شرح الأرجوزة الميئية 3

الدرس في شرح الأرجوزة الميئية 3، ألقاها الشيخ أبو خالد وليد مقرم

بعثة النبي ﷺ في سن الأربعين وحكمة ذلك

بُعث النبي محمد ﷺ وأوحي إليه وهو ابن أربعين سنة، مكث في مكة ثلاث عشرة سنة وفي المدينة عشر سنين، وتوفي وعمره ثلاث وستون. وتُعد سن الأربعين سن كمال العقل والرشد التي تُبعث فيها الأنبياء.

اتفاق العلماء على يوم الاثنين لبدء الوحي واختلافهم في الشهر

اتفق العلماء على أن الوحي نزل على النبي ﷺ يوم الاثنين، وهو يوم مولده ويوم نزول الوحي في غار حراء، بينما اختلفوا في الشهر الذي بدأ فيه الوحي، فمنهم من قال إنه رمضان استناداً لقول الله تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾.

بداية الوحي وأبرز أحداث ربيع الأول ونزول القرآن

يرجح جمهور العلماء أن الوحي بدأ في الثامن من ربيع الأول عام إحدى وأربعين من عمر النبي ﷺ، وأن أعظم أحداث حياته (المولد، الوفاة، الهجرة، نزول القرآن) وقعت في هذا الشهر. وقوله تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ يشير إلى نزول القرآن من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا (بيت العزة) في رمضان، ثم نزل منجماً على النبي ﷺ، وأول ما نزل سورة اقرأ.

أول ما نزل من الوحي على النبي ﷺ

ورد حديثان صحيحان يختلفان في أول ما نزل؛ فحديث عائشة في البخاري يشير إلى سورة اقرأ، وحديث جابر في مسلم يشير إلى سورة المدثر، مما أوقع إشكالاً في التوفيق بينهما.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الشيخ العلامة ابن أبي العز الحنفي رحمه الله تعالى في أرجوزته المئوية: قال وبعد عام أربعين أُرسلا في يوم الاثنين يقينا فانقلا، في رمضان أو ربيع الأول، وسورة اقرأ أول المنزل. ذكر رحمه الله تعالى في هذه الأبيات أن النبي عليه الصلاة والسلام أرسل وبعث في سن الأربعين، أي لما بلغ من العمر أربعين سنة أُرسل إليه وأوحي إليه وبعث عليه الصلاة والسلام. وقد جاء هذا في البخاري عن عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهما أن النبي عليه الصلاة والسلام أنزل إليه أوحي إليه في سن الأربعين. قال: قضى في مكة عشر سنين أو ثلاث عشرة سنة يوحى إليه، ثم هاجر إلى المدينة ومكث فيها عشر سنين، وتوفي عليه الصلاة والسلام وقد بلغ من العمر ثلاثا وستين سنة. وأوحي إليه في سن الأربعين، ثلاث عشرة سنة في مكة تساوي ثلاث وخمسين، وعشر سنوات في المدينة ثلاث وستون سنة، ثم توفي عليه الصلاة والسلام بعد هذا العمر. قد ذكر العلماء أن الأنبياء يبعث إليهم ويوحى إليهم في هذه السن، سن الأربعين، لأنه يكون بها تمام الرشد وكمال العقل، حتى إذا بلغ أربعين سنة في هذه السن يكون نضوج العقل وكمال الرشد، وهكذا الأنبياء بعثوا في هذه السن. قال: في يوم الاثنين، وهذا لا خلاف فيه بين أهل العلم، لأنه قد جاء في صحيح الإمام مسلم رحمه الله من حديث أبي قتادة الأنصاري رضي الله تعالى عنه أنه -صلى الله عليه وسلم- سئل عن صيام يوم الاثنين، قال: «ذاك يوم ولدت فيه، وذاك يوم أنزل علي فيه». فيوم الاثنين هو اليوم الذي أنزل فيه عليه الوحي عليه الصلاة والسلام في غار حراء، هذا لا خلاف فيه بين أهل العلم. وقال: قال في يوم الاثنين يقينا، يقينا لا خلاف في ذلك، هذا شيء يقين، شيء مجزوم به لا خلاف فيه. فانقل، يعني اذكر هذا وانقل هذا، أن النبي -صلى الله عليه وسلم- أوحي إليه في يوم الاثنين، انقل ذلك يقينا لا خلاف فيه. لكن اختلفوا في الشهر، في الشهر. وهكذا في العام لم يختلفوا، لكن اختلفوا في الشهر، وإلا في العام فيه عام أربعين، أي من عمر النبي عليه الصلاة والسلام، لكن اختلفوا في الشهر. فمنهم من قال كما قال المؤلف رحمه الله تعالى، منهم من قال فيه رمضان، نزل عليه وسلم فيه رمضان، أخذوا هذا مما جاء في كتاب الله جل وعلا: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾، فقال: أنزل على النبي عليه الصلاة والسلام القرآن في رمضان. لكن قول الأكثر كما حكاه الإمام ابن القيم رحمه الله وغيره في زاد المعاد، ذكر ابن القيم أن أكثر أقوال أهل العلم أو أكثر أقوال أهل العلم بأنه في ربيع الأول، في الثامن من ربيع الأول، عام إحدى وأربعين، يعني من عمر النبي -صلى الله عليه وسلم- في عامه الحادي والأربعين، يعني بلغ للنبي أربعين وبعد ذلك نزل عليه الوحي عليه الصلاة والسلام. نعم، وهذا هو الراجح لأن أعظم الأحداث كانت في ربيع الأول. ذكر هذا الشيخ العلامة العثيمين رحمه الله في شرحه لعقيدة السفاريني، ذكر أن أعظم الأحداث للنبي عليه الصلاة والسلام كانت في ربيع الأول، في ربيع الأول ولادته، وفاته، هجرته، نعم، نزول القرآن عليه. وأما ما جاء في القرآن: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾، فالمراد بهذا النزول كما جاء من ابن عباس رضي الله عنهما، حبر الأمة ترجمان القرآن، أن هذا هو نزول القرآن إلى السماء الدنيا من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا في بيت العزة من السماء الدنيا. هذا النزول ليس هو النزول إلى النبي عليه الصلاة والسلام، وإنما من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا في بيت العزة، ثم نزل بعد ذلك على النبي صلى الله عليه وسلم منجما يعني مفرقا. هكذا جاء عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما. قال: في رمضان أو ربيع الأول، وسورة اقرأ أول المنزل. أول ما نزل عن النبي -صلى الله عليه وسلم- سورة اقرأ، كما جاء في البخاري عن عائشة حين ذكرت أول ما بدأ به رسولها من الوحي، وذكرت ما حدث للنبي عليه الصلاة والسلام بما أخبرها عليه الصلاة والسلام، وأنه جاءه الملك قال له: اقرأ، فقال عليه الصلاة والسلام: ما أنا بقارئ، قال: اقرأ، قال: ما أنا بقارئ، أي لا أعرف القراءة، لأنه عليه الصلاة والسلام أمي لا يقرأ ولا يكتب. اقرأ، قال: ما أنا بقارئ، قاله الملك: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾. جاء عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما في الصحيح أيضا، صحيح مسلم، قال: أول ما نزل على النبي عليه الصلاة والسلام: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنذِرْ﴾. فأشكل هذا، لأن حديث عائشة أول ما نزل اقرأ، وحديث جابر أول