شرح العقيدة الواسطية 74

الدرس في شرح العقيدة الواسطية 74، ألقاها

الإيمان بكلام الله وكتبه

الإيمان بالقرآن كلام الله يدخل في الإيمان بالله، والإيمان بكتب الله يكون إجمالا وتفصيلا. الإجمالي بأن يؤمن الإنسان بأن الله أنزل كتبا على رسله.

الرد على المعتزلة والأشاعرة في مسألة كلام الله

يناقش المقطع مسألة كلام الله تعالى وردود الفعل على المعتزلة والأشاعرة، موضحا أن كلام الله صفة كمال له وأنه تكلم به حقيقة. ينتقد آراء المعتزلة والأشاعرة في تفريقهم بين الألفاظ والمعاني.

الفرق بين الكلابية والأشاعرة وتفاصيل كلام الله

يتفق الكلابية والأشاعرة على أن القرآن مخلوق باعتبار حروفه وألفاظه، ويختلفون في كون كلام الله منفصلاً أو مختلطاً. يُوضح أنهم يختلفون في تفسيرهم لكلام الله وعلاقته بالقرآن.

كلام الله تعالى بلغات مختلفة وقدرته

الله تعالى يتكلم بلغات مختلفة مع أنبيائه ورسله، مثل التوراة بالإبرانية والإنجيل بالسريانية والقرآن بالعربية. هذا يدل على قدرة الله تعالى على التكلم متى شاء.

التفريغ النصي الكامل

قال الشارح رحمه الله تعالى: قوله ومن الإيمان بالله وكتبه إلى آخره، جعل المصنف الإيمان بأن القرآن كلام الله داخلا في الإيمان بالله؛ لأنه صفة من صفاته، فلا يتم الإيمان به سبحانه إلا بها، إذ الكلام لا يكون إلا صفة للمتكلم، والله سبحانه موصوف بأنه متكلم بما شاء، متى شاء، وأنه لم يزل ولا يزال يتكلم، بمعنى أن نوع كلامه قديم، وإن كانت آحاده لا تزال تقع شيئا بعد شيء بحسب حكمته. بسم الله، والحمد لله، وصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، ومن والاه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. ثم أما بعد، قوله رحمه الله تعالى: ومن الإيمان بالله وكتبه، كما تقدم معنا في الدرس الماضي أن قوله ومن الإيمان، منها هنا تبعيضية، ففيه إشارة إلى أن هذا من الإيمان بالله جل وعلا؛ وذلك لأن الإيمان بكلام الله عز وجل من الإيمان بصفات الله، والإيمان بصفات الله جل وعلا من الإيمان بالله. وقوله: وكتبه، كذلك الإيمان بكتب الله عز وجل، ومن الإيمان بكتب الله عز وجل الإيمان بالقرآن. وإيمان أهل الحق بكتب الله عز وجل القرآن، كما يقول العلماء: الإيمان بالقرآن إيمان تفصيلي. فالإيمان بكتب الله جل وعلا على قسمين: إجمالي وتفصيلي. الإجمالي: بأن يعلم الإنسان ويؤمن ويعتقد اعتقادا جازما بأن الله جل وعلا أنزل كتبا على من شاء من خلقه، أو قل: على من شاء من رسله، أنزل كتبا على من شاء من خلقه، أي الرسل. فأنزل الله جل وعلا كتبا على رسله صلى الله عليهم وعلى آلهم وصحبهم أجمعين. فما من رسول إلا وأنزل الله جل وعلا معه كتابا يدلنا على هذا قول الله جل وعلا في كتابه الكريم في سورة الحديد: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ﴾، الكتاب ها هنا جنس واضح، جماعة، وأنزلنا معهم الكتاب. فاستدل به من استدل من أهل العلم على أن الرسل ما من رسول إلا وأنزل الله جل وعلا معه كتابا. فهذه الآية تدل على هذا المعنى، فهذا يكون من باب الإيمان الإجمالي بكتب الله جل وعلا. ومن الإيمان التفصيلي الإيمان بالكتب التي سماها الله جل وعلا: القرآن، مما سماه الله التوراة، مما سماه الله الإنجيل، مما سماه الله الزبور، مما سماه الله صحف إبراهيم. فهذا من الإيمان التفصيلي، ومن الإيمان الأخص في الإيمان التفصيلي الإيمان بالقرآن الكريم. فالإيمان بالقرآن الكريم إيمان به بأنه من كلام الله جل وعلا، وإيمان به بأنه يجب على العبد امتثال أوامره، واجتناب نواهيه، وتصديق أخباره. فالإيمان بالقرآن إيمان تفصيلي؛ لأجل هذا المعنى. قال رحمه الله تعالى: جعل المصنف الإيمان بأن القرآن كلام الله داخلا في الإيمان بالله؛ لأنه صفة من صفاته، فلا يتم الإيمان به سبحانه إلا بها، إذ الكلام لا يكون إلا صفة للمتكلم، والله سبحانه موصوف بأنه متكلم بما شاء متى شاء. كما تقدم معنا مرارا أن كلام الله جل وعلا باعتبار أفراده من صفات الفعل. قال: وأنه لم يزل ولا يزال يتكلم، وأنه لم يزل باعتبار الأزل والقدم، ولا يزال يتكلم باعتبار المستقبل. بمعنى أن نوع كلامه قديم، ونوع كلامه قديم، ومعنى القديم الأزل. والعلماء رحمهم الله تعالى يطلقون القديم ويريدون به الأزلي، وأحيانا يطلقون القديم ويريدون به أنه ليس بحادث، بمعنى مخلوق، كما جاء في عبارة الإمام ابن قدامة رحمه الله تعالى في اللمعة حينما قال: وكلامه قديم. فبعض أهل العلم ظن أن قوله قديم بمعنى أنه يقول بأن كلام الله عز وجل قديم باعتبار لفظه وآحاده، والأمر ليس كذلك. ولكن بعض أهل العلم ربما عبر بالقديم وأراد أن يقول بأنه ليس بمخلوق، بل هو قديم بمعنى أزلي، بأزلية الله جل وعلا؛ لأن الصفة تابع الموصوف، أزلية بأزليته، وأبدية بأبديته. قال: وإن كانت آحاده لا تزال تقع شيئا بعد شيء بحسب حكمته، بحسب حكمته. وفي هذا إشارة إلى أن الله جل وعلا إنما يتكلم بحكمة، إنما يتكلم ما شاء متى شاء بحكمة. فوقوع الكلام في الوقت الذي أراده الله على الوصف الذي أراده الله في هذا الوقت هو كمال. وقبل هذا الوقت لا يقع؛ لأنه ليس بكمال، ولا يتحتم حكمة الله جل وعلا. ففيه إشارة إلى معنى من المعاني في الرد على الأشاعرة ونحوهم الذين يقولون: لو قلنا بأنها صفات كمال، ليرزم من ذلك أنها بأن الله جل وعلا لم يكمل إلا بفعلها، وأنه قبل الفعل لا يكون كاملا. قالوا: هذا باطل الله تعالى: وقد قلنا فيما سبق أن الإضافة في قولنا: القرآن كلام الله، هي من إضافة الصفة للموصوف. فتفيد أن القرآن صفة الرب سبحانه، وأنه تكلم به حقيقة بألفاظه ومعانيه، بصوت نفسه. فمن زعم أن القرآن مخلوق من المعتزلة، فقد أعظم الفرية على الله، ونفى كلام الله عن الله وصفا وجعله وصفا لمخلوق. قال: وكان أيضا متجنيا على اللغة؛ فليس فيها متكلم بمعنى خالق للكلام. ومن زعم أن القرآن الموجود بيننا حكاية عن كلام الله كما تقوله الكلابية، أو أنه عبارة عنه كما تقول الأشعرية، فقد قال بنفس قول المعتزلة حيث فرق بين الألفاظ والمعاني. فجعل الألفاظ مخلوقة والمعاني عبارة عن الصفة القديمة. كما أنه ضاهى النصارى في قولهم بحلول اللاهوت -وهو الكلمة- في الناسوت -وهو جسد عيسى عليه السلام-؛ إذ قالوا بحلول المعاني التي هي الصفة القديمة في هذه الألفاظ المخلوقة، فجعل الألفاظ ناسوتا لها. قال رحمه الله تعالى: وقد قلنا فيما سبق أن الإضافة في قولنا: القرآن كلام الله، هي إضافة الصفة للموصوف. فتدل على أن القرآن صفة الرب سبحانه، وأنه تكلم به حقيقة بألفاظه ومعانيه بصوت نفسه. وهذا هو حقيقة الكلام في اللغة، وفي العرف، وكذلك بإجماع الناس: أن القرآن أو أن كلام المتكلم إنما هو كلام؛ لأنه بصوته وحرفه ومعانيه. فمن فرق بين هذا أو ذاك، فقد أتى بقول لم يسبق إليه. لذا قال العلماء رحمهم الله تعالى عن هؤلاء الأشاعر والكلابية الذين فرقوا في الكلام بين الكلام النفساني والكلام الذي هو بحرف وصوت: إن هذا القول لم يسبق إليه هؤلاء، بل قالوا قولا من عند أنفسهم محدث، لم يعرف هذا القول لا في لغة، ولا في عرف، ولا في شرع، ولا في شيء من هذا الأمر. لذا تسلط عليهم الجهمية ومن شاكلهم؛ بسبب أنهم أتوا بشيء لم يسبقوا إليه. قوله رحمه الله: وأنه تكلم به حقيقة بألفاظه ومعانيه بصوت نفسه، فمن زعم أن القرآن مخلوق من المعتزلة، فقد أعظم الفرية على الله، ونفى كلام الله عن الله وصفا، وجعله وصفا لمخلوق. وقد نقل الإجماع غير واحد من الأئمة رحمه الله تعالى على أن من قال: إن القرآن مخلوق، بأنه كافر. لذا كفر العلماء رحمهم الله تعالى المعتزلة القائلين بأن القرآن مخلوق، وهذا كما سمعتم بإجماع السلف. قوله رحمه الله: وكان أيضا متجنيا على اللغة؛ فليس فيها متكلم بمعنى خالق للكلام. هؤلاء خالفوا الشرع وخالفوا كذلك اللغة. فليس في اللغة معنى أن الإنسان إذا قيل في هذا الإنسان: إنه متكلم، بمعنى أنه خلق الكلام، بمعنى أنه خلق الكلام. بل الكلام صفة لذلك المتكلم، صفة لذلك المتكلم. فإذا صح هذا المعنى في حق مخلوق، ففي حق خالق من باب أولى. ففي حق الخالق أن يقال: بأن الكلام المضاف إلى الله بأن الكلام المضاف إلى الله جل وعلا بأنه صفة من صفات الله جل وعلا، تكلم به الله جل وعلا متى شاء كيف شاء مع من شاء سبحانه وتعالى. قال: ومن زعم أن القرآن الموجود بيننا حكاية عن كلام الله كما تقوله الكلابية، أو أنه عبارة عنه كما تقوله الأشعرية، فقد قال بنصف قول المعتزلة حيث فرق بين الألفاظ والمعاني، فجعل الألفاظ مخلوقة والمعاني عبارة عن الصفة القديمة. والأشاعر والكلابية يتفقون في هذا الباب في أمرين، ويختلفون في أمرين. يتفقون في أن الكلام النفساني أو الكلام المعنوي بأنه من كلام الله جل وعلا. ويتفقون أيضا بأن القرآن الموجود بين أيدينا باعتبار حروفه وباعتبار ألفاظه أنه مخلوق، أنه مخلوق. فيتفقون في هذين الأمرين، ويختلفون كذلك في أمرين. يختلفون في أن الكلابية يقولون: بأن كلام الله جل وعلا منفصل مميز، بعضه عن بعض، ففرقوا بين الخبر والاستخبار، وكذلك الإنشاء والخبر، وما شابه ذلك بالأساليب الكلامية. والأشاعر تقول: بأن كلام الله جل وعلا مختلط، بأن كلام الله جل وعلا مختلط غير مميز. فهذا فرق بين الكلابية والأشعرية. والفرق الثاني بين الكلابية والأشعرية: بأن الكلابية يقولون: بأن الكلام الموجود في القرآن هو حكاية لفظ الله جل وعلا، حكاية لفظ، أي حكاية معنى اللفظ، حكاية اللفظ الذي عناه الله جل وعلا في نفسه. وأما الأشاعر فيقولون: إنه تعبير عن المعنى الذي أراده الله جل وعلا. فالكلابية يقولون: إن هذا هو اللفظ نفسه الذي عناه الله، أو الذي هو في نفس الله. والأشاعر يقولون: إنما هو عبارة بمعنى أنه معنى الكلام النفساني الذي في نفس الله. قال: كما أنه ضاهى النصارى في قولهم بحلول اللاهوت -وهو الكلمة- في الناسوت -وهو جسد عيسى عليه السلام-؛ معنى اللاهوت: اللاهوت أي الجزء الإلهي، والناسوت هو الجزء الإنساني. فالنصارى من عقائد النصارى أنهم يقولون: بأن عيسى عليه السلام مكور من جزئين: جزء إلهي وهو اللاهوت، وجزء إنساني وهو الجسد، أي جسد عيسى. لذا يقولون بإلهية عيسى عليه السلام بهذا الاعتبار. كما أن الأشاعر يقولون: بأن القرآن كلام الله بهذا الاعتبار. باعتبار المعنى، والنصارى يقولون: بأن عيسى هو الله جل وعلا باعتبار الروح. أما باعتبار الجسد، فإنهم يقولون: بأن الجسد مخلوق. والأشاعرة والكلابية يقولون: القرآن الذي بين أيدينا الحروف والكلمات التي بين أيدينا بأنها مخلوقة. لذا قال بعض العلماء: بأن هؤلاء فيهم مشابهة من أولئك. قال: والقرآن كلام الله حيث تصرف، فمهما كتبناه في المصاحف أو تلوناه بالألسنة لم يخرج بذلك عن أن يكون كلام الله؛ لأن الكلام كما قال المصنف: إنما يضاف إلى من قاله مبتدئا، لا إلى من قاله مبلغا مؤديا. بمعنى أن الإنسان إذا تكلم بكلام الله جل وعلا، قرأ كلام الله جل وعلا، فإنه يقال له: بأنه قرأ كلام الله. وإذا كتب أخذ القلم وكتب كلمات من القرآن، فإنه يقال بأنه كتب القرآن، أو شيئا من كلام الله جل وعلا. فمهما قرأ هذا القرآن، فالمقرؤ هو كلام الله، ومهما كتبه الناس، فالمكتوب كلام الله جل وعلا. ففرق بين القراءة والمقرؤ، والكتابة والمكتوب. وكما هي القاعدة عند السلف: بأن الكلام كلام الباري، والصوت صوت القارئ. لذا النبي صلى الله عليه وسلم حث على تحسين القرآن، تحسين الصوت بالقرآن. فتحسين الصوت مخلوق، أم أنه من كلام الله؟ تحسين الصوت تحسين صوت القارئ مخلوق، والقرآن من كلام الله. فالمقرؤ ليس بمخلوق، وتحسين الصوت بالقرآن مخلوق. فهذا نميزه بأن الفعل فعل العبد مخلوق، قراءته، كتابته، حفظه مخلوق، والمقروء والمكتوب والمحفوظ كلام الله. قال رحمه الله: والقرآن كلام الله حيث تصرف، فمهما كتبناه في المصاحف أو تلوناه بالألسنة لم يخرج بذلك عن أن يكون كلام الله؛ لأن الكلام كما قال المصنف: إنما يضاف إلى من قاله مبتدئا، لا إلى من قاله مبلغا مؤديا. قال: وأما معنى قول السلف: منه بدأ وإليه يعود، فهو من البدأ، يعني أن الله هو الذي تكلم به ابتداء، لم يبتدئ من غيره. ويحتمل أن يكون من البدور، بمعنى الظهور، يعني أنه هو الذي تكلم به وظهر منه، لم يظهر من غيره. ومعنى إليه يعود: أن يرجع إليه وصفا؛ لأنه وصفه القائم به. وقيل: معناه يعود إليه في آخر الزمان حين يرفع من المصاحف والصدور، كما ورد في أشراط الساعة، كما جاء في حديث عند الإمام أحمد وغيره: أنه يأتي يسرى في ليلة على القرآن، فلا يبقى في الأرض شيء. قال: وأما كون الإيمان بأن القرآن كلام الله داخلا في الإيمان بالكتب، فإن الإيمان بها إيمانا صحيحا يقتضي إيمان العبد بأن الله تكلم بها بألفاظها ومعانيها، وأنها جميعا كلامه هو، لا كلام غيره. فهو الذي تكلم بالتوراة بالعبرانية، وبالإنجيل بالسريانية، وبالقرآن بلسان عربي مبين. وهذا يدلنا على أن الله جل وعلا يتكلم متى شاء، مع من شاء، بما شاء، كيف شاء. سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.

شاركنا على