطًا بالله جل وعلا - قالوا: فالرؤية كذلك مستحيلة. لماذا مستحيلة؟ لأنها بنيت على مستحيل. قالوا: والشيء لا يرى إلا من جهة. إذن ما هي النتيجة؟ إذن لا يرى ربنا جل وعلا. واضح هذا. جماعة تسلسلوا في أمور وضعوها من عقولهم، فكان نتيجة ذلك أن قالوا ما قالوا من الباطل. وهذا يدلنا ويبين لنا حقيقة يجب أن يعلمها الإنسان، وهي أن الإنسان أو المسلم لا بد أن يكون مسلمًا كما أمره الله عز وجل أن يكون. ومن إسلام العبد أن يسلم لإخبارات الله عز وجل ورسوله صلى الله عليه وسلم، ويعتقد فيها الحق، ويعتقد أنها مصونة من كل باطل وشائبة. ويعلم أن شيئًا لو حصل له أو لبس لو حصل لهذا الناظر أو لهذا الرائي لبعض أدلة الكتاب والسنة، فليعلم أن ذلك إنما هو من قبيل نفسه، وسوء فهمه، ليس من قبيل الكتاب ولا من قبيل السنة، ولكن من قبيل نفسه وسوء فهمه. فليسأل ربه عز وجل أن يفتح عليه من فضله، وأن يبين له الحق من ذلك النص. إذن لا بد للمسلم أن يصون النص من أي باطل، وأن يعتقد أن ما أخبر به ربنا جل وعلا حق على حقيقته، مع استصحاب الأصل أن الأصل في الظاهر بقاءه على الظاهر. ولا يخرج عن هذا الأصل إلا ببرهان. ثم إن حصل معارض لهذه النصوص في عقل ذلك الناظر، فليتهم عقله. إن استبعد وعجز عقله عن الجمع بين الأخبار التي أخبر بها ربنا جل وعلا أو رسوله صلى الله عليه وسلم وبين عقرة، ماذا يصنع؟ عليه أن يسلم لأمر الله عز وجل وخبره، ولأمر رسوله صلى الله عليه وسلم وخبره. لماذا؟ لأنها من الله. أما العقل وتفكر العقل وقبول العقل أو امتناع العقل، هذا من قبيل هذا المخلوق. واضح. جماعة. فكر العقل عائد إليه. أما النص من الله. النص من الله، وما كان من الله فهو مصون سيانة تامة عن الباطل. بخلاف العقل الذي هو من نفسه، قد يتصور الباطل، ويتصور مستحيلًا، ويعتقد الحق باطلًا، ويعتقد الباطل حقًا. إذا علم هذا، علم أن ما يضعه من يضعه من المقدمات التي يتوصل بها بعد ذلك إلى نتائج، فلينظر إلى تلك النتائج. إن كانت تلك النتائج خرجت بأنها نتائج باطلة ترد النصوص، فليعلم أن المقدمات التي وضعها، مقدمات باطلة. واضح. جماعة. لأن نتيجتها باطلة. لماذا باطلة؟ لأنها مصادمة للحق. مصادمة لماذا؟ الحق من كتاب الله عز وجل، ومن سنة رسوله صلى الله عليه وسلم. وما كان مصادمًا للحق فهو دليل على أنه باطل. واضح. جماعة. الآن نرجع إلى المقدمات. إلى المقدمات. طولهم في المقدمة الأولى: لأن المرء يجب أن يكون في جهة من الرأي. واضح. ونحن نقول كذلك. أن المرء لا بد أن يكون في جهة من الرأي، كما ذكرنا. إما أن يكون من أمام أو من خلفه أو عن يمينه أو عن شماله أو من فوق أو من تحت. واضح. نحن نقول كذلك، ونقول في هذا أيضًا إثباتًا لما يدل على أن الله عز وجل في العلو، وأن الله عز وجل يرى، أن يرى من جهة العلو. فالله جل وعلا يرى من جهة العلو. ونحن نقول بذلك ونقر ذلك. لكن قولهم: وما دامت الجهة مستحيلة، نقول: الجهة مستحيلة، هذه المقدمة إطلاقها باطل. إطلاقها باطل. لماذا؟ لأن لفظ الجهة من الألفاظ المجملة. لفظ الجهة من الألفاظ المجملة. والألفاظ المجملة عند أهل السنة والجماعة لا يثبتونها على الله عز وجل مطلقًا، ولا ينفونها مطلقًا. لماذا؟ لأن الألفاظ المجملة تحتمل حقًا وباطلًا. فإثباتها مطلقًا فيه إثبات للحق والباطل. ونفيها مطلقًا فيه نفي للحق والباطل. إذن كلا الإطلاقين غير صحيح. إذن ما هو الحل؟ قاعدة أهل السنة والجماعة في الألفاظ المجملة، أنهم يتوقفون في ذلك اللفظ، والتوقف ليس معناه النفي المطلق، ولا معناه الإثبات المطلق. يتوقفون في ذلك اللفظ وينظرون في معناه، ويستفصلون في معناه، فيثبتون المعنى الحق وينفون المعنى الباطل. إذن لفظ الجهة نطبق هذه القاعدة على لفظ الجهة. لفظ الجهة من ألفاظ المجملة. هل نثبته لله عز وجل مطلقًا؟ الجواب: لا. هل ننفيه لله عز وجل مطلقًا؟ الجواب: لا. ماذا نصنع؟ نتوقف في هذا اللفظ ونستفصل. نقول: ماذا أردت بذلك؟ فإن قال: أردت بالجهة الجهة المخلوقة المعلومة، التي هي داخل في هذا العالم، يقال له: هذا النفي حق. ونحن نقول: بأن الله عز وجل ليس بجهة على هذا المعنى. واضح. وإن أردت بالجهة الجهة العدمية التي هي خلاء عدم، وأردت به نفي أن يكون الله عز وجل في العلو المطلق الذي ليس فوقه شيء، فهذا باطل. لماذا؟ لدلالة الكتاب والسنة والإجماع والعقل والفطرة على أن الله عز وجل في العلو. ثبوت أن الله عز وجل في جهة العلو المطلق الذي ليس فوقه شيء، وليس جهة العلو المخلوق، وإنما هو علو مطلق، فهذا حق. وقد دل عليه الكتاب والسنة والإجماع والعقل والفطرة، كما تقدم معنا في صفة العلو. وإذا كان كذلك، رجعنا إلى المسألة: وهي أن المرء يجب أن يكون في جهة من الرأي. نعم. وما دامت الجهة مستحيلة - ما هي الجهة المستحيلة؟ المخلوقة. وأما الجهة غير المخلوقة فلا. وإذا كان كذلك، فلا مانع من رؤية الله عز وجل، وهو في العلو المطلق سبحانه وتعالى. وكما دلت على ذلك الأدلة الكثيرة في ذلك، كما جاء في الحديث: أن الله عز وجل يأتيهم يوم القيامة، جمع الصفين من حديث أبي سعيد، وحيث أبي هريرة. قال: حينما يقول الله عز وجل: من كان يعبد شيئًا فيتبعه، فيهو إلى النار. من أهل الإشراك بالله عز وجل، حتى إذا بقي المؤمنون ومنافقو هذه الأمة، والغبرات من أهل الكتاب، قال: يأتيهم ربهم، فيقول: ألا ربكم؟ فيقولون: أزدنا بربنا. قال: بما تعرفون ربكم عز وجل؟ قالوا: نعرفه بالساق. قال: فذلك يوم يكشف عن ساق، فيدعون إلى السجود، فلا يستطيعون أن يدعوا. هؤلاء المنافقون إلى السجود، فلا يستطيعون السجود. فالحاصل أن هذه الأخبار فيها دلالة واضحة على أن المؤمنين في العرصة يرون ربهم. وكذلك جاء في الحديث أنه يأتيهم بصورة غير الصورة التي رأوها من قبل. يأتيهم بصورة غير الصورة التي رأوها. واضح. وكذلك جاء في حديث المشهور بحديث المزيد، في أن أهل الجنة يوم القيامة في الجنة، في كل يوم جمعة يرون ربهم جل وعلا. ويسمى ذلك اليوم يوم المزيد. إذ أنهم يتزودون أحسن الجمال وأحسن الخيرات، ويرون من الخيرات ما يرون، حتى أنهم يتمنون الجمعة، ما أن تذهب الجمعة حتى يتمنون أن تعود الجمعة مرة أخرى ليروا ربهم جل وعلا. كما جاء في حديث أنس بن مالك، وهو حسن لذاته من بعض طرقه، وحسن لغيره. وكذلك جاء في حديث أبي هريرة، وهو كذلك حسن لغيره. وفيها دلالة واضحة على هذا المعنى، على أن الله عز وجل يرى، وأن المؤمنين يرون ربهم. من أين؟ من فوقهم. واضح. إذن المقدمة الثانية منقوضة، والنتيجة كذلك باطلة. وقولهم: واحتجوا من النقل بقوله تعالى: ﴿لا تدركه الأبصار﴾، هذه الآية كما سمعتم، استدل بها أهل السنة والجماعة على إثبات الرؤية، واستدل بها المعتزلة على نفيها. المعتزلة استدلوا على نفيها، قالوا: قال الله عز وجل: ﴿لا تدرك الأبصار﴾، إذن فيه نفي الرؤية عن الله عز وجل. واضح. يا جماعة. وجه ذلك أنهم قالوا: إن الله عز وجل قال: ﴿لا تدرك الأبصار﴾، قالوا: إن الله عز وجل لا يرى. وفي الآية الثانية قالوا: ﴿لن تراني﴾، قالوا: إن الله عز وجل أخبر بأنه لا يرى. وسعوا لهذا مزيدًا في كلام الشارح رحمه الله تعالى. قال رحمه الله تعالى: وأما الأشاعرة، فهم مع نفيهم الجهة كالمعتزلة، يثبتون الرؤية. ولذلك حاروا في تفسير تلك الرؤية. فمنهم من قال: يرونهم من جميع الجهات. ومنهم من جعلها رؤية بالبصيرة لا بالبصر. وقال: المقصود زيادة الانكشاف والتجلي، حتى كأنها رؤية عين، ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافًا كثيرًا. الأشاعرة رأوا الأدلة في الرؤية، وسلموا لها ما استطاعوا أن يدفعوها. لما جاءوا إلى القاعدة التي ذكرها المعتزلة: أن المرء يجب أن يكون في جهة من الرأي، وجهة مستحيلة في حق الله عز وجل، إذن لا نثبت الرؤية. قالوا: لا، يرى. لا من جهة. قولهم: لا من جهة، رد على المعتزلة. هم وافقوا المعتزلة في جهة العقل، وخالفوهم في جهة النقل. من جهة العقل، سلموا المعتزلة. لماذا؟ لأن حقيقة عقل الأشعري إنما هو مأخوذ من عقل المعتزلي. وحقيقة عقل المعتزلي مأخوذ من عقل الفلاسفة. واضح. تدرج المعتزلة أخذوا عن فلاسفة، ولكن خففوا من شر الفلاسفة شيئًا ما. ثم الأشاعرة أخذوا من عقل المعتزلة، ولكن خففوا من عقل المعتزلة شيئًا ما. ولكنهم ما زالوا على ما هم عليه من الكلام. تعلمون أن أبا الحسن الأشعري مكث أربعين سنة على الاعتزال. إذن هو من نعومة أظافر يتربى على تقعيدات وعلى تأصيلات وعلى نظريات وعلى مقدمات من المعتزلة. ومن كان على ذلك شاب عليه، ولكنه لما تحرر من هذا المذهب، تحرر منه جزئيًا، ولم يتحرر منه كليًا. لذا بقيت فيه لوثة الاعتزال. لذا سلم في مثل هذه المسألة بهذا القول، من أن الله عز وجل يرى، ولكن من غير جهة. لذا قال الشارح رحمه الله تعالى: وأما الأشاعرة، فهم مع نفيهم الجهة - لماذا ينفون الجهة؟ لأن الأشاعرة لا يقولون بأن الله في العلو. الأشاعرة لا يثبتون أن الله عز وجل في العلو، بل يقولون: إن الله عز وجل في كل مكان. منهم من يقول: في كل مكان. ومنهم من يقول: لا داخل العالم ولا خارج العالم، ولا فوق ولا تحت، إلى غير ذلك من عبارات التي هي فلسفية باطلة. ومنهم من يقول: كان الله ولم يكن شيء معه، وهو اليوم على ما كان قبل. وهذه الفلسفة التي يريدون بها نفي علو الله عز وجل. إذن تقرر عندهم بأن الله عز وجل ليس في العلو. أين الله؟ لا يدرون. أين ربهم جل وعلا؟ بل السؤال بأين لا يقوز عندهم. هل تثبتون الرؤية؟ قالوا: نعم، نثبت الرؤية. والرؤية لا بد أن تكون من جهة. قالوا: إذن نقول: إن الله عز وجل يرى، لا من جهة. وهل هناك شيء يرى من غير جهة؟ المرء لا. هل له حقيقة هذا القول؟ الجواب: لا. إذن حقيقة قول الأشاعرة هو مؤول إلى قول المعتزلة. فهم وافقوا أهل السنة والجماعة لفظًا، ووافقوا المعتزلة معنى. الأشاعرة في باب رؤية الله عز وجل وافقوا أهل السنة والجماعة لفظًا في إثبات الرؤية لله عز وجل: أن الله يرى. وحقيقة ومعنى وافقوا المعتزلة. إذ أن الشيء لا يرى إلا من جهة. لذلك المرء إذا لم يكن يرى من جهة، فحقيقة أنه لا يرى. فحقيقة قول الأشاعرة أنه لا يرى. لذا كان عقل المعتزلة في هذه المسألة أحسن حالًا من عقل الأشاعرة، لأنه اضطرد. أما الأشاعرة فاضطرب. قال: فمنهم من قال: يرونهم من جميع الجهات، بناء على معتقداتهم في علو الله عز وجل: أن الله في كل مكان، ومن جميع الجهات: فوق وتحت وعن يمين وعن شمال، وما شابه ذلك. قال: ومنهم من جعلها رؤية بالبصيرة لا بالبصر، بالبصيرة أي رؤية قلبية علمية، وليست رؤية بصرية حقيقية. وهل هذا يوافق قول أهل السنة والجماعة أو يوافق قول المعتزلة؟ رؤية قلبية يوافق قول المعتزلة. وقال: المقصود زيادة الانكشاف والتجلي، حتى كأنه رؤية عين. هذا قول من؟ يوافق قول أهل السنة أو يوافق قول المعتزلة؟ يقولون: الرؤية إنما هو ازدياد في التجلي والانكشاف في قلب المؤمن، كأنه يرى الله عز وجل، ولكنه لا يراه حقيقة. إذا هم وافقوا المعتزلة في هذه المسألة. فهذا هو حقيقة هؤلاء الأشاعرة في هذه المسألة. وهذه الآيات التي أوردها المؤلف حجة على المعتزلة في نفيهم الرؤية. فإن الآية الأولى عدي فيها النظر بإلى، فيكون بمعنى الإبصار. يقال: نظرت إليه وأبصرته، بمعنى. ومتعلق النظر هو الرب جل شأنه. يعني يشير إلى أن لفظ النظر إذا عدي بإلى عند أهل اللغة، فإنه لا يكون إلا لمعنى النظر حقيقة عند أهل اللغة بإجماعهم. النظر إذا عدي بإلى، وقال: نظرت إلى فلان، لا يكون بمعنى الانتظار، ولا يكون بمعنى التفكر والتدبر، ولا يكون إلا بمعنى واحد، وهو النظر بعين الرأس حقيقة. وهذه قاعدة من القواعد التي ذكرها العلماء في هذا الباب: أن النظر لفظ النظر إذا عدي بإلى، فإنه لا يكون إلا للرؤية الحقيقية التي هي بعين الرأس. واضح.