الدرس في شرح كتاب التوحيد 200، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
استدل المؤلف بآية الكهف على تحريم الرياء وبيان أنه من الشرك، حيث قال تعالى: ﴿فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا﴾. الرياء ينافي التوحيد ويعتبر شركًا.
الآية الكريمة تثبت بشرية النبي محمد صلى الله عليه وسلم وتؤكد أنه ليس له شيء من خصائص الربوبية، وتبرز تميزه بالوحي الإلهي. هذه الآية تنفي الشرك بالله وتؤكد أن النبي عليه الصلاة والسلام عبد الله ورسوله.
يشرح المقطع أهمية الجمع بين العبودية والرسالة في حق النبي محمد صلى الله عليه وسلم، ويتطرق إلى شرطي قبول الأعمال الصالحة وهما الإخلاص والمتابعة، ويحذر من الشرك بالله ويبين أن الرياء يعتبر شركًا.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: وقوله تعالى: ﴿قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد﴾. أورد المؤلف رحمه الله تعالى هذه الآية، وهي من أوائل استدلالاته على هذا الباب، والذي بوّب عليه بقوله: بابٌ ما جاء في الرياء. وأشرنا في درس أمس، إخواني في الله، كمقدمة سريعة لأهم مباحث الرياء وما يتعلق بمعناه، وأيضًا بما يتعلق بحكمه، وأنه مما ينافي ويعارض جناب التوحيد، إذ أن التوحيد يقوم على الإخلاص لله، والرياء ينافي ذلك. فأورد المؤلف رحمه الله تعالى هذا الباب في كتاب التوحيد، وها هو الآن يذكر لنا الأدلة الدالة على مسائل الرياء، فبدأ بهذه الآية، ألا وهي قوله سبحانه وتعالى: ﴿قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا﴾. والشاهد من هذه الآية، موطن الاستدلال، وما جاء في قوله سبحانه وتعالى: ﴿فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا﴾، هذا هو موطن الاستدلال على تحريم الرياء، وعلى أنه مما ينافي التوحيد، وأنه صورة من صور الشرك. لأن الله قال: ﴿ولا يشرك بعبادة ربه أحدا﴾، وأحدًا نكرة، والقاعدة البلاغية وعند الأصوليين أن النكرة إذا جاءت في سياق النهي، وهكذا في سياق النفي، فإنها تفيد العموم، لا تجعل مع الله ندًا كائنا من كان، لا ملكًا، لا نبيًا، لا صالحًا، لا وليًا، ولا أحدًا، حتى ألسن الناس وأعين الناس، لا تجعلهم شركاء مع الله. وقد أشرنا في درس أمس إلى أن المرائي إنما يفعل العبادة لا يريد منها وجه الله، وإنما يريد أن يلفت أنظار الناس إليه، وهنا موطن الشرك، فقد قال ربنا: ﴿ولا يشرك بعبادة ربه أحدا﴾. ولهذا درج العلماء والسلف على تفسير من معاني تفسير هذه الكلمات: ﴿ولا يشرك بعبادة ربه أحدا﴾، أدخل فيه حكم الرياء، كما قال ابن القيم رحمه الله تعالى: «قال والعمل الصالح هو السليم من الرياء، العمل الصالح هو السليم من الرياء». ولهذا وجد كثير من السلف من يستدل بهذه الآية على مسائل الرياء. وهكذا صنع المؤلف عندما أراد أن يبين أن الرياء من أنواع الشرك، وأن ينافي التوحيد، استدل بهذه الآية. وإذا علمنا أن الرياء يدور حكمه بين الشرك الأكبر والشرك الأصغر، فإذا سيأخذ أحكام الشرك، ومن أعظم أحكام الشرك إحباط الأعمال: ﴿لئن أشركت ليحبطن عملك﴾. وسيأتي معنا في دروس قادمة المسائل المتعلقة بإحباط عمل المرائي. المرائي ليس فقط متوعد بالنار وبالعقوبة، بل وأيضًا أعظم عقوبة يجدها في هذه الدنيا أن هذا العمل الذي عمله مردود على وجهه، وهذا من أعظم العقوبات المعجلة، ما عملته من طاعات وعبادات لإرادة نظر الناس يذهب عليك سُدى، ما تنتفع منه بشيء، ناهيك عما ستجده من عقوبة الآخرة، لأن الرياء من أبواب الشرك. فلا يشرك بعبادة ربه أحدًا، هذا إخواني في الله موضع الاستدلال المؤلف رحمه الله تعالى لهذه الآية في باب الرياء. وأيضًا هذه الآية حوت على مسائل نعرج عليها سريعا لما يناسبها من الكلام. في قوله سبحانه وتعالى: ﴿قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي﴾، والخطاب لرسول الله عليه الصلاة والسلام، وما أنت يا رسول الله؟ قال: بشر، ﴿قل إنما أنا بشر مثلكم﴾، فنبينا عليه الصلاة والسلام هو من جنس البشر، فهو يكون مثلهم، فهو يأكل كما يأكلون، يشرب كما يشربون، ينام كما ينامون، ويذهب ويدخل ويخرج، حاله كحال بقية البشر. وأيضًا يعتريه ما يعتري البشر، يصاب بالأمراض، يصاب بالأسقام، يشعر بالجوع، يشعر بالضمأ، يشعر بالتعب، بل تصيبه الجراحات عليه الصلاة والسلام، كما وقع في بعض الغزوات. وهو بشر، ليس عنده شيء يخرجه عن دائرة البشرية، فليس عنده شيء من خصائص الربوبية، فهو ليس ربًا كمن يعتقد بأن رسول الله عليه الصلاة والسلام من مكانته أنه يهدي القلوب، ويكشف الكروب، ويعلم الغيوب. من قال بهذا؟ هو بشر عليه الصلاة والسلام، أو أنه يغيث المضطرين، وأنه يغفر الذنوب، أو من يظن أن نبينا صلى الله عليه وسلم له منزلة الألوهية، يمكن أن يجعل له شيء من الطاعات، فذاك الذي يتقرب لرسول الله بالطاعات كالذي يستنجد به، والذي يهتف باسمه ويدعو بلقبه، هذا كلهم من الشرك بالله، لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمره ربه أن يقول للناس كافة: ﴿قل إنما أنا بشر مثلكم﴾. فهذه الآية في إثبات للبشرية التي خلق الله نبينا عليها. الفائدة الثانية: ﴿يوحى إلي﴾، وهذه فيها مزية لرسول الله عليه الصلاة والسلام، ما مزيته إذا كان هو بشريًا؟ مزيته أن الله خصه بالوحي: ﴿يوحى إلي﴾، هذه المزية، فهو نبي، هو رسول، هو مبعوث من قبل رب العباد جل في علاه. فإذا علمنا أن النبي صلى الله عليه وسلم هو نبي ورسول، إذن نعلم خطأ ما عليه بعض الناس في تصورهم لرسول الله، قديمًا لما رأوا منه الآيات والمعجزات كما يعبر عنها، وما جاء على يديه من خوارق العادات، سموه كاهنًا وساحرًا ومشعوذًا. حتى جاء كذلك أو ناس من بعد من الزنادقة من طعن في رسالته، وقال: إنما محمد بارع في الفلسفة. ثم جاء من المعاصرين من حكم على رسول الله بأنه عبقري من العباقرة، وقد ألفت كتب معاصرة قام أصحابها بذكر عباقرة العالم وأذكياء العالم، حتى وجد أن أحدهم كتب رقم واحد: محمد بن عبد الله عبقري استطاع بذكائه وبقوة إدراكه في فترة وجيزة أن يكون جيشًا عظيمًا وشعبًا كبيرًا بهذا الدين القويم، لكن وصفوه بالعبقرية. لا يا عبد الله، نبينا ليس عبقريًا كما يقول المعاصرون، وليس ببارع بالفلسفة كما يقول الزنادقة، وليس بكاهن ولا ساحر كما يقول الكفار، إنما هو وحي من الله يؤيده الله جل وعلا بالآيات والمعجزات وبخوارق العادات، فهو وحي، فهذا هو مقامه عليه الصلاة والسلام، أن الله ميزه بالوحي. الفائدة الثالثة: من خلال هذين الوصفين: ﴿قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إليه﴾، من خلال هذين الوصفين لرسول الله، تكتمل عندنا الجملة العظيمة والوصف الرائع الذي يطلق على رسول الله بأنه «عبد الله ورسوله». قول: «إنما أنا بشر»، إشارة إلى العبودية، وقول: «يوحى إليه»، إشارة إلى مقام الرسالة. فرسول الله صلى الله عليه وسلم جمع الله فيه مسألة البشرية مع الرسالة، وهي التي تسبك في قولنا: «محمد عبد الله ورسوله»، عبد الله بشر، رسوله وحي، بل هذا الذي أمرنا به نبينا صلى الله عليه وسلم أن نصفه به، قال كما جاء في البخاري من حديث عمر، قال: «فقولوا: إنما أنا عبد، فقولوا: عبد الله ورسوله». قد جاءت الأدلة الكثيرة في التشهد في غيره الجمع بين هذين الوصفين. فنبينا عبد، عبد فلا يُعبد، ورسول فلا يُعصى، عبد فلا يُعبد كما يفعله كثير من العوام الدهماء ممن لم يرتبوا ببشرية رسول الله ولا بعبودية، وإنما رفعوه حتى جعلوا في مصافي رب العباد، حتى قال بعض الناس: أنا أعبد الله وأعبد محمدًا. وهكذا في قوله: «ورسوله»، إشارة إلى مقام الرسالة، فليس بعبقري، وليس بذكي، وإنما هو وحي منزل من عند ربه سبحانه وتعالى. وفي هذه الآية كذلك من الفوائد: ﴿فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا﴾، فيه بيان لشرطي قبول الأعمال، لشرطي قبول الأعمال. العمل الصالح يقوم على أمرين اثنين: ﴿فليعمل عملا صالحا﴾، وهنا المتابعة، ولا يشرك بعبادة ربه أحدًا، هنا الإخلاص، فركني الأعمال الصالحة المقبولة عند الله بهذين الأمرين، كن يا عبد الله متبعًا، ولا يكون العمل الصالح إلا بالاتباع، أن تصوم كصومه، وتصلي كصلاته، وتتوضأ كوضوئه، وتحج كحجه، وتذكر الله كذكره. قال: أن تفعل ذلكم، والأمر الآخر أن تكون مخلصًا، أن يكون بإخلاص، أنك تتوجه إلى الله سبحانه وتعالى بالعمل الصالح، مبتغ بذلك وجه الله سبحانه وتعالى. الفائدة الأخيرة التي أختم بها هذا المقام في قوله سبحانه وتعالى: ﴿فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربي أحدا﴾، في قوله: ﴿فمن كان يرجو لقاء ربه﴾، الرجاء مقام الرجاء من المقامات العظيمة. لكن اعلم يا عبد الله أن الرجاء بالله لا يقوم على الأمان والتمني، أنا أرجو من الله الجنة، أنا أرجو من الله المغفرة، الرجاء نعم الرجاء بالله عظيم، وينبغي لكل مسلم ومسلمة أن يتحلى بهذا المقام العظيم، مقام الرجاء بالله سبحانه وتعالى، لكن هذا الرجاء لابد أن يكون مقرونًا بعمل، لأنك ترجو المغفرة وأنت لا تأتي بأسبابها، لأنك ترجو الجنة ولا تأتي بابها. لأنك ترجو من الله أن يخلصك من عذابه ومن غضبه وأنت قاحم في الشهوات والشبهات، والدليل على أن الرجاء يحتاج إلى عمل هذه الآية، قال الله: ﴿فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل﴾، من كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحًا، إذا مسألة الرجاء وإن كانت مسألة قلبية عقدية في القلب والباطن، لكن لابد لها من أمر ظاهر، وهو أنك تقرن هذا الرجاء العظيم بالله بعمل تبرهن فيه على عظيم رجائك بربك. هذا ما أذكر إخواني في الله من فوائد هذه الآية، وإلا فإن فوائدها كثيرة، لكن هذا من بعضها، ويهمنا في هذا أن نذكر موطن الشاهد من الآية، أن المؤلف رحمه الله تعالى أراد من إيراد هذه الآية ما جاء في قوله ربنا عز وجل: ﴿ولا يشرك بعبادة ربه أحدا﴾، أن العلماء أدخلوا في الشرك بعبادة الله الرياء، لأن المرائي في حقيقة أمره قد جعل مع الله شريكًا في طاعاته، وهو أنه أشرك لسان الناس وأعين الناس. فها هو يتقرب بالعبادات لا لله وإنما لفلان وفلان، ولهذا كما قلنا صاحب الرياء حكمه بين الشرك الأكبر والشرك الأصغر. أكتفي بهذا القول، والله تعالى أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.