الدرس في شرح كتاب التوحيد 199، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
الرياء هو إظهار العبادة لغير الله تعالى، ويرتبط بالتوحيد لأنه ينافي الإخلاص المطلوب في العبادة. الرياء يعتبر شركًا لأنه يخل بإخلاص العبادة لله.
الرياء قد يكون شركًا أكبر إذا غلب على أعمال المسلم وكان في أصل الدين، بينما يعتبر شركًا أصغر إذا كان قليلًا. يُفرق العلماء بين هذين النوعين بناءً على تأثير الرياء على العبادة.
الرياء من الكبائر ويستحق صاحبه الوعيد الشديد، كما ورد في حديث الثلاثة الذين يُسعر بهم النار. يُشدد على خطورة الرياء وتأثيره على صلاح الأعمال.
يختتم الدرس بالتأكيد على أهمية الصلاة على النبي محمد وعلى آله وصحبه، ويُظهر التأكيد على الطاعة والاعتراف بعلم الله تعالى. يُعد هذا الختام تأكيدًا على الأعمال الصالحة.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: باب ما جاء في الرياء. هذا تأصيل جديد من الأبواب المهمة التي بوّب عليها المؤلف رحمه الله تعالى في كتابه ورسالته كتاب التوحيد. فقال رحمه الله: باب ما جاء في الرياء. باب، أي هذا مدخل في بيان الحكم الشرعي. باب ما جاء، ما جاء أي من الوعيد والزجر والتهديد الدال على هذه المسألة من آيات القرآن وأحاديث السنة. وهكذا أعهدنا المؤلف رحمه الله تعالى أنه يستمد الأدلة من الكتاب والسنة، فسيذكر لنا رحمه الله تعالى الآيات والأحاديث الدالة على حكم هذا الحكم على هذه المسألة، ألا وهو الرياء. الرياء، إخواني في الله، مأخوذ من الرؤية، أي الرؤية البصرية، وهي مصدر راء يراء رياء. وقد عرف العلماء الرياء بأنه إظهار العبادة لقصد مدح الناس. إظهار العبادة لقصد مدح الناس، هذه حقيقة الرياء، أن يقوم الإنسان بفعل عبادة من العبادات يظهرها للخلق، وذلك طلبًا للمدح والثناء والشهرة، وأن يلفت الأنظار، وأن يطلق الناس عليه بالمديح والإطناب، هذا بغيته وهذا مراده، وهذا هو الرياء، وهو داء خبيث إذا استشرى في النفوس صعب نزعه. وقريبًا منه السمعة، دائمًا تسمع كلمة رياء وسمعة. والسمعة كذلكم هي على منوال الرياء، لكن الفرق بينهما أن الرياء مأخوذ من الرؤية من المرئيات، وأما السمعة فهو مأخوذ من السماع من المسموعات، وهو أن يظهر الإنسان عبادة ما تفتقر إلى السماع، يظهرها للسامعين حتى ينال منهم الثناء والإطناب، كحال المرائي الذي يظهر أعماله أمام الناس لكي يراه الرائون فيمدحونه. وهكذا صاحب السمعة يظهر ذلكم، مثلاً في الوعظ والتذكير وقراءة القرآن، ويأتي بغيرها من الألفاظ التي إن سمعها الناس أراد من هذا السماع منهم أن يمدحوه وأن يثنوا عليه خيرًا. هذا هو الرياء، وهذا هو السمعة، وهو أن يظهر الإنسان عبادة ما لكي يجلب لنفسه الثناء والمدحة. هنا مسألة، إخواني في الله، بعد معرفتنا لموضوع ما هي الرياء، بقي ما علاقة الرياء بكتاب التوحيد؟ لماذا أورد المؤلف رحمه الله تعالى هذا الباب في هذا الكتاب؟ وجه ذلك كما قال الشراح: لما كان توحيد الله جل وعلا أساسه وأساسه الإخلاص، إذ أن لا قوام للتوحيد إلا بالإخلاص، التوحيد قائم على الإخلاص، بأن الإنسان يتوجه بقلبه وقالبه ظاهرًا وباطنًا بعباداته وطاعاته لوجه الله. وهكذا أمروا، وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين، فالإخلاص هو محور التوحيد. ومن هنا كل ما كان ينافي التوحيد كان ذلك من أعظم ما يضاده، ومن ذلكم الرياء، لأن المرائي ليس فيه الإخلاص الذي ينبغي أن يكون في الموحدين. لأنك كما سمعت تجد أن صاحب العبادة لا يريد ما عند الله، وإنما يريد ما عند الناس. فكان هذا الصنيع وهذا الفعل منه إخلال بالتوحيد، لهذا حكم الرياء أنه لا يخرج عن دائرة الشرك. فصاحبه بين الشرك الأكبر والشرك الأصغر، لأن مقامه أخلى أصلاً عظيمة من أصول التوحيد، ألا وهو إخلاص الأعمال لله. ومن هنا، إخواني في الله، ينبغي علينا التعرف متى يكون الرياء شركًا أكبر مخرج من الدين والملة، ومتى ما يكون دون ذلك. قال العلماء: الرياء يكون شركًا أكبر مخرج من الدين والملة بعدة صور، منها: إذا كان الرياء في أصل الدين. وهذا يتصور، إخواني في الله، في حق إنسان أراد أن يدخل في الإسلام، وما دخل في الإسلام إلا لإرادة الشهرة وإرادة المدح من الناس. إذا دخلوا في الإسلام يتفاوتون في مقاصدهم ومآربهم، الأكثر في خلق الله أنهم يدخلون في الإسلام عن اقتناع وعن عقيدة وعن التزام، هذا هو الأصل في الدخول في الإسلام. لكن بعض الناس، طائفة من الناس، من لربما كان دخولهم في الإسلام لمقاصد دنية منهم، مثلاً يريد الحصانة لنفسه والحماية لدمه. قال العلماء: من كان رياؤه في أصل الدين، فهذا من الشرك الأكبر المخرج من الدين والملة. صورة ثانية من صور الشرك الأكبر، وهو من رأى في عبادة تركها كفر، مثل الصلاة، الصلاة على قول الطائفة من أهل العلم على أن تركها كفر. فلما يرائي الإنسان في فريضة الصلاة، هو في الحقيقة كأنه ما صلى، لأنه سيأتي معنا في مسألة الرياء إحباط العمل. ولعل هذا يأتينا في درس قادم بإذن الله. طيب، الذي يصلي رياء، في حقيقة أمره أنه ما صلى، إذن هو محسوب على أنه تارك للصلاة، فهو كافر، هذا على قول من يقول بكفر ترك الصلاة. الصورة الثالثة يكون الرياء شركًا أكبر إذا كان هو الغالب على أعمال المسلم. انتبه لهذا القيد، هذا القيد يتعلق بالكمية، إذا كان الغالب في أعمال المسلم من الطاعات والعبادات أنه إنما أداها رياء وسمعة، هذا من الشرك الأكبر الذي يخرج به عن الدين والملة. ومن هنا، العلماء إذا تطرقوا إلى مسألة الرياء وأنه يعد من الشرك الأصغر وأنه من الشرك الخفي وأنه غير مخرج من الدين والملة، قالوا: هو كيسير الرياء. دائمًا تجد هذه العبارة، ومن كان من طلاب العلم ومن قراء الكتب يجد هذه العبارة دائمًا تمر عن أصبع عينه: كيسير الرياء. الإشكال: لماذا هذا القيد؟ أن من صور الشرك الأصغر يسير الرياء، بمعنى أن من وقع في الرياء القليل، هذا حكمه من الشرك الأصغر. مفهوم المخالفة: ماذا؟ أن من كان رياءه كثيرًا، هذا قد كفر. وهذا هو الصحيح الذي عليه العلماء. فلو قدر أن إنسانًا جل العبادات وجل الطاعات يفعلها للناس، إذا ما الذي أبقى لله؟ يدخل المسجد ينظر يحاول يدخل في وقت زحمة الناس حتى يراه الناس، وإذا صلى يصلي في مكان فيه جمع الناس، وإذا بعدما يسلم يجلس في حضرة الناس، وإذا خرج الناس خرج معهم. قالوا: هذا ليس ممن يرجو ثواب الله، هذا ليس ممن يرجو ثواب الله، فهذا على هذا الخلل الذي يوصله إلى خلل عقدي، هذا قد خرج عن الدين والملة. فالصورة الثالثة من صور الشرك الأكبر في باب الرياء أن يكون هو الغالب على الإنسان. ننتقل بعد ذلك إلى الشرك الأصغر، وهو أن يظهر الإنسان بعض العبادات طلبًا لمدح الناس، أن يظهر بعضًا ليس التوحيد وليس من العبادات التي تركها كفر، وليس الغالب على أمره، إنما بعض أحيانًا إذا أظهر الإنسان بعضًا من أعماله طلبًا لمدح الناس، هذا قد وقع في الشرك الأصغر. ولا شك أن الشرك الأصغر من الكبائر، فلا تستهين يا عبد الله بهذا الحكم، فإن الشرك الأصغر في حكم الشرع يعد من الكبائر. ويكفيك يا عبد الله أن صاحبه متوعد بالوعيد الشديد. وكلنا يعلم أو قد مر عليه حديث الثلاثة الذين أول من تسعر بهم النار، أناس أتوا بطاعات وأتوا بعبادات من أعظم العبادات. هذا بعلمه وقرآنه، وذاك بجهاده وقتاله، وذاك بنفقته وصدقاته، ثم كان من أمرهم أن جروا إلى نار جهنم والعياذ بالله. من كان يظن أن أمثال أصحاب هذه العبادات تصلهم هذه النهاية المأساوية إلى نار جهنم والعياذ بالله؟ كيف هذا؟ هذا يعبد الله من هذا الباب، من باب الرياء. ذاك الذي تعلم العلم وقرأ القرآن وعلمه للناس، يذكره الله بنعمه، فيقال له: ماذا عملت بها؟ فيقول: تعلمت فيك وعلمت للناس، فيقال: كذبت، إنما فعلت ذلك ليقال عنك عالم وليقال عنك قارئ، وقد قيل، أنت فعلت هذا فقط لكي تنال مدح الناس، وقد قيل هذا الذي تريده حصلته، إذن جزاؤك معك، الذي تريده من الناس من الثواب وجدته، إذا ما عند الله لن تجد شيئًا، فيسحب به إلى نار جهنم والعياذ بالله. والآخر المقاتل الذي يجاهد في سبيل الله، يذكره الله بنعمه، فيقال: ماذا عملت بها؟ فيقول: يا رب جاهدت فيك حتى قتلت، فيقال: كذبت، الله أعلم بالنوايا، ولهذا إخواني في مسألة الرياء ليس من السهل أن تحكم عليها، وليفتح هذا المجال لكل أحد أن يقول: فلان أراد كذا وفلان أراد كذا، الإرادة من أعمال القلوب لا يطلع بها إلا علام الغيوب جل في علاه. الله يعلم السرائر والبواطن جل في علاه، فيقال: هذا الذي قاتل حتى قتل، كذبت، إنما فعلت ذلك ليقال عنك جريء شجاع، وقد قيل هذا الذي أردته نلته في الدنيا، جعلك نصبًا تذكاريًا، جعلك أربعينية تأبينية، ولا زالت الأفواه تذكرك بالحسنة، هذا الذي أردته حصلته، لكن ما عند الله ليس لك أجر، فيؤمر فيسحب به في النار والعياذ بالله. وأما الأخير فصاحب المال، يذكره الله بنعمه لأن هذه نعم من الله، فيذكره الله بنعمه فيقر بها، ماذا عملت بها؟ فيقول: يا رب أنفقت فيك، وما من باب من أبواب الخير إلا أنفقته فيك، فيقال: كذبت، إنما فعلت ذلك ليقال عنك جواد، إنما فعلت ذلك وتعمدت أنك تتحصل على صورة من هنا وعلى مقطع فيديو متعمد حتى يراك الناس. فدل ذلك إخواني في الله على أن الرياء بشكل عام خطير، وأن صاحبه بين الشركين، إما الأكبر المخرج من الدين والملة، وإما الأصغر الذي صاحبه متوعد بعذاب الله جل في علاه. وستأتي لنا مسائل كثيرة متعلقة بالرياء، يترك الحديث عنها في دروس قادمة. أسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.