شرح كتاب التوحيد 201

شرح كتاب التوحيد 201

الدرس في شرح كتاب التوحيد 201، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

التحذير من الرياء ومفهومه

يتناول التحذير من الرياء وآثاره السلبية على الإخلاص والتوحيد، حيث يُعد الرياء من مضادات التوحيد ويؤدي إلى إحباط العمل والعذاب. يُوضح أن الله تعالى أغنى الشركاء عن الشرك.

صور الرياء وتأثيره على العبادة

يشرح المقطع صور الرياء في العبادة وتأثيرها على صحتها وأجرها، ويبين آراء العلماء في التعامل مع الرياء أثناء العبادة، حيث قد تكون العبادة مردودة أو مختلطة بالإخلاص.

حكم الرياء في أثناء العمل وبعده

يفرق بين الرياء في أثناء العمل وبعده، حيث أن الرياء أثناء العمل قد يحبطه، أما الثناء بعد العمل فلا يضر إذا كان العمل خالصًا لله، ويوضح آراء العلماء في هذا السياق.

خاتمة الدرس والدعاء

يتضمن المقطع دعاءً بأن ينفع الله قائل الحديث بما قاله، ويتبعه صلاة على النبي محمد وعلى آله وصحبه، مما يدل على ختام الدرس بالدعاء والصلاة على النبي.

  • 16 جمادى الأولى 1445هـ - 28/11/2023مـ
التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: وعن أبي هريرة مرفوعًا: قال الله: «أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملًا أشرك معي فيه غيري تركته وشركه» رواه مسلم. أورد المؤلف رحمه الله تعالى هذا الحديث في معرض كلامه عن التحذير من الرياء، فقال: باب ما جاء في الرياء. وقلنا إن وجه الشاهد من إيراد هذا الباب في كتاب التوحيد أن الرياء ينافي الإخلاص، والذي ينبغي بل ويجب أن يكون لله في كل الطاعات والعبادات. فلما كان الرياء والسمعة ممّا يريد صاحبه الأجر والثواب ونيل رضا غير الله جل وعلا، ناسب أن يذكر في كتاب التوحيد؛ لأنه من مضادّات التوحيد ومما ينافيه. فأورد رحمه الله تعالى حديث أبي هريرة، والذي يقول فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم: قال الله -أي أنه حديث قدسي- قال الله: «أنا أغنى الشركاء عن الشرك»، أنا أغنى الشركاء عن الشرك. فالله عز وجل لا يرضى بوجود شركاء معه، لا يرضى سبحانه وتعالى بوجود شركاء معه يزاحمونه في خلقه ومخلوقاته، في أرضه وسماواته، وفي أمره ونهيه، وهكذا في القصد بالتعبد والطاعة. أنا أغنى الشركاء عن الشرك، وهذا من الظلم العظيم أن تجعل لله ندًا وهو خلقك سبحانه وتعالى. لكن الشرك بالله عز وجل له صور، منها ما هو من الشرك الأكبر، ومنها ما هو من الشرك الأصغر. فأشار في هذا الحديث عليه الصلاة والسلام قول الله بصورة من صور الشرك، فقال الله: «أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملًا أشرك معي فيه غيري تركته وشركه». وهذا من نتائج الرياء، مرّ معنا في دروس خلت أن من ثمار الرياء ما يكون من جلب سخط الله وغضب الله، وما يكون من الوقوع في نار الله جل وعلا. كما مرّ معنا أول من تسعر بهم النار، فكان من أصحاب النار من توعّد بالنار من كان من أهل الرياء: يصلي طلبًا لثناء الناس، ينفق أراد السمعة من الناس. وهل مثل هذا ينجو؟ مرّ معنا إلى أن من ثمار الرياء الخبيثة أن صاحبها متوعد بالعذاب والنار. أيضًا من ثمار الرياء المذكورة في هذا الحديث إحباط العمل: «تركته وشركه»، يتركك الله ويترك هذا العمل الذي جعلت فيه مع الله ندًا كائنًا من كان ندًا أكبر أو ندًا أصغر. فدلّ ذلك على أن الأعمال إذا وجد فيها رياء فإنها مردودة على وجه صاحبها. وهنا ناسب إخواني في الله أن نذكر شيئًا من صور الرياء في الأعمال، كما جرى على ذلك عمل العلماء في شرحهم لهذا الحديث. إذ أن العامل إذا عمل عملًا صالحًا ودخل معه الرياء، فإن الرياء يتفاوت. فمن صور العمل بالرياء الصورة الأولى: أن يقوم المسلم بفعل عبادة أصالة، ما أقامها إلا للناس. ما أقامها إلا لرؤية وجه الناس. مرة مرة وإذا بالناس قد تجمعوا وهو خارج، فرأى مسكينًا فقيرًا سائلًا عند هذا الجمع، فقال: فرصة، فرصة لا تعوض، أخرج مبلغًا من المال وأستغل هذا الجمع. فرجع وأخرج مالًا وأعطى الفقير. لماذا أعطيته؟ أنصف نفسك، هل أعطيته إلا حتى أتحصل على لفتة من هؤلاء وينظرون إلى كرمك وإلى سخائك؟ فهذا ما عمل أصلًا العبادة إلا لذلك. أو رجل ربما يقع في مجتمعاتنا أنه يتقدم بالخطوبة، فتقدم عند آل فلان، فإذا بعمه يسأل عنه: كيف أنت وكيف أنت في صلاتك؟ وأنا يا عم والله أصلي -مضيع للصلاة- فعلم أن عمه يصلي في المسجد الفلاني، فما يتهيأ إلى هذا المسجد عمدًا وقصدًا ويصلي بجواره، ثم ينصرف، وهو من يصلي أصلًا ما صلى إلا لكي يلفت نظر عمه حتى يبصم عليه بالعشرة أنه من المصلين، هو ليس كذلك. وهكذا قس أعمالًا ينشئها بعض الناس، ما أنشأوها لوجه الله وإنما أنشأوها لنيل رضا الناس والثناء والمديح. فهذا أمره وقع في الشرك الأصغر، وهو آثم وعمله حابط، وعمله حابط، ولا يخدع عن نفسه ولا يغتر على ربه مثل هذه العبادات؛ لأنها مردودة على وجهه. هذه الصورة الأولى، وهي من يأتي بعبادة ما أراد بها إلا ما عند الناس. الصورة الثانية: ومن أدى عبادة ما وأراد بها وجه الله وأراد بها ثناء الناس، شارك الله وشارك غيره. هو يريد أن يتعبد الله بعبادة، فأراد أن يجمع بين النيتين، أراد أن يجمع بين القصدين. قال: فرصة، هي صلاة أو هي عبادة وهي شد انتباه أو فيها تسليط الأضواء، فيجمع بين هذا وبين ذاك. قال العلماء في هذه المسألة: كذلكم يدخل صاحبه في حكم الرياء، وعمله يحبط لظاهر هذا النص، قال عليه الصلاة والسلام: قال الله: «من عمل عملًا أشرك فيه معي غيري تركته وشركه»، جعل شريكًا مع الله. فمن جعل شريكًا مع الله كذلك حكمه كحكم الأول، أن عمله مردود عليه. فالله لا يقبل من الأعمال إلا ما كان خالصًا لوجهه، لا يزاحمه أحد في نيل الثواب والمديح. الصورة الثالثة من صور الرياء: من أقام عبادة لله أراد بها وجه الله، إلا أن الرياء طرأ عليه. هو في نفسه أراد أن يقرأ القرآن إلا عادته، أراد أن يتنفل كما اعتاد على ذلك، أراد أن يفعل شيئًا من الأعمال الخيرية وأراد بذلك وجه الله، لكن في أثناء العمل طرأ عليه طارئ الرياء. طرأ عليه طارئ الرياء في أثناء العمل، مثلًا جاءته النفس الدنية وسحبت نيته مع الله إلى أن ينظر يمنة ويسرة، هناك فلان وهناك فلان يرقبون إلى صلاتك وينظرون إلى عبادتك، حسنها، أطل فيها، ذاك الذي كان يريد أن يدفع مالًا لله فجأته نفسه: أظهر، أظهر المبلغ حتى يرى فلان وفلان. فجأته النية الرياء في أثناء العمل. ما حكمه؟ قال العلماء: هذا له صور، الصورة الأولى أنه يبعد عن نفسه الرياء، يجاهد نفسه على دفع هذه الدسيسة المميتة، يحاول، فلا ربما صلى فيأتيه الشيطان ويوسوس له ذلك، فيستعذ بالله من شره، من شر الشيطان ومن شر هذه الدسيسة، ثم يرجع إلى أصل نيته، يمشي على المعتاد. قال العلماء: فمن استطاع أن يدفع عن نفسه دافع أعارض الرياء فرجع إلى أصل نيته، فهذا لا شيء عليه، وصلاته صحيحة، وصلاته صحيحة، واستمر على صلاته، ولا يضره ما كان من هواجس نفسه؛ لأنه قد رجع إلى صوابه. الإشكال يبقى في الصورة الثانية: أنه استرسل، استرسل، صلى باعتياد، في ركوعه وسجود، هنا جاء عارض الرياء، جاءت له نفسه وقال: أطل، أطل السجود، أطل السجود، فأطال في السجود، أطال في السجود، هنا السجود أطاله حتى يريد أن يري الناس أنه خاشع، أنه قانت، أنه عابد. فلا يزال يحسن ويوجه اليدين للقبلة ويثبت القدمين في هذه المرحلة. فتجد أن صلاته لله من أولها، لكن بعد ذلك طرأ عليه الطارئ. أو يقرأ القرآن بصوت الاعتياد، فلما جاء من جاء جلس بيمينه، قام وغير نغمة الصوت وحسنها حتى يجذب سمع من كان بجواره، هنا جاء له الطارئ. فهذا ما اختلف فيه العلماء في حق من طرأ عليه عارض الرياء واستمر معه، على قولين اثنين. من أهل العلم من قال: أن هذه العبادة لا يؤجر عليها كاملة؛ لأن الرياء وجد فيها، وأي عمل يوجد فيه الرياء فإنه يحبط جملة وتفصيلًا. وقول آخر من أهل العلم من قال: لا، هذه المسألة فيها تفصيل، فما كان لله يؤجر عليه، وما كان لحظ النفس والرياء لا يؤجر عليه. كما مثلنا: رجل في صلاته وقيامه وركوعه لله، وإنما في سجوده طرأ عليه عارض الرياء. قال: إذن قيامه وركوعه يؤجر عليه في أصل عبادته وتعبده، وما كان من الرياء في حالة السجود هنا لا يؤجر عليه، لا يؤجر عليه. وهذا الذي عليه الإمام أحمد رحمه الله تعالى، وجماعة من أهل العلم، وعلى ذلك مجموعة من العلماء من المعاصرين، على أن المسألة فيها تفصيل: أن من طرأ عليه الرياء في أثناء عمله، وما استطاع أن يدفعه، فما كان لله يؤجر، وما كان لغير الله لا يؤجر عليه. بل يقال: فاتك من الأجر، ونقص عملك، وأيضًا ضعف إيمانك؛ لأن الرياء دال على ضعف الإيمان. صورة أخرى من صور الرياء، وهي فيما لو أن الإنسان صلى وعبد الله لله، فلما انتهى من تعبده لله جاءه المديح وجاءه الثناء وفرح بهذا. مثل الرجل ألقى خطبة أو ألقى كلمة لله، ما أراد بذلك شيئًا أراد لله، لكنها لاقت استحسانًا من الناس، فلما انتهى من كلمته -وهي أراد بها النصح والنصيحة- إذ بالناس يأتي من يأتي ويسلم عليه ويثني عليه خير، قل: ما شاء الله، كلمة طيبة، خطبة رنانة، حفظ الله، يحفظك الله، يبارك فيك، ما شاء الله تبارك. وهذا الرجل شرح لمثل هذا الثناء ومسط لمثل هذا المديح من الناس. وهكذا قس: رجل قام بمشروع خيري، بنى مستشفى، بنى مسجدًا، بنى لله، ما أراد بذلك أحدًا أراده لوجه الله، فلما انتهى من ذلك جاء من جاءه من الوجهاء والأعيان وأثنوا عليه خيرًا، قال: حفظك الله، مشروع طيب ناجح، نفع الله به، كم وكم من المساكين، كم وكم من المرضى. فلا زال يمدحونه حتى أنه فرح بهذا الثناء. السؤال: هل هذا يضره؟ الجواب: لا، هذا لا يضره، هذا لا يضره؛ لأن مسائل الرياء كما يقول العلماء إنما تكون قبل العمل -كالذي من الآن ينوي على أنه يفعل عبادة لغير الله يريدها ثناء- يكون الرياء قبل العمل أو في أثناء العمل. أما ما بعد العمل، فلا. بدليل أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في هذا الحديث: قال الله: «من عمل عملًا أشرك فيه» أي في أثناءه «فيه» ليس بعد. والوجه الثاني: ما جاء في صحيح مسلم، أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن الرجل يعمل الخير فيمدح عليه، فيمدح عليه، قال عليه الصلاة والسلام: «تلك عاجل بشرى المؤمن»، تلك عاجل بشرى المؤمن. هذه بشارة خير أن فعلك كان له مردود حسن عند الناس. من محاضرة، من مشروع، من نفقة، من قراءة للقرآن، من غير ذلك، تقرأ القرآن وما شعرت بعد ختمك للقرآن وانتهائك من القرآن، إذ جاءك من وراء يقول: السلام عليكم يا أخي، ما شاء الله عليك، أي خير والله، صدق، طيب، طيب جدًا، ويمدح في صوتك، حتى أنت انشرحت لهذا، هذا يضرك؟ لا. إذا فعلت الفعل من أوله إلى آخره لله، ثم جاءك الثناء من الناس وأنت ما قلقت، هذا، لكنهم أثنوا عليك، ولا شك أن الإنسان إذا وجد ثناء واستحسانًا فإن هذا مما تطيبه الأنفس، هذا لا يضره، بل سماه نبينا: «تلك عاجل بشرى المؤمن». فالحاصل إخواني في الله: هذه أهم مسائل العمل إذا قلنا معه الرياء، إما أن يكون العمل أصالة رياء، هذا محبط. أو أن العمل شريكًا مع الله والرياء، هذا محبط. أو أن العمل يطرأ عليه الرياء، فإن إن خلع عنه لا يضره، وإن استرسل معه فعلى خلاف بين العلماء. أو أن يأتيه الثناء بعد العمل، فهذا كذلك لا يضره. هذه من المسائل التي يذكرها العلماء في هذا المقام. أسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.