الدرس في شرح فتح المجيد 10، ألقاها
شرح الشيخ عبد الرحمن بن حسن لتفسير آية الذاريات وتناول معنى العبادة والإسلام العام والخاص. أوضح أن الله خلق الخلق ليعبدوه وحده لا شريك له.
يناقش تفسير آية 'وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون' ويبين أن العبادة تعني توحيد الله بفعل أوامره واجتناب نواهيه. يوضح أن الله خلق الجن والإنس ليعبدوه بإرادتهم.
يشرح الفرق بين الإرادة الشرعية والإرادة الكونية لله عز وجل، وكيف أن بينهما عموم وخصوص وجهي. يبين أن الإرادة الشرعية تتعلق بما يحبه الله شرعًا، بينما الإرادة الكونية تتعلق بما يقع في الكون.
بسم الله قال الشيخ عبد الرحمن بن حسن رحمه الله تعالى: قال العماد بن كثير: من هو العماد بن كثير يا جماعة؟ صعب التفسير. طيب، لماذا قيل له العماد عماد الدين؟ طيب، احسن. طيب، وهذه كما ذكر أخونا كانت القابل يذكرها واشتهرت وانتشرت في بعض العصور، انتشرت واشتهرت في بعض العصور. وقد كان ينكرها بعض أهل العلم رحمهم الله تعالى، وإن كانت منسوبة إلى بعضهم كتقي الدين وزكي الدين، وكما ها هنا عماد الدين وماذا محيي الدين محيي السنة، إلى غير ذلك من العبارات، فهي دخيلة؛ لأن فيها معنى التزكية، فيها معنى التزكية. لذا أنكرها بعض أهل العلم، وإن لقب بها، وإن لقب بها، حتى يذكر عن شيخ الإسلام رحمه الله تعالى أنه أنكرها، فقيل له: فإنك تقي الدين، قال: كذلك سماني أهلي، أو لقبني أهلي، أو كما قال رحمه الله. طيب، نرجع إلى مقصود الكتاب. قال رحمه الله تعالى: قال العماد ابن كثير: ﴿وَعِبَادَتُهُ﴾ أي في قول الله عز وجل: ﴿إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾، قال: وعبادته هي طاعته بفعل مأمور وترك المحظور، وترك المحظور. وكما مر معنا في كلام العلامة ابن القيم: أن الأحكام الشرعية أنها كم؟ خمسة، ومدارها على كم؟ على ثلاثة أشياء: على اللسان، والقلب، والجوارح. قال رحمه الله تعالى: قال: وعبادته هي طاعة بفعل مأمور وترك محظور، وهي طاعته بفعل يكون حقيقة دين الإسلام، وذلك هو حقيقة دين الإسلام؛ لأن معنى الإسلام الاستسلام لله؛ لأن معنى الاستسلام: الاستسلام لله تعالى المتضمن غاية الانقياد والذل والخضوع. واضح يا جماعة، لماذا سمي المسلم مسلمًا؟ لأنه مستسلم لله عز وجل، لأنه مستسلم لله عز وجل، مطيع لله عز وجل، مطيع لله عز وجل. وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرًا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم، هذا حال المؤمن، وهذا حال المسلم: أن يسلم تسليمًا لأحكام الله عز وجل الشرعية والقدرية. قال رحمه الله تعالى: طيب، قبل أن ننتقل إلى غيره، قال رحمه الله تعالى: لأن معنى الإسلام الاستسلام لله تعالى، هذا باعتبار معناه العام، فالإسلام معناه الاستسلام لله تعالى، الاستسلام لله تعالى المتضمن غاية الانقياد والذل والخضوع، وهذا عام، وهذا الذي جاءت به الرسل من أولهم إلى آخرهم. فالإسلام جاءت به الرسل من أولهم إلى آخرهم، ومعناه الاستسلام لله عز وجل والخضوع، وكذلك الذل والانقياد لأحكام الله عز وجل، فهذا هو الإسلام العام، كما قال ربنا جل في علاه: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾. واضح يا جماعة، وهذا عام في جميع الأديان، وهذا عام في جميع ما بعث الله عز وجل به رسله، فال، يدعون إلى ماذا؟ يدعون إلى الإسلام، الكل يدعون إلى الإسلام، وهو كما سمعتم: الملقب بالإسلام العام، والإسلام الخاص: هو الذي جاء به محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، كما في قول الله جل وعلا: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾، فالإسلام في هذه الآية: إسلام خاص، وهو الذي جاء به محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. وأيضًا في قول الله جل وعلا: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾، فالإسلام ها هنا كذلك: الإسلام الخاص الذي جاء به محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، والذي لا يقبل الله عز وجل دينًا سواه بعد بعثة محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. واضح هذا يا جماعة، وهذا كما ذكر من أهل العلم: أن الإسلام ينقسم إلى قسمين، ومنهم شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: إسلام عام، وإسلام خاص. قال رحمه الله تعالى: وقال أيضًا -أي ابن كثير- في تفسير هذه الآية، ومعنى الآية -أي قول الله عز وجل: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾- قال: "إن الله تعالى خلق الخلق ليعبدوه وحده لا شريك له"، ما هو معنى الآية؟ يقول ابن كثير رحمه الله تعالى: "إن الله تعالى خلق الخلق ليعبدوه وحده لا شريك له". وقال أيضًا في تفسير هذه الآية، ومعنى الآية: "أن الله تعالى خلق الخلق ليعبدوه وحده لا شريك له". واضح يا جماعة. قال: فمن أطاعه جازاه أتم الجزاء، ومن أطاعه جازاه أتم الجزاء، ولا يظلم ربك أحدًا. وكما قال الله عز وجل: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾. قال رحمه الله: ومن عصاه عذبه أشد العذاب، ومن يعمل مثقال ذرة شرًا يره. قال رحمه الله تعالى: وأخبر أنه غير محتاج إليهم -أي إلى الناس أجمعين- أنه غير محتاج إلى أحد سبحانه وتعالى، قال: بل هم الفقراء إليه في جميع أحوالهم، وهو خالقهم ورازقهم سبحانه وتعالى. فالفقر الذاتي ملازم للمخلوق، الفقر الذاتي ملازم للمخلوق، لا ينفك عنه أبدًا، والغنى الذاتي المطلق ملازم للخالق سبحانه وتعالى، لا ينفك عنه أبدًا. فالله عز وجل هو الغني، وما عداه سبحانه وتعالى هم الفقراء، لذا قال ربنا جل وعلا في هذه الآية بعد أن قال: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾، ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون، ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾. وكما قال الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ * إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ﴾. واضح هذا يا جماعة. فالله غني عنا وغني عن كل خلق سبحانه وتعالى، بل العباد كلهم فقراء إلى ربهم عز وجل في هدايتهم، وفي أرزاقهم، وفي إحيائهم، وفي هدايتهم، إلى غير ذلك من المعاني، فالكل فقراء إلى الله عز وجل بكل ما يحمل هذا المعنى، وهذا اللفظ: الناس فقراء، بل كل الخلق فقراء بمعنى هذا اللفظ، وكل ما دل عليه هذا اللفظ من المعنى: الناس محتاجون إلى الله عز وجل، فقراء إلى الله عز وجل في أحوالهم، في حركاتهم، في قواتهم، في أقواتهم، في هدايتهم، في كل شيء. لذا الإنسان يحتاج أن يكون دائمًا مستعينًا بالله عز وجل، طالبًا من الله عز وجل التوفيق والعون في كل شيء، وهذا هو معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ»، لا حول ولا قوة إلا بالله؛ أي: لا تحول العبد من حال إلى حال، ولا قوة للعبد إلا بمن؟ إلا بالله عز وجل. إذن العباد كلهم فقراء، والله عز وجل هو الغني، والله عز وجل هو الغني وحده سبحانه وتعالى. قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه في الآية، في قوله: ﴿إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾، قال: "إلا لآمرهم أن يعبدون، وأدعوهم إلى عبادتي". وقال مجاهد: "إلا لآمرهم وأنهاهم". قال: اختاره الزجاج وشيخ الإسلام، ذكر هذا القول عن هؤلاء الأئمة رحمهم الله، وعن هؤلاء الصحابة، غير واحد من المفسرين، غير واحد من المفسرين، لكنهم لم يذكروا لهذين الأثرين إسنادًا، لم يذكروا لهذين الأثرين إسنادًا. ولكن المفسرين، أو كثير من المفسرين، يذكرون هذا القول عن علي رضي الله عنه، وعن مجاهد رضي الله عنهما أجمعين. وكذلك ذكروا أن هذا القول اختاره الزجاج، وهو من أئمة اللغة رحمه الله تعالى -يكنى أبا إسحاق، واسمه إبراهيم المسلم، وهو من أئمة النحو رحمه الله تعالى واللغة-، من أئمة النحو واللغة. وذكر هذا عنه كما ذكر المحقق هاهنا، ذكر هذا الأثر عنه ابن الجوزي في "زاد المسير" في المجلد الثامن صفحة اثنين وأربعين، وكذلك ذكره عنه القرطبي، وكذلك ذكره عنه القرطبي، كما ذكره عن علي وابن عباس، كما في تفسيره في المجلد السابع عشر صفحة ستة وخمسين. قوله رحمه الله تعالى: قوله رحمه الله تعالى: "اختاره الزجاج وشيخ الإسلام"، فيه إشارة إلى ماذا؟ إشارة إلى أن هذا القول في هذه المسألة مختلف فيه، وإلى أن هذا التفسير -أي في قول الله عز وجل: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾- قوله: قال علي كذا، وقال مجاهد كذا، واختاره فيه إشارة إلى ماذا؟ إلى أن في المسألة خلاف، وأن هذا هو المختار عند الزجاج، وكذلك عند شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله الجميع. وهذا كما سيأتي: أنه هو المتعين. قال: ويدل على هذا قوله تعالى: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى﴾، قال الشافعي: "لا يؤمر ولا ينهى". هذا القول من الشافعي ذكره الشافعي ورحمه الله تعالى في كتابه "أحكام القرآن" في المجلد الأول صفحة 36. وقال رحمه الله تعالى -أي الشافعي-: "فلم يختلف أهل العلم بالقرآن فيما علمت أن السدى: الذي لا يؤمر ولا ينهى، الذي لا يؤمر ولا ينهى". واضح هذا يا جماعة، فهذا التفسير ليس هو قول الشافعي فحسب، بل هو قول كل المفسرين، كما نقل على هذا الإجماع من الشافعي. واضح يا جماعة. قال الشافعي رحمه الله تعالى: "فلم يختلف أهل العلم بالقرآن فيما علمت أن السدى: الذي لا يؤمر ولا ينهى". وحسبك بهذا الإجماع في هذه المسألة من الإمام الشافعي رحمه الله تعالى في هذه المسألة. واضح يا جماعة. فهذا يؤكد ويدلل على أن معنى قول الله عز وجل: ﴿إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾؛ أي: إلا ليوحد الله عز وجل بفعل أوامره واجتناب نواهيه. قال رحمه الله: وقال في القرآن في غير موضع: ﴿اعْبُدُوا رَبَّكُمْ﴾، ﴿اتَّقُوا رَبَّكُمْ﴾؛ فقد أمرهم بما خلقوا له، وأرسل الرسل بذلك؛ فقد أمرهم بما خلقوا له، بماذا؟ أمرهم: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ﴾. واضح يا جماعة، بعبادة ماذا؟ بعبادة سبحانه وتعالى، وبقول: ﴿اتَّقُوا رَبَّكُمْ﴾؛ أي: بتقوى الله عز وجل. قال: فقد أمرهم بما خلقوا له، لماذا خلقوا؟ للعبادة. واضح يا جماعة. قال رحمه الله: وأرسل الرسل بذلك، أرسل الرسل بماذا؟ لأجل أمر أقوامهم بعبادة الله عز وجل، ماذا؟ وحده سبحانه وتعالى. قال رحمه الله: وأرسل الرسل بذلك، وهذا المعنى هو الذي قصد بالآية قطعًا، وهو الذي يفهمه جماهير المسلمين، ويحتجون بالآية عليه؛ أي: أن جماهير المسلمين يحتجون بهذه الآية على ماذا؟ على أنهم إنما خلقوا لأجل عبادة الله عز وجل وحده، وهذا معروف مستقر لمن تأمله. واضح يا جماعة. قال رحمه الله: وهذه الآية تشبه قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾، وما أرسل من رسول إلا ليطاع بإذن الله، قال: ثم قد يطاع وقد يعصى. واضح يا جماعة. ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾، ﴿وَمَا خَلَقْنَا الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾، تأمل في هذه الآية، وفي الآية الأخرى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾، ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾. واضح يا جماعة، فالآية تشبه الآية، ثم قد يطاع وقد يعصى؛ أي: الرسول، ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾، ثم قد يطاع هذا الرسول، وقد ماذا؟ وقد لا يطاع. والله عز وجل قال في الآية السابقة: ﴿وَمَا خَلَقْنَا الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾، ثم منهم من يعبد الله، ومنهم من لا يعبد الله، ثم قد يطاع وقد يعصى، وكذلك ما خلقهم إلا لعبادته، ثم قد يعبدون وقد لا يعبدون. واضح هذا يا جماعة. قال رحمه الله تعالى: وهو سبحانه لم يقل: إنه فعل الأول -وهو خلقهم- في قوله: ﴿وَمَا خَلَقْنَا الْجِنَّ وَالْإِنْسَ﴾؛ ليفعل بهم كلهم الثاني -وهو عبادته-، تأملوا في هذا المعنى. قال رحمه الله: وهو سبحانه لم يقل: إنه فعل الأول -وهو ماذا؟ خلقهم-، ﴿وَمَا خَلَقْنَا الْجِنَّ وَالْإِنْسَ﴾؛ ليفعل بهم كلهم الثاني -وهو ماذا؟ وهو عبادته-، قال: ولكن ذكر الأول -وهو خلقهم-؛ ليفعلوا هم الثاني -وهو ماذا؟ وهو عبادته وحده سبحانه-. واضح هذا يا جماعة، في إشكال: طيب، قال: فيكونوا هم الفاعلين له، فيحصل لهم بفعله سعادتهم، ويحصل ما يحبه ويرضاه منهم، ولهم. انتهى كلامه رحمه الله تعالى. واضح هذا المعنى يا جماعة، لا يقول رحمه الله تعالى: الله عز وجل يقول: ﴿وَمَا خَلَقْنَا الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾، الله عز وجل خلق الإنس وخلق الجن، هل خلقهم وكلهم صاروا عبادًا لله عز وجل له؟ كما خلقهم صاروا عبادًا له؟ هيا يا جماعة، لا؛ منهم من عبده، ومنهم ماذا؟ من أشرك به غيره، ومنهم من أشرك به ماذا؟ ومنهم من أشرك به غيره. فكما قال رحمه الله تعالى: "ولكن ذكر الأول؛ ليفعلوا هم الثاني". وما خلقنا الجن والإنس؛ أي: أن الله قد خلقهم خلقهم، لماذا؟ لأجل أن يقوموا بماذا؟ بعبادة الله عز وجل، فإذا قاموا بعبادة الله عز وجل؛ حازوا السعادة الأبدية في الدنيا والآخرة. واضح يا جماعة. هذا حاصل ما يقال في هذه الآية. وهذا ذكر العلامة الشنقيطي رحمه الله تعالى أيضًا كلامًا نحو هذا الكلام، وهو رحمه الله تعالى من أحسن من تكلم على هذه الآية، وجمع بين ما قد يظهر فيه التعارض، ووجه ذلك أحسن توجيه رحمه الله تعالى في كتابه "أضواء البيان"، فقال رحمه الله تعالى -كما في المجلد السابع صفحة 48 و400 وقبلها-: قال رحمه الله تعالى بعد أن تكلم في بيان الآية بأحسن كلام: "والحاصل: أن الله دعا جميع الناس على ألسنة رسله إلى الإيمان به". قلنا: قال رحمه الله تعالى: "والحاصل: أن الله دعا جميع الناس على ألسنة رسله إلى الإيمان به وعبادته وحده، وأمرهم بذلك". هذا واضح يا جماعة. قال: "وأمرهم بذلك مستلزم للإرادة الدينية الشرعية؛ لأنها محبوبة إلى الله عز وجل، ولأن هذا الأمر محبوب إلى الله عز وجل، وهو ماذا؟ وهو الإيمان". واضح يا جماعة. قال رحمه الله تعالى: "ثم إن الله جل وعلا يهدي من يشاء منهم، ويضل من يشاء بإرادته الكونية القدرية". واضح يا جماعة، الله عز وجل يهدي من يشاء، ويضل من يشاء بإرادته ماذا؟ الكونية القدرية. قال رحمه الله: "فيصيرون -أي الناس- إلى ما سبق به العلم من شقاوة وسعادة". قال: "وبهذا تعلم وجه الجامع بين قوله: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ﴾، وقوله: ﴿وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ في الآية الأخرى، وبين قوله: ﴿وَمَا خَلَقْنَا الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾". واضح يا جماعة، قد يقول: قال الله عز وجل يقول: ﴿وَمَا خَلَقْنَا الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾، ومع هذا يقول الله عز وجل ماذا؟ ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ﴾، كيف الله عز وجل خلقنا لعبادته، والله عز وجل يقول: خلق كثيرًا من الناس، ومن الجن، خلقهم لأجل ماذا؟ لأجل أن يكونوا من أهل النار. واضح يا جماعة. كيف يجمع بين هذا وهذا؟ كيف الله عز وجل يخلق أناسًا، ويخلق من الجن، لأجل أن يكون من أهل النار، ومع هذا في الآية الأخرى يقول: ما خلقتهم إلا لأجل ماذا؟ لأجل عبادته. واضح يا جماعة. يقول العلامة الشنقيطي رحمه الله تعالى: قال: "وإنما ذكرنا أن الإرادة قد تكون دينية شرعية، وهي ملازمة للأمر والرضا، وقد تكون كونية قدرية، وليست ملازمة لهما، وليست ملازمة لماذا؟ للمحبة والرضا". واضح يا جماعة. قال: "أن الله يأمر الجميع بالأفعال المرادة منهم دينا في قوله ماذا؟ ﴿وَمَا خَلَقْنَا الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾، ها هنا إرادة وحكمة ماذا؟ شرعية". واضح يا جماعة. يحبه الله عز وجل، فالله عز وجل يحب من العباد الإيمان، يحب من الجن والإنس ماذا؟ الإيمان. قال رحمه الله تعالى: قال: "ويريد ذلك كونًا". قال: نعيد: قال: "لأن الله يأمر الجميع بالأفعال المراد منهم دينا"، قال: "ويريد ذلك كونًا وقدرًا من بعضهم دون بعض". واضح يا جماعة. شرعًا أراد منهم كلهم أن ماذا؟ أن يكونوا مؤمنين. واضح يا جماعة، شرعًا أراد منهم كلهم أن يكونوا ماذا؟ مؤمنين، ﴿وَمَا خَلَقْنَا الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾. واضح يا جماعة. أما كونًا؛ فأراد من بعضهم أن يكونوا من أهل الإيمان، فكانوا من أهل الإيمان، وأراد كونًا من بعضهم أن لا يكونوا من أهل الإيمان، فلم يكونوا من ماذا؟ من أهل الإيمان. واضحة يا جماعة. قال رحمه الله تعالى: قال: نعيد: قال: "وقد تكون". قال رحمه الله تعالى: قال: "وإنما ذكرنا أن الإرادة قد تكون دينية شرعية، وهي ملازمة للأمر والرضا، وقد تكون كونية قدرية، وليست ملازمة لهما؛ لأن الله يأمر الجميع بالأفعال المرادة منهم دينا، يأمر الجميع بماذا؟ بالأفعال المرادة -أي المحبوبة-". واضح يا جماعة، الله عز وجل يأمر الجميع بماذا؟ بالأفعال المحبوبة، ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾. واضح يا جماعة. ﴿إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾، ﴿وَمَا خَلَقْنَا الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾. قال رحمه الله: "ويريد ذلك كونًا وقدرًا من بعضهم دون بعض"، يريد كونًا من بعضهم أن يكونوا من أهل الإيمان، فكانوا من أهل الإيمان؛ لأن الإرادة الكونية لابد أن تقع، ولم يرد من بعضهم أن يكونوا من أهل الإيمان، فلم يكونوا من أهل الإيمان. واضح يا جماعة. قال رحمه الله تعالى: قال: وقوله: ﴿بِإِذْنِ اللَّهِ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾، قال: "يدل على أنه لا يقع من ذلك إلا ما أراده الله كونًا وقدرًا". والله جل وعلا يقول: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾. قال رحمه الله: والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «اعْمَلُوا؛ كُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ». إذا تأملنا في قول الله عز وجل: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ﴾؛ يدعو كل أحد إلى دار ماذا؟ إلى دار السلام، ولكن قال ماذا؟ ﴿وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾. واضح يا جماعة. فيهدي من يشاء؛ يدل على ماذا؟ على أنه يهدي من يشاء، ويضل ماذا؟ من يشاء. وأما قوله: ﴿يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ﴾؛ يدعو ماذا؟ الكل، أو البعض؟ الكل. واضح يا جماعة. فالحاصل في هذا: أن يقال: أن قول الله عز وجل: ﴿وَمَا خَلَقْنَا الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾، كما تقدم: الحكمة ها هنا ماذا؟ شرعية، محبوبة. واضح يا جماعة. وأما الإرادات في قول الله عز وجل: مثلًا: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِلَى آخِرِهِ﴾؛ هذا يكون ماذا؟ هذا باعتبار ما أراده الله عز وجل ماذا؟ كونًا، ولا معارضة، ولا مناقضة بين الأمرين. واضح هذا يا جماعة. هذا خلاصة ما يقال في هذا المقام. قال رحمه الله تعالى: قال: قال الشيخ عبد الرحمن محسن رحمه الله تعالى: قال: "ويشهد لهذا المعنى ما تواترت به الأحاديث". قوله رحمه الله تعالى: "ويشهد لهذا المعنى ما تواترت به الأحاديث"، ما تواترت به الأحاديث؛ فمنها ما أخرجه مسلم في صحيحه: أن أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: يقول الله تعالى لأهون أهل النار عذابًا: "لو كان لك الدنيا وما فيها؛ أكنت مفتديًا بها؟" قال: فيقول: نعم. فيقول: "قد أردت منك ما هو أهون من هذا وأنت في صلب آدم؛ ألا تشرك بي". أحسبه قال: "ولا أدخلك النار". فأبيت إلا شركًا. واضح هذا يا جماعة، وهذا أيضًا شاهد من السنة لما تقدم للآية، لما تقدم في الآية. فالله عز وجل يقول: يقول الله تعالى لأهون أهل النار عذابًا: "لو كانت لك الدنيا وما فيها من الأموال، ومن الكنوز، ومن الممالك؛ أكنت مفتديًا بها؟" فيقول ماذا؟ فيقول: نعم. قال: فيقول: "قد أردت منك الإرادة ها هنا شرعية أو كونية؟" هيا يا جماعة، إرادة شرعية؛ لو كان كونية لوقعت هكذا. طيب. قال: فيقول: "قد أردت منك ما هو أهون من هذا وأنت في صلب آدم؛ ألا تشرك به". واضحة يا جماعة أم لا؟ فهذا يبين الآية بيانًا ماذا؟ واضحًا جليًا؛ في أن الله عز وجل أراد من العباد ماذا؟ عبادته وحده، وأن لا يشرك به غيره، وأن لا يشرك به غيره. فالشاهد من هذا الحديث: "قد أردت منك ما هو أهون من هذا وأنت في صلب آدم؛ ألا تشرك به شيئًا". قال: "ولا أدخلك النار". فأبيت إلا الشرك. فأبيت إلا الشرك. واضحة يا جماعة أم لا؟ فأبيت إلا الشرك؛ فالشرك داخل في إرادة الله عز وجل إيش؟ الكونية، وعدم الإيمان؛ مع أن الله عز وجل أمره بالإيمان، أمر الله عز وجل لهذا المشرك بالإيمان، أمر ماذا؟ أمر شرعي. واضحة يا جماعة أم لا؟ فهذا خلاصة ما يقال. قال الشيخ عبد الرحمن: قال: "فهذا المشرك قد خالف ما أراده الله تعالى؛ خالف الإرادة الشرعية أو الكونية؟" الشرعية. قال: "من توحيده، وأن لا يشرك به شيئًا؛ فخالف ما أراده الله منه، فأشرك به غيره". قال: "وهذه هي الإرادة الشرعية الدينية كما تقدم". واضحة يا جماعة أم لا؟ قال رحمه الله: "فبين الإرادة الشرعية الدينية والإرادة الكونية القدرية: عموم وخصوص مطلق". تقدموا كلام على العموم خصوص مطلق. أقول لكم يا جماعة: أربع نسب الآن، نحن في العموم والخصوص ماذا؟ المطلق، وهو أن يكون أحدهما داخلًا في الآخر، والآخر أعم منه. واضحة يا جماعة أم لا؟ والآخر أعم منه. يقول الشيخ عبد الرحمن رحمه الله تعالى: "فبين الإرادة الشرعية الدينية والإرادة الكونية القدرية: عموم وخصوص مطلق". قال: "يجتمعان في حق المخلص المطيع". واضحة يا جماعة أم لا؟ فمثل إيمان أبي بكر: يجتمع فيه ماذا؟ الإرادة الشرعية والكونية. الإرادة الشرعية والكونية. واضحة يا جماعة أم لا؟ قال: "وتنفرد الإرادة الكونية القدرية في حق العاصي؛ إذا عصى؛ فإنها ماذا؟ تكون إرادة كونية، ولتكن إرادة شرعية". قال: "فأفهم ذلك؛ تنجو به من جهالات أرباب الكلام وتابعيهم". طيب، واعلموا في المسألة: أن بين الإرادة الشرعية الدينية والإرادة الكونية القدرية: عموم وخصوص وجهي، عموم وخصوص ماذا؟ وجهي، وليس بمطلق. وجهي، وليس بمطلق. كما تقرر معنى في الدرس ماذا؟ الدرس الماضي. واضح يا جماعة. فيجتمعان في ماذا؟ في إيمان المؤمن، وتفتقد الكونية في ماذا؟ في كفر الكافر، وتفتقد الشرعية في ماذا؟ في إيمان الكافر. واضح يا جماعة. الشرعية تفارق الكونية في ماذا؟ في إيمان الكافر؛ في أن الله عز وجل أمر الكافر بالإيمان، والكافر لم يؤمن؛ فالإيمان محبوب إلى الله عز وجل، ولم يقع؛ فهو إرادة شرعية، وليست بماذا؟ وليست بكونية. إذن الشرعية تنفرد عن الكونية في ماذا؟ في إيمان الكافر الذي لم يؤمن؛ الله عز وجل أراد من الكافر ماذا؟ الإيمان، شرعًا أو كونًا؟ شرعًا؛ فهي إرادة شرعية. واضحة يا جماعة. في كفر كافر: الله عز وجل أراد من الكافر الكفر، شرعًا أو كونًا؟ كونًا. واضحة يا جماعة. واجتمعا في ماذا؟ في إيمان المؤمن؛ الله عز وجل أراد من المؤمن أن يؤمن، شرعًا. هيا يا جماعة، وهل وقع إيمانه؟ نعم؛ فهو إرادة ماذا؟ شرعية، كونية. إذن بينهما عموم وخصوص ماذا؟ وجهي. بينهما عموم وخصوص ماذا؟ وجهي. واضح يا جماعة. هذا خلاصة ما يقال. وقال رحمه الله تعالى في ذلك: "فافهم ذلك؛ تنجو به من جهالات أرباب الكلام وتابعيهم؛ لأن أرباب الكلام -كل الفرق عدى أهل السنة والجماعة- لم يفهموا هذا الفهم، ولم يقسموا الإرادة -نعم- الإرادة والحكمة، وكذا الكلام والأمر إلى كوني وشرعي؛ بل ما عندهم الأمر إلا ماذا؟ والإرادة ما عندهم إلا إرادة واحدة فقط، ما هي؟ إرادة واحدة فقط مخلوطة: شرعية، كونية. وبعضهم يجعلها ماذا؟ كونية محضة، ومنهم من يجعلها شرعية ماذا؟ محضة؛ فلم يميز بين هذا وهذا". فقال الجبرية: "كل ما وقع في الكون؛ فإنه محبوب إلى الله، كل ما وقع فهو محبوب إلى الله؛ كفر أبي جهل يقول: محبوب إلى الله، كفر إبليس يقول: هو محبوب ماذا؟ إلى الله، وأن الله عز وجل ماذا؟ أراده". واضحة. وما عمله في الطرف الآخر؟ القدرية يقولون: "إن هذا الذي وقع ليس بقدرة الله، ولا بإرادته، وهو محبوب، وهو ماذا؟ وهو محبوب؛ بل العبد يفعل ما شاء بإرادته وقدرته، ورسل الله عز وجل إرادة، ولا قدرة على العبد؛ فاضلوا وأضلوا كثيرًا". والله المستعان، ولا حول ولا قوة إلا بالله. ننبه على أمرين: الأمر الأول في قوله بعد أن قال: "واختار ذلك" في قوله: "واختاره الزجاج وشيخ الإسلام"، ثم قوله: قال: "المراد به شيخ الإسلام رحمه الله تعالى". وهذا الكلام مختصر من "مجموع الفتاوى" في المجلد الثامن صفحة ستة وخمسين. الثامن صفحة ستة وخمسين. هذا أمر. أمر آخر في قوله: "ويشهد لهذا المعنى ما تواترت به الأحاديث؛ فمنها ما أخرجه مسلم في صحيحه". وأيضًا أخرجه البخاري؛ فالحديث متفق عليه. والله أعلم. إلهنا، سبحانك اللهم بح