شرح كتاب التوحيد 198

شرح كتاب التوحيد 198

الدرس في شرح كتاب التوحيد 198، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

مقدمة في الصبر على أقدار الله

يبدأ الدرس بالحديث عن أهمية الصبر على أقدار الله وتفسير الحديث الشريف "إذا أراد الله بعبده خيرا عجل له العقوبة في الدنيا". يُبين أن العقوبة تعني المؤاخذة بالذنب وتكفير السيئات.

رحمة الله في المصائب والابتلاءات وتكفير الذنوب

يُناقش الدرس فكرة أن المصائب والابتلاءات قد تكون رحمة من الله تعالى، حيث تُكفّر الذنوب وتُخفف العذاب في الآخرة. يُشير إلى أن الحدود والمصائب تعتبر كفارات لذنوب المسلمين.

علامات الخيرية والشر في العبد والصبر على المصائب

يشرح الدرس علامات الخيرية والشر في العبد بناءً على أحاديث النبي عليه الصلاة والسلام، ويوصي بالصبر على المصائب التي هي أقدار الله، ويحث على التسلح بالصبر والاحتساب وحسن الظن بالله.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، لازلنا إخواني في الله في هذا الباب، والذي بواب عليه المؤلف رحمه الله تعالى بقوله: باب من الإيمان بالله الصبر على أقدار الله. قال رحمه الله تعالى: وعن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا أراد الله بعبد إذا أراد الله بعبده الخير عجل له العقوبة في الدنيا، وإذا أراد بعبده شر أمسك عنه حتى يوافي به يوم القيامة». أورد المؤلف رحمه الله تعالى هذا الباب، وهذا من آخر الأحاديث التي تذكر في باب الإيمان بالله الصبر على أقدار الله. وأورد لنا المؤلف رحمه الله تعالى حديثا لأنس بن مالك رضي الله تعالى عنه، والذي فيه قال عليه الصلاة والسلام: «إذا أراد الله» وفيه إثبات لصفة الإرادة، فالله جل وعلا له إرادة تليق بجلاله، إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقوله: «كن فيكون»، فله إرادة. قال المؤلف: قال عليه الصلاة والسلام: «إذا أراد الله بعبده خيرا». إذا أراد الله بعبده العبودية، يقسمها العلماء إلى قسمين اثنين، العبودية تنقسم إلى قسمين اثنين: عبودية عامة، وهم كل من خلق الله، فكل من خلقه الله جل وعلا فهو عبد لله، فالمسلم عبد لله والكافر هو عبد لله، معبود، أي أن الله جل وعلا خلقه، إن كل من في السماوات والأرض إلا آت الرحمن عبدا، الكل سيأتيه على هيئة العبودية، فكل من في الكون عبيد لله، فالكون كونه والخلق عبيده، هذه العبودية العامة. وهناك العبودية الخاصة، وهي عبودية من استسلم لله، استسلم لدينه وشرعه، فهؤلاء هم عباد الله كما قال سبحانه: «وعباد الرحمن»، سماهم ربنا عباد الرحمن، إلى غير ذلك من الآيات. وهذا الحديث يتعلق بهؤلاء ممن دخل في الإسلام، يناديهم ربنا جل وعلا بلفظ العبودية، فقال عليه الصلاة والسلام: «إذا أراد الله بعبده خيرا عجل له العقوبة»، عجل له العقوبة، العقوبة قال العلماء معناها هي المؤاخذة بالذنب، هذا معنى العقوبة، ومنه العقاب، ومنه العقاب المؤاخذة بالذنب. ولماذا سميت عقوبة؟ عقوبة قال لأنها تعقب الذنب، تعقب الذنب، متى يكون العقاب؟ يكون العقاب بعد المخالفة، هذا المدرس إذا أراد أن يعاقب طالبا من طلابه ماذا يعاقبه؟ إذا وقع في مخالفة. وهذا الأب إذا أراد أن يعاقب ابنه، أو هذا المدير أراد أن يعاقب موظفا من موظفيه، أو هذا المسؤول أراد أن يعاقب أحدا من أفراد مؤسسته أو رعيته، متى تكون العقوبة؟ تكون بعد المخالفة، فلما كانت العقوبة تكون بعد الذنب سميت عقوبة لأنها تعقب أي تترتب على الذنب، تترتب على الذنب. فعرف العلماء العقوبة بأنها المؤاخذة بالذنب، فدل هذا الحديث على أن الذنب إذا فعلته يا عبد الله فإن لك عليه عقابا، وإن عليك عذابا، لكن من خيرية الله ومن خيرية العبد كذلكم أن الله جل وعلا يعجل لصاحبه العقوبة في الدنيا. وكيف عقوبة الدنيا؟ ما تجده يا عبد الله من المصائب، ما تجده من الفتن والمحن والأمراض والأسقام والفقر والضيق والشدة والنكبة والهم والغم والكرب والحزن، هذه المصائب عندما تتوالى عليك اعمل في ظنك أنها من ذنوب سلفت منك. وما من أحد إلا وله ذنب، قد مر معنا في درس قريب أنا ما من أحد معصوم، فكلنا ذوو ذنوب، لكن حنانيك بعضنا مستكثر وبعضنا مستقل، لكن كلنا نقع في الذنب والمخالفة، فعقوبتنا التي هي في الآخرة يعجلها الله لنا في الدنيا، تعجل لماذا تعجل؟ لأن بها تكفير عن ذنبنا، كما مر معنا في الحديث: «لا يزال البلاء بالمؤمن والمؤمنة في نفسه وماله وأهله حتى يلقى الله ما عليه خطيئة»، ما عليه خطيئة. ولهذا يا عبد الله لا تسيء الظن في الله إذا رأيت أن الفقر قد تمكن منك سنوات وأنت منذ تحت رعاية لأبيك إلى أن توفى الله أباك ولزمت على هذا الفقر، وتزوجت ولزمت على هذا الضيق، وأنجبت وهاهو قد كبر سنك وهرم عمرك ولزمت على الفقر، لا تسيء أن نظن بالله، لعل الله أراد بك خيرا، لربما كان عليك من الأوزار والذنوب والخطايا ما لو لقيت الله بها لا ذهبت عنك آخرتك، لكن رحمة الله بك أن الله عجل لك المصائب فاحتسب الأجر، احتسب الأجر على كل شيء. وهذا من سعة رحمة الله، لا تظن أن الأجر بما يكون من تكفير الذنوب إنما يكون في المصائب العظام، لا، يعبد الله قد مر معنا حتى الشوكة يشاكها، الشوكة تدري ما الشوكة؟ تأمل في مقدارها وما عسى أن تجلب عليك من الألم، كفارة لذنبك. ولهذا ما هو أعظم من ذلك ينبغي أن تحتسب الأجر فيه، يا من ابتلاهم الله بالأمراض كالأمراض العارضة من حمى من زكام من غير ذلك من رشح من كسور، هذه احتسب الأجر فيها. أو كانت أمراض مزمنة كمن يصاب بأمراض القلب أو أمراض الضغط أو أمراض السكر، أمراض الالتهابات المفاصل، ولا زال يتعاطى ويتجرع الأدوية المرة، توجر على هذه الأدوية المرة، أو يتعاطى يضرب الإبر، توجر على كل إبرة تغرز فيه جسدك، يا أيها المريض، فما ظنك بالذي ومقعد في الفراش ما يهنأ بطعام ولا يهنأ بشرب، فإن الأجر يحسب له فضلا من الله. وهكذا قل في حق من أصيب بالفقر، وما تمتع في دنيا يتحسر لنفسه أو لعياله أن ما متعهم، لكن لعل الله أراد لك المتعة في الآخرة، فلا تستعجل يا عبد الله في رزقك وما أعده الله لك. فينبغي أن نعلم أن ليس من الصحيح ما عليه الكثير من الناس أن البلايا والمصائب دلالة على غضب الله، بل أحيانا هي من خيرية، لقد تكون هي عقوبة على ذنب فعلته، لكنه كذلك مع أن العقوبة رحمة تصف الحسابات في الدنيا، حتى الحدود كما جاء في الصحيح قال عليه الصلاة والسلام: «الحدود كفارات لأهلها»، كفارة رجل إذا سرق فقطعت يده خلاص كفارة، كفارة لذنبه، أو إذا زنى فجلد أو رجم كفارة لذنبه، أو شرب الخمر فجلد كفارة لذنبه، الحدود كفارات. وهكذا المصائب كفارات، ولهذا كانت هذه من أعظم رحمة الله بهذه الأمة الإسلامية أن تتوالى علينا المصائب. ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: «أمتي أمة مرحومة»، أمتي أمة مرحومة، أين وجه الرحمة؟ قال عليه الصلاة والسلام: «ليس عذابها في الآخرة، عذابها في الدنيا الفتن والزلازل والقتل»، هنا الرحمة، هذه الرحمة التي عناها نبينا لهذه الأمة المحمدية، أمتي أمة مرحومة، ليس عذابها في الآخرة، طبعا هذه الجملة قال جماعة من أهل العلم هذا ليس حكم كلي بل هذا حكم أغلبي، أي أن غالب الأمة ستعذب في الدنيا لكن بالمقابل أن لا تعذب في الآخرة. وهذا رحمة رحمة من الله جل وعلا أن الله يعجل علينا في الدنيا ما لا يكون لنا شيء في الآخرة. فذكر نبينا عليه الصلاة والسلام. ولماذا لا نقول أنه حكم كلي بأنه حكم أغلبي؟ لأن عندنا من الروايات ما تدل على أن من أبناء الأمة من سيعذب في النار، صنف من أمة محمد صلى الله عليه وسلم لم أرهم، قوم معمصيات كأذناب البقر، ونساء كاسيات عاريات. ولما دخل في ليلة الإسراء أو في رؤيا عندما رأى ذلكم الذي يسبح في نهر من الدم وكان آكل الربا، أي أن النبي رأى أقواما دخلوا النار، إذن نقول هذا الحديث مع تلكم الأحاديث يدل على أن هذا الحكم أغلبي وليس كلي، فغالب الأمة المحمدية ما يكون من مصائبها هي كفارة لها في دنياها على حساب أن لا يكون لها عذاب في الآخرة، فنسأل الله عز وجل أن يتغمدنا برحمته. قال عليه الصلاة والسلام: «أمتي أمة مرحومة ليس عذابها في الآخرة وإنما عذابها في الدنيا الفتن والزلازل والقتل»، وما يقع من قتل وقتال على أيدي الكفار، وإن كان هذا نتحسر عليه، لكن بالمقابل نستأنس أن هؤلاء ممن قد ادخل لهم الله حسن الختام يوم القيامة. ثم قال عليه الصلاة والسلام: «وإذا أراد الله بعبده شرا أمسك عنه حتى يوافي به يوم القيامة». انتهينا من علامة الخيرية، الخيرية للعبد أن الله عز وجل يعجل له العقوبة على ذنبه في دنياك، في دنياك. لكن علامة الشر لصنف من الناس أن الله يمسك عنه العقوبة، بمعنى أن الله لا يعاقبه، بمعنى أن الله لا يعجل عليه عقوبة الدنيا، لا يعجل عليه عقوبة الدنيا، وإنما يترك يأكل يشرب يتمتع يلهو كما تفعل الأنعام. لكن بالمقابل هذا النعيم الدائم في الدنيا الذي أمسك الله عنه العقوبة، فإنه إذا قامت القيامة حاسبه الله جل وعلا على كل ذنوبه وهو هالك لا محالة، فهذه من علامة الشر بالعبد، فلا تحسب يا عبد الله أن ما يعطيك الله من النعم هو خير لك. وقد مر معنا درس الاستدراج، فالله عز وجل قد يستدرج العباد، ومن أعظم صور الاستدراج والمكر بالعبد أن الله يمده بالنعم، يمده بالنعم، فالنعم قد تكون استدراجا. ولهذا أخبر نبينا عليه الصلاة والسلام أن من علامة الشر في العبد أن الله يمسك عنه عقوبة الدنيا، هذا ما الذي وراءه؟ وراءه أن الله إذا قبضه يوم القيامة وفاه على كل ذنوبه، على كل ذنوبه. ومن هنا يا عبد الله ستفهم معنى قول ربنا عز وجل: «وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم»، كم من أشياء نكرهها ولا نستسيغها لكنها في حساب الله خير لنا، وكم من أشياء نحبها ونريدها وأن في الحقيقة شر لنا. وقد أورد الإمام البخاري في الأدب المفرد من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن أعرابيا أتى عند النبي صلى الله عليه وسلم فقال له رسول الله: «أصابتك أم ملدم؟» أصابتك أم ملدم؟ وأم ملدم هذه عند العرب بمعنى الحمى، الحمى عند العرب تسمى بأم ملدم، فقال نبي للأعرابي: «أصابتك أم ملدم؟» فقال الرجل: وما أم ملدم؟ فقال عليه الصلاة والسلام: «حر بين الجلد واللحم»، حمى. وانظر إلى بديع التشخيص النبوي: «حر»، أي حرارة بين الجلد واللحم، فقال الرجل الأعرابي: لا، ما أصبت بها، هذه أم ملدم الحمى، لا ما أصبت بها، ما أعرف شيئا اسمه حرارة جسمي. فقال له عليه الصلاة والسلام: «أصدعت؟» فقال الأعرابي: وما صداع؟ فقال عليه الصلاة والسلام: «ريح تعترض الرأس فتضرب العروق»، وتأمل لتشخيص النبي لمسألة الصداع: «ريح تضرب الرأس»، ريح تعترض الرأس فتضرب العروق، فقال الرجل: ما صدعت، هذا رجل ما أصيب بحمى ولا يعرف صداعا، فلما قام الرجل من مجلس رسول الله قال نبينا لمن حوله من سره أن ينظر إلى رجل من أهل النار فلينظر إلى هذا، فلينظر إلى هذا وأشار إليه. هذا عندنا لربما من بعض الناس، لربما يحسن عليه رجل ما يعرف صداعا ولا يعرف حمى في طيلة عمره، يا بخت هذا، لا كيف يا بخت هذا، ما يعاقب ما يبتل ببلاء أبدا، صحة دائما، هذا نذير خطر، نذير خطر. ومن هنا كما قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: قال والمصائب نعمة ورحمة من الله، صحيح، حتى قال رحمه الله: قال لو أن الرجل من أفجر الناس من أفجر الناس وأصيب بالمصائب كان من حقها أن تخفف من ذنبه، لو كان الرجل فاجر فاجر ماجن أصيب بمصيبة اعلم أن المصيبة ستخفف من فجوره ومن إثمه وذنبه. ولهذا يا عبد الله لا تستثقل المصائب إذا ابتليت بها، شهد إخواني في الله أن المؤلف أورد لنا هذا الحديث في باب الصبر على أقدار الله، إشارة إلى أنه ما من مسلم إلا وسيبتلى، إذا أراد الله بعبده خيرا عجل له العقوبة في الدنيا، عقوبة الدنيا المصائب، فحينها تسلح يا عبد الله بالصبر وبالاحتساب وباليقين وبحسن الظن بالله حتى يعطيك الله جل وعلا عظيم الجزاء. أسأل مولانا جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.