الدرس في شرح فتح المجيد 26، ألقاها
يشرح حديث عبادة بن الصامت حول الإيمان بالجنة والنار، ويبين أن الجنة والنار مخلوقتان الآن مستدلًا بآيات قرآنية وأحاديث نبوية. يُظهر ذلك اعتقاد أهل السنة والجماعة في خلق الجنة والنار وبقائهما.
يتناول شرح حديث النبي صلى الله عليه وسلم حول فضل التوحيد ودخول الجنة، ويوضح معنى دخول الجنة على ما كان من العمل. التوحيد له القدرة على محو آثار الذنوب والمعاصي عندما يظهر في القلب.
لا إله إلا الله لا تنفع قائلها إلا إذا نطق بها وعلم معناها وعمل بمقتضاها بإخلاص ويقين. من قالها بصدق وإخلاص حرمه الله على النار، وأما من قالها بلا إخلاص أو مع شرك فلا تنفعه.
بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا، ثم ما بعد. قال الشيخ عبد الرحمن بن حسن رحمه الله تعالى في شرح قول رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث عبادة بن الصامت: «والجنة حق والنار حق»، أي: وشهد أن الجنة التي أخبر بها تعالى في كتابه أنه أعدها للمتقين حق ثابت لا شك فيها، وشهد أن النار التي أخبر بها تعالى في كتابه أنه أعدها للكافرين حق كذلك ثابتة، كما قال تعالى: ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾، وقال تعالى: ﴿فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾. وفي الآيتين ونظائرهما دليل على أن الجنة والنار مخلوقتان الآن، خلافًا للمبتدعة. قوله رحمه الله تعالى: «قوله أي في قوله صلى الله عليه وسلم والجنة حق والنار حق أي وشهد»، لأن العطف يقتضي تكرار العامل، لأنه بنية تكرار العامل. فالحديث أوله: «من شهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله وأن عيسى عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه»، أو قال: «والجنة حق والنار حق». وجاء في بعض الألفاظ: «أن الجنة حق والنار حق»، أي: وشهد. وشهد أن الجنة حق، أو: وشهد أن الجنة حق والنار حق. والجنة منصوب بإن مقدرة، تقديرها: وإن الجنة حق، أو: وأن الجنة حق. قوله رحمه الله تعالى: «وشهد أن الجنة التي أخبر بها تعالى»، أي: جنة الخلد التي أخبر الله عز وجل بها في كتابه، وأنه أعدها للمتقين حق ثابت لا شك فيها. وكذلك شهد أن النار كذلك، أي: أنه حق ثابت لله عز وجل لا شك فيه ولا ريب. قال: «وفيهما الإيمان بالمعاد». قوله رحمه الله تعالى: «وفي قول الله عز وجل بعد أن ذكر قول الله عز وجل سابقًا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها كعرض السماء والأرض أعدت للذين آمنوا»، وكذلك في النار: «فاتقوا النار التي وقودها الناس والحجارة أعدت للكافرين». في قوله: «هاهنا أعدت»، وفي الآية الأخرى: «أعدت». قالوا: في الآيتين ونظائرهما دليل على أن الجنة والنار مخلوقتان الآن، لأن الله عز وجل قال: «أعدت»، فهو يدل على أن الجنة والنار قد خلقتا. وجاء هذا المعنى مصرحًا في حديث أبي هريرة في الصحيحين، وجاء مطولًا في مسند أحمد من حديث أبي هريرة أيضًا. وفيه: أن الله عز وجل لما خلق الجنة أرسل جبريل، فقال له: «يا جبريل، اذهب فانظر إليها». فرجع إليها، فقال جبريل: «وعزتك وجلالك، لا يسمع بها أحد إلا دخلها». ثم تحجب الجنة بالمكاره، ثم يقول له ربنا عز وجل: «إذا فانظر إليها». فينظر إليها جبريل، فيقول: «وعزتك يا رب، لا يراها أحد إلا دخلها لشدة ما رأى من المكاره المحيطة بها». ثم قال: «ولما خلق الله النار، قال جبريل: اذهب فانظر إليها». فنظر إليها، فإذا هي يحطم بعضها بعضًا، فقال: «وعزتك وجلالك، لا يسمع بها أحد فيدخلها». ثم حفت بالشهوات، فيقول ربنا عز وجل لجبريل: «إذا فانظر إليها». فينظر إليها، فيقول: «وعزتك وجلالك، لا يسمع بها أحد فلا يدخلها». فالشاهد من هذا الحديث: أن فيه أن الله عز وجل لما خلق الجنة ولما خلق النار، وهذا يدل على أن الجنة والنار مخلوقتان. قال: «وقد جاءت أدلة كثيرة تدل على هذا المعنى». وكما جاء أيضًا في الصحيح: «أن الزمهرير الذي يجده الناس في أيام الشتاء، وكذلك شدة الحر الذي يجدها الناس في شدة الحر، هذا إنما هو من نفسين من نفسي جهنم». وذلك حينما شكت النار إلى ربها عز وجل، فقال: «إن بعضي أكل بعضي». فأذن لها ربنا عز وجل بنفسين: نفس في الصيف ونفس آخر في الشتاء، قال: «فذلك الذي تجدونه». فهذا يدل على أنهما مخلوقتان الآن. هذا هو معتقد أهل السنة والجماعة في الجنة والنار: أنهما مخلوقتان الآن، وأنهما أبديتان، بخلاف المعتزلة في وجود الجنة والنار الآن. فالمعتزلة يقولون: إن الجنة والنار ليستا موجودتين الآن، لأن وجودهما الآن عبث، والله منزه عن العبث. وفي المقابل، الجهمية يقولون: إن الجنة والنار تبيدان وتفنيان. وأهل الحق يقولون: إن الجنة والنار مخلوقتان الآن، وأنهما باقيتان إلى الأزل. قوله رحمه الله تعالى: «أدخله الله الجنة على ما كان من العمل»، أي: من قام بالأعمال السابقة. في قوله صلى الله عليه وسلم: «من شهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله وأن عيسى عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه وأن الجنة حق والنار حق». قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أدخله الله الجنة على ما كان من العمل». قال الشيخ رحمه الله تعالى: «هذه الجملة جواب الشرط». لأن الشرط جاء في: «من فعل كذا». وكان جوابه: «ففعل». فالشرط في قوله: «من شهد»، واضحة. وجوابه: «أدخله الله الجنة». لذا قال الشيخ رحمه الله تعالى: «هذه الجملة جواب الشرط». قال: «وفي رواية: أدخله الله الجنة من أي أبواب الجنة الثمانية شاء». وكما ترون في هذا الحديث فضل عظيم لأهل التوحيد. وهذا هو الشاهد من هذا الحديث لهذا الباب: «باب بيان فضل التوحيد وما يكفر من الذنوب». النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «أدخله الله الجنة على ما كان من العمل». وفي هذا الحديث إشكال، إذ أن الأدلة الأخرى من كتاب الله عز وجل ومن سنة رسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم دلت على أن أناسًا من أهل التوحيد يدخلون النار بسبب سيئاتهم ومعاصيهم. قال الحافظ ابن حجر: «لكن أهل التوحيد لابد لهم من دخول الجنة»، إما حالا وإما مآلا. لماذا؟ لأنهم تحت مشيئة الله عز وجل. إن فعلوا الذنوب، فهم تحت مشيئة الله عز وجل. فإن شاء عفى عنهم، فدخلوا الجنة دخولا أوليا. وإن شاء عذبهم بقدر ذنوبهم، ثم مآلهم إلى الجنة. ويحتمل أن يكون معنى قوله: «على ما كان من العمل»، أي: يدخل أهل الجنة الجنة على حسب أعمالهم. كل منهم في الدرجات بحسب عمله. من كان عنده أعمال كثيرة، كان في أعلى الجنة. ومن كان دون ذلك، كان دون ذلك. قال القاضي عياض: «ما ورد في حديث عبادة يكون خصوصًا»، وجاء في بعض النسخ: «مخصوصًا»، لمن قال ما ذكره النبي صلى الله عليه وسلم، وقرن بالشهادتين حقيقة الإيمان والتوحيد الذي ورد في حديثه. بمعنى أنه حقق التوحيد وحقق الإيمان. فيكون له من الأجر ما يرجح على سيئاته، ويوجب له المغفرة والرحمة ودخول الجنة لأول وهلة. قال العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى: «والمقصود أن كلمة التوحيد إذا شهد بها المؤمن عارفًا لمعناها وحقيقتها، نفيًا وإثباتًا، متصفًا بموجبها، راسخًا قلبه ولسانه وجوارحه بشهادته، فهذه الكلمة من هذا الشاهد أصلها ثابت راسخ في قلبه، وفروعها متصلة في السماء». وهي مخرجة لثمرتها كل وقت. قال: «ولهما في حديث عتبان: فإن الله حرم على النار من قال لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله». قال الشيخ رحمه الله تعالى: «قوله ولهما أي للبخاري ومسلم في صحيحهما بكماله». قالوا: «هذا طرف من حديث طويل أخرجه الشيخان». قالوا: «عتبان بكسر المهملة بعدها مثنى فوقية ثم مواحدة ابن مالك ابن عمر ابن عجلان الأنصاري من بني سالم ابن عوف، صحابي مشهور، مات في خلافة معاوية». قال: «أخرجه البخاري في صحيحه بسنده عن قتادة قال: حدثنا أنس بن مالك: أن النبي صلى الله عليه وسلم ومعاذ الرديفه على الرحل، قال: يا معاذ». قال: «أبيك يا رسول الله وسعديك». قال: «يا معاذ». قال: «أبيك يا رسول الله وسعديك». قال: «يا معاذ». قال: «أبيك يا رسول الله وسعديك». ثلاثًا. قال: «ما من أحد يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله صدقا من قلبه إلا حرمه الله تعالى على النار». قال: «يا رسول الله، أفلا أخبر به الناس فيستبشروا؟» قال: «إذن يتكلوا». فأخبر بها معاذ عند موته تأثمًا. قال الشيخ رحمه الله تعالى: «فتبين بهذا السياق معنى شهادة أن لا إله إلا الله، وأنها تتضمن ترك الشرك لمن قالها بصدق ويقين وإخلاص». إذن لا إله إلا الله لا تكون نافعة إلا أولًا بالنطق بها، ثانيًا بالعلم بمعناها، ثالثًا بالعمل بمقتضاها: بأن يختص العبادة لله عز وجل، وأن ينتفي من الشرك تمامًا، ويبتعد من الشرك تمامًا ومن أهله. قال العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى في مدارج السالكين: «ولهذا من رجحت حسناته على سيئاته أفلح ولم يعذب، ووهبت له سيئاته لأجل حسناته». ولأجل هذا يغفر لصاحب التوحيد ما لا يغفر لصاحب الإشراك. فمن لقيه لا يشرك به شيئًا البته، غفر له ذنوبه كلها كائنة ما كانت، ولم يعذب بها. قال: «ولسنا نقول إنه لا يدخل النار أحد من أهل التوحيد». بل كثير منهم يدخل بذنوبه، ويعذب على مقدار جرمه، ثم يخرج منها. ولا تنافي بين الأمرين لمن أحاط علمًا بما قدمناه. قال: «اعلم أن أشعة لا إله إلا الله تبدد من ضباب الذنوب وغيمها بقدر قوة ذلك الشعاع وضعفه». فلها نور، وتفاوت أهلها في ذلك النور قوة وضعفًا لا يحصيه إلا الله تعالى. فكلما قويت، كانت سببا لإحراق الذنوب وإضعاف الشهوات. قال شيخ الإسلام: «لكن جاءت مقيدة بالقيود الثقال». لا إله إلا الله التي تنجي من النار، جاءت مقيدة بقيود ثقال. وأكثر من يقولها لا يعرف الإخلاص. كما ذكرنا، قد يراد: لا يعرف الإخلاص أصل الإخلاص لله عز وجل، فيكون كافرًا. وقد يراد: تمام الإخلاص، بأن يشرك مع الله عز وجل غيره شركًا أصغر. قال: «وغالب من يفتن عند الموت وفي القبول أمثال هؤلاء الذين يقولون: إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون». كما في الحديث: «سمعت الناس يقولون شيئًا فقلته». فهذا مقلد، نطق بلا إله إلا الله ولم يعلم معناها، ولم يعتقد كذلك معناها، ولم يعمل كذلك بمقتضاها. فهذا لا تنفعه لا إله إلا الله. قال: «فإذا قالها بإخلاص ويقين تام، لم يكن في هذه الحال مصرا على ذنب أصلا». فإن كمال إخلاصه ويقينه يجب أن يكون الله أحب إليه من كل شيء. فإذا لا يبقى في قلبه إرادة لما حرم الله، ولا كراهة لما أمر الله. لأنه حقق العبودية، ورضي بالله عز وجل ربا. وهذا هو الذي يحرم على النار. الذي قوي توحيده وقوي إيمانه، بحيث أن الشبهات والشهوات تتلاشى أمامه. قال: «وإن كانت له ذنوب قبل ذلك، فإن هذا الإيمان وهذا الإخلاص وهذه التوبة وهذه المحبة وهذا اليقين لا يتركون له ذنبا إلا محي عنه». كما يمحو الليل النهار. فالتوحيد ونور التوحيد إذا ظهر وبزغ، لم يبق لظلام الذنوب شيئًا.