شرح عقيدة السلف للصابوني 74

الدرس في شرح عقيدة السلف للصابوني 74، ألقاها

تحذير السلف من الجدال مع أهل البدع والأهواء

يتناول تحذير السلف من الجدال مع أهل البدع والأهواء لعدة أسباب منها كبت البدع وعدم رجوع المبتدعة إلى الحق. استند السلف في ذلك إلى أدلة من الكتاب والسنة.

شروط وضوابط المناظرة مع أهل البدع

يشرح شروط المناظرة مع أهل البدع والأهواء، حيث يشترط أن يكون المناظر قوي العلم والإيمان ومطلعًا على شبه الخصم. كما يبين أن السلف كانوا يتحاشون الجدال إلا عند الضرورة.

تحذير السلف من الجدال في العقيدة وأقوال الأئمة

يذكر تحذير السلف من الجدال والمناظرة في أمور العقيدة، مستشهدًا بأقوال أئمة مثل الإمام مالك وأيوب السختياني الذين كانوا يتحاشون المناظرات التي قد تؤثر على العقيدة.

التضرع إلى الله تعالى بالتسبيح والاستغفار

يتضمن الدعاء لله تعالى بالتسبيح والاستغفار والتوبة، ويعبر عن التضرع والاعتراف بالذنوب واللجوء إلى الله طلباً للمغفرة.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، فما زلنا مع قول الإمام الصابوني رحمه الله: «ويتحابون في الدين، ويتباغضون فيه، ويتقون الجدال في الله والخصومات فيه». قوله: «ويتقون الجدال» أي يجتنبون الجدال والخصومات التي تكون مع أهل الأهواء والبدع. والجدال كما يقول أهل اللغة هو مقابلة الحجة بالحجة، هذا يسمى جدالًا، والمجادلة، والمناظرة، والمخاصمة. وكان السلف رحمهم الله وغفر الله لهم يتقون الجدال، الجدال مع المبتدعة، وذلك لأمور؛ أولها من باب كبتهم وإطفاء بدعهم بالإعراض عنها؛ لأن الغالب أن المبطل يريد أن يظهر باطله، ومن طرق ظهوره أن يناظر من يناظر من أهل العلم، فيقول: قد ناظرت فلانًا، وما أتى بحجة، ما أتى ببرهان. فربما انتشرت بدعة وظهرت بعد أن كانت خفية بسبب ذلك. فلذا كان من أمر السلف رضي الله عنهم وأرضاهم أنهم يمتنعون عن مجادلتهم لنبذهم وكبتهم. فمن الأمور التي لأجلها لا يجادل السلف المبتدعة -كما سمعتم أولًا- من باب كبتهم وإطفاء بدعهم، وإطفاء بدع هؤلاء المبتدعة. الأمر الثاني لأجل أن لا يروج أمر تلك البدعة والمبتدعة بسبب تلك المناظرات. وهذا فرع عن الأول. الأمر الثالث: أنهم غالبًا لا يرجعون إلى الحق، المبتدع في الغالب لا يرجعون إلى الحق. لذا ثبت عن الإمام أحمد رحمه الله تعالى أنه قال: «لا تجادل أهل أهواء، ولا تجالسوهم»، أو قال: «لا تجالس أهل أهواء، ولا تناظروهم؛ فإنهم لا يرجعون عن بدعتهم»، فإنهم لا يرجعون عن بدعتهم. فهذا تعليل، تعليل من عدم مناظرتهم ومجادلتهم؛ أنهم لا يرجعون عن بدعهم، ولا عن الباطل الذي هم عليه. وكذلك من الأمور التي لأجلها امتنع السلف رضي الله عنهم وأرضاهم، واجتنب السلف رضي الله عنهم ورحمهم الله مناظرة المبتدعة: أن الشبه خطافة، والقلوب ضعيفة. رب إنسان يكون بعيدًا من هذه الشبه، معافى سالم، فإذا دخل وخاض وجادل وخاصم وناظر، ربما دخل على قلبه شيء من ذلك الأمر، ومن تلك الشبه، فربما تغير قلبه وتغير حاله بسبب ذلك. وهذا الأمر المذكور له أصل من الكتاب والسنة. أما من الكتاب، فقوله جل وعلا: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّىٰ يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾. ومن السنة ما جاء في الصحيحين من حديث عائشة رضي الله عنها وأرضاها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم: «إذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه فاحذروهم؛ فإنهم الذين قال الله جل وعلا فيهم: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾» الحديث. بمعناه. الحاصل أنه قال صلى الله عليه وسلم: «إذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه فاحذروهم». ومن الحذر منهم أن لا يناظروا، ولا يخاصموا، ولا يجادلوا. فهذه أمور أربعة، وهناك كذلك غيرها من المعاني التي لأجلها ترك السلف رضي الله عنهم وأرضاهم الجدال والخصام مع أهل الأهواء والبدع. قد يقول لنا قائل: فكيف نجد أن بعض السلف قد جادل وقد ناظر أهل البدع؟ فالجواب: أن هذا -كما يقول علماء رحمهم الله تعالى- يحتاج إليه السلف عند الحاجة الماسة أو عند الضرورات. عند الحاجة الماسة كما حصل من عبد الله بن عباس رضي الله عنهما حينما ناظر الخوارج؛ هذه حاجة ماسة؛ لأنهم سيقتتلون، فأراد أن يقيم عليهم الحجة، وأن يبين لهم المحجة حتى يهلك من هلك عن بينة، فبين لهم رضي الله عنه وأرضاه ما هو الحق، وبين لهم زيف ما هم عليه من الشبهات. وأحيانًا قد يكون للضرورات كما حصل من الأئمة كالإمام أحمد رحمه الله تعالى في مناظرته في خلق القرآن، وغيره من السلف، فهذا من هذا الباب. فالباب ليس مفتوحًا على مصراعيه، ولا موسعًا؛ بل للحاجة الماسة، وأحيانًا قد يكون للضرورات. ومع هذا اشترط العلماء رحمهم الله تعالى في المناظر لأهل الأهواء والبدع اشترطوا أن يتصف بصفات؛ من هذه الصفات أولًا: أن يكون عنده قوة علم وإيمان؛ أن يكون عنده قوة علم ليدفع بها الشبه، وقوة إيمان لأجل أن لا تدخله الشبه، وما يذكره المبطلون من باطلهم، أي أن يكون على يقين من أمره. الأمر الثاني: الإحاطة بشبه من يجادله، ومعرفة كيفية إبطالها بطرق متعددة؛ أن يعلم إذا ناظر -مثلًا- صوفيًا يعلم ما هي البدع والشبه التي عنده، ويحققها وينقحها ويبطلها بطرق متعددة؛ بحيث أنه أثناء المناظرة لو أغلق عليه بابًا فتح عليه أو فتح لنفسه بابًا آخر. الأمر الثالث: أن يكون فصيح اللسان، سريع البديهة؛ حتى لا يغلب بسبب ذلك، أي أن يكون فصيح اللسان، كلامه واضح، ويعبر بالألفاظ الصحيحة المناسبة الفصيحة السريعة، وأن يكون عنده بداهة؛ أي سريع الفهم، سريع الجواب، سريع الإلزام، سريع الخروج من الإلزام، وما شابه ذلك، ما يكون عنده غفلة. الأمر الرابع: أن لا يكون بمحضر من العوام؛ حتى لا تلتبس عليهم الأمور، وتدخلهم الشكوك؛ إلا أن يضطر إلى ذلك اضطرارًا؛ يعني أتى به، وليس له من الأمر شيء، إلا أن يبين الحق، فيفعل ما يستطيع به أن يدفع الباطل، وأن يبين الحق بدليله من كتاب الله جل وعلا، ومن سنة رسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، على ما كان عليه سلف الأمة رضي الله عنهم وأرضاهم. هذه جملة من الشروط فيمن ابتلي بالمناظرات. فما نبتلي بالمناظرات؛ وإلا فالأصل أن يبتعد السلف عن هؤلاء؛ لا لضعفه، ولا لعجزه، ولكن لما تقدم من أمور؛ لكبتهم، لإطفاء بدعتهم؛ لأنهم لا يرجعون إلى الحق، أو ما شابه ذلك. ومن ناظرهم -كما سمعتم- إما لإظهار الحق، وإقامة الحجة؛ كما حصل من ابن عباس، وغيره من السلف؛ من الإمام أحمد، من شيخ الإسلام ابن تيمية، ومن غيرهم من الأئمة والأعلام رحمهم الله تعالى في كل زمان ومكان، ممن كبت الله جل وعلا به الباطل، وأظهر الله جل وعلا على يديه الحق. فهذا باب، وذاك باب، وذاك باب آخر. وإلا فالأصل هو كما ذكره الإمام الصابوني رحمه الله تعالى اعتقادًا للسلف: «ويتقون الجدال في الله والخصومات فيه». وتعرفون الأثر المشهور عن إمام مالك رحمه الله تعالى، وهو إمام دار الهجرة، وكان في زمن -كما يقال- الأئمة أربعة؛ أئمة الدنيا في زمنهم أربعة؛ في زمن إمام مالك رحمه الله تعالى كانوا يقولون: أئمة الدنيا أربعة؛ مالك في المدينة، وسفيان الثوري في الكوفة، والأوزاعي في الشام، والليث بن سعد في مصر. فهو قطب من أقطاب، أو قل هو ركن من أركان العلماء رحمهم الله تعالى في زمانه. ومع هذا جاءه إنسان، جاءه رجل، فقال له: يا إمام، أجادلك، أناظرك؟ قال له الإمام مالك رحمه الله تعالى: «فإن غلبتني؟» يعني انظر إلى فقه السلف، وانظر إلى علم السلف، وانظر إلى حذق السلف كيف أجاب ذلك الرجل. قال: يا إمام، أناظرك؟ قال له الإمام مالك رحمه الله تعالى: «إن غلبتني رجعت إلى قولك، إلى مذهبك». قال مالك: «فإن جاء آخر فناظرنا وغلبنا، قال: نرجع إلى مذهبه». يعني لو تسلسلنا في هذا الأمر، لو جاء رابع، لو جاء خامس، لو جاء سادس إلى ما لا نهاية، يلزم من هذا ماذا؟ الإنسان يكون في الصباح على دين، على عقيدة، وفي المساء على ماذا؟ على عقيدة أخرى. فقال له مالك رحمه الله تعالى: «اذهب إلى شاك مثلك؛ فإني على بينة من أمري، على يقين، على علم ونور من الله جل وعلا بما أنا عليه». وهكذا كان بعض السلف؛ يعني كما ثبت كذلك عن أيوب بن أبي تميمة السختياني -ريحانة أهل البصرة- كان يلقب بهذا اللقب رضي الله عنه ورحمه الله؛ جاءه رجل يريد أن يناظره، قال له: «ولا كلمة». قال له آية أقرأها عليك من كتاب الله جل وعلا؛ يريد ناظره ولو بآية، يقول: آية سأقرأها عليك من كتاب الله جل وعلا. فماذا قال له أيوب؟ قال له: «ولا نصف آية». هل كان كلام أيوب ضعفًا منه، عجزًا منه؟ أم أنه أراد أن يكبت هذا المبتدع، وأن يجعل وأن يكون صاغرًا أمام الناس؛ بأن فلانًا قد رده الإمام أيوب، وما قبل منهم شيئًا؛ «ولا نصف آية». والآثار في هذا كثيرة. ثبت كذلك عن عبد الله بن طاوس أنه قال: «مررت أنا وأبي على قاص» -أي من هؤلاء الذي يحدثون بما هب ودب- فقال لي أبي: «يا بني، ضع أصبعيك في أذنيك، واجدد عليهما؛ ألا تسمع شيئًا فيقع في قلبك». ليس فقط ضع أذنيك؛ بل أجدد على أذنيك، على أصبعيك في أذنيك؛ حتى ماذا؟ حتى ما تسمع شيئًا من الباطل. وهذا فيه إشارة إلى ما تقدم: أن الشبه خطافة، وأن القلوب ماذا؟ وأن القلوب ضعيفة. وعبد الله بن طاوس ثقة، وأبوه إمام. ومع هذا انظروا إلى هذه الوصاية: «ضع أصبعيك في أذنيك، واجدد عليهما؛ ألا يقع في قلبك شيء» في شيء من هذه الأمور. وكلام السلف في هذا كثير. نكتفي بهذا لانتهاء الوقت إلى هنا. سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.

شاركنا على