شرح كتاب التوحيد 202

شرح كتاب التوحيد 202

الدرس في شرح كتاب التوحيد 202، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

تحذير النبي من الرياء وبيان خطره

ناقش المقطع تحذير النبي صلى الله عليه وسلم من الرياء وسماه شركًا خفيًا، حيث يزين الشخص عبادته ليجذب انتباه الناس. يُبين أهمية الإخلاص في العبادة وخطورة الرياء عليها.

التمييز بين الرياء والتعليم بالعمل

يشرح المقطع الفرق بين الرياء والتعليم بالعمل، حيث يبين أن التعليم بالعمل لا يعد رياء إذا كان الهدف منه تعليم الآخرين. يُوضح ذلك من خلال أمثلة من السنة النبوية والقصص الواقعية.

فضل العبادات الخفية وأثر الإخلاص فيها

يُشدد على أهمية العبادات الخفية التي لا يعلم بها أحد سوى الله، ويُوضح أن الأجر يكون أعظم كلما كانت العبادة أخفى. يُستشهد بآيات قرآنية وأحاديث نبوية لتدعيم هذا المفهوم وتوضيح أهمية الإخلاص.

أهمية تصحيح النية واجتناب الرياء في العبادة

يتحدث المقطع عن أهمية تصحيح النية واجتناب الرياء في العبادات، ويشدد على أن تكون العبادة خالصة لوجه الله تعالى. يبين أن على الإنسان أن يصحح نيته ويتوجه بقلبه وقصده لله جل وعلا.

  • 16 جمادى الأولى 1445هـ - 28/11/2023مـ
التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: وعن أبي سعيد مرفوعا: «ألا أخبركم بما هو أخوف عليكم عندي من المسيح الدجال؟» قالوا: بلى يا رسول الله، قال: «الشرك الخفي، يقوم الرجل فيصلي فيزين صلاته لما يرى من نظر الرجل». رواه أحمد. أورد المؤلف رحمه الله تعالى هذا الحديث وختم به هذا الباب، وهو باب ما جاء في الرياء. وقد ذكرنا المسائل المتعلقة بهذا المبحث، بما يتعلق بمعناه، وما يتكلم به، وما يتعلق كذلك بأحكامه، وما جاء في الوعيد الشديد فيه. هذا الحديث الذي بين أيدينا كذلك في الإشارة إلى التغليظ لأمر الرياء، وأن الإنسان يؤدي عبادة ما، وإنما قصده بذلك رؤية الناس لينال الثناء والمديح والإطراء. فهذا الحديث الذي بين أيدينا هو حديث أبي سعيد الخدري، يرويه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ألا أخبركم بما هو أخوف عليكم عندي من المسيح الدجال؟» قالوا: بلى يا رسول الله، قال: «الشرك الخفي». فسمى الرياء شركا خفيا، قال: «يقوم الرجل فيزين صلاته لما يرى من نظر الرجل». هذا الحديث إخواني في الله رواه الإمام أحمد، كما أشار المؤلف، وهكذا ابن ماجة والحاكم، ويحسنه جماعة من أهل العلم. إلا أن هذا الحديث تحت المجهر العلمي البحثي فيه علل، ففيه في إسناده كثير بن زيد، وكثير هذا ليس بالقوي، وأيضا فيه راو آخر وهو ربيع بن عبد الرحمن، وهو كذلك متكلم فيه. ولهذا شيخ مقبل رحمه الله تعالى يعل هذا الحديث، يعله. لكن بالمقابل فقد صحت أحاديث قريبة من هذا المعنى والمؤدى واحد. فمما يذكر من الأحاديث التي هي الشبيهة بهذا الحديث وهو صحيح حسن ويعول عليه ما جاء عند ابن خزيمة من حديث محمود بن لبيد، قال: خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «يا أيها الناس، إياكم وشرك السرائر». في الحديث الأول على صحته سمى بالشرك الخفي، وها هنا سمى بشرك السرائر، فدل على أن الرياء صاحبه واقع في الشرك، وقد مضى التفصيل فيه إما من الشرك الأكبر أو من الشرك الأصغر. قال عليه الصلاة والسلام: «يا أيها الناس، إياكم وشرك السرائر»، قالوا: يا رسول الله، وما شرك السرائر؟ قال: «يقوم الرجل فيصلي فيزين صلاته لما يرى من نظر الرجل إليه، فذلك شرك السرائر». وهذا الحديث أيضا رواه الإمام البيهقي رحمه الله تعالى، وقد حسنه الشيخ الألباني في صحيح الترغيب والترهيب. فهذا الحديث هو بنفس معنى الحديث الأول، فهو بمعنى الحديث الأول في أن النبي صلى الله عليه وسلم بين ما هو الرياء، وهو أن يقوم الرجل فيصلي فيزين صلاته، لماذا؟ لما يرى من نظر الناس إليه، يريد أن يسترق الأعين لكي يتحصل على الثناء والمديح والإطراء. وفي هذا الحديث سماه نبينا صلى الله عليه وسلم بالشرك، لأن صاحبه قد أشرك بالله، إذ أنه لم يرد فقط في عمله وجه الله، وإنما أراد وجه الله وأراد الثناء من الناس، فدخل في حيز الشرك. فإن كان غالب أعماله على هذا المنوال فهو من الشرك الأكبر، وأما إن كان في بعض أعماله فهو من الشرك الأصغر، كما مر ذلك معنى آنفا. فالشاهد أن هذا الحديث إخواني في الله مما فيه إشارة إلى ما قد مضى من مسائل الرياء. وهنا أحب أن أشير إلى مسائل وأعرج عليها من باب التنبيه. مسألة وهو أن من الناس من لربما يؤدي الطاعة وعبادة لله، لكنه يريد بها معنى آخر، يريد من الناس أن ينظروا إليه، هو يريد هذا. لكن ما المقصود من نظر الناس؟ المقصود من نظر الناس أن يتعلموا، أن يقتدوا به. مثاله هذا يقع كثير أحيانا، تجد أن من الناس من لا يحسن الوضوء، ألم كذلك؟ فأردت أن تعلم هؤلاء، فجئت مثلا -وهي تسمى بالدعوة الصامتة- جئت بجوار هذا الذي لا يحسن فأخذت تتعمد أنه ينظر إليك، بسم الله فارفعت صوتك حتى ينظر، ثم قلت وتوضعت الوضوء الكامل، أنت نعم أردت أنه ينظر إليك، لكن هل أردت المديح؟ أنت ما أردت المديح، أردت أن يتعلم منك. مثال آخر رجل في المسجد تجده دائما يصلي في وسط المسجد من غير سترة، فأردت أن تعلمه أن السترة سنة، بل أوصلها العلماء طائفة من أهل العلم إلى السنة أنها سنة واجبة، فماذا فعلت؟ فقمت وتعمدت أن تصلي بجواره، وأتيت بأدل السترة أمامك حتى ينظر ويسأل ويتساءل: لماذا فعل هذا؟ أكيد أن هذا من الدين. فأنت تعمدت أن ينظر إليك، وقس على ذلكم صور كثيرة. أن بعضا من الناس من يلجأ إلى طريقة التعليم بالعمل، يعمل عمل ويريد بهذا العمل أنه يأخذ بأنظار الناس حتى يمدحوه، لا ما أراد المديح ولا الإطراء ولا الإطناب، إنما أراد الاقتداء، هل هذا من الرياء؟ الجواب: لا، هذا ليس من الرياء، لأنه ضابط الرياء أن يكون صاحبه يريد الثناء، وهذا ما أراد الثناء. ودليل ذلك ما جاء في الصحيح من حديث سهل بن سعد رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى يوما بالناس، لكن ماذا فعل؟ صلى على منبره، ترون المنبر صلى عليه، جماعة وهم في الأسفل وهو في المنبر، فلما انتهى من صلاته قال: «يا أيها الناس، إنما فعلت هذا لتأتموا بي ولتعلموا صلاتي»، أي تعمد نبينا أن يكون على مرأى المصلين، لماذا؟ حتى يرونه. طب ما الذي أراد من الرؤية؟ أراد الثناء؟ لا حاشا، وإنما أراد الاقتداء والتعليم. فإذا فعل الإنسان هذه الفعلة لا يرمى بالرياء، وإنما أراد بذلك التعليم، فهذا لا يضره. صورة ثانية من الأشياء التي لربما تقع عند بعض الناس، أن شخصا ما لربما معتاد على أن يفعل عبادة من العبادات، لكنه إذا وجد نفسه في مجمع من الناس، وخاصة من أهل الصلاح، فعل فعلا لربما هو من طبعه إذا صلى انصرف مباشرة، وذات يوم توعد مع أصحابه أنه يصلي معهم ثم يخرج، فإذا بهم بعد الصلاة جلسوا يذكرون الله، التسبيح والتحميد، فقال: ما شاء الله، سأجلس أسبح، فسبح وأتى بأذكار أذكار الصلاة. معنى ما كان من عادة، لكن لما رآهم فعلوا فعلا أو يذهب معهم في مع أصحابه مساء بيات، فلما أرادوا أن يناموا قاموا وصلوا الوتر، وصلوا الوتر وهو من يصلي، فلما رآهم يصلون قام وصل معهم، صلى الوتر معهم. طيب هذا الآن متى فعل العبادات؟ فعل العبادات مع وجود الناس، فجد فعل العبادات مع وجود الناس، هل هذا من الرياء؟ قال العلماء: لا، هذا ليس من الرياء، لأنه هاهنا لم يرد بعمله أن يعجب الناس به، وإنما هو بعملي أعجب بالناس، هذا هو العكس. هو الآن بعمله ما أراد أن الناس يعجبوا بأعماله، وإنما هاهنا هو الذي أعجب بهم، فتأثر. ولهذا جاء في حديث حنظلة الأسدي رضي الله تعالى عنه، قالوا: يا رسول الله، إننا إذا كنا عندك فذكرتنا بالجنة والنار، فقال حنظلة: قال: إذا كنا عندك فننسى أنفسنا مما يذكرهم بالجنة والنار، قال: فإذا خرجنا من عندك وعافسنا النساء والضيعات نسينا كثيرا. فمدحه نبينا على ذلك، وقال: «يا حنظلة، ساعة بساعة»، أي: ما في شيء. مع أن حنظلة يخبر أن عند وجوده عند رسوله يتغير إيمانه ويزداد إيمانه، وإذا خرج من عنده ضعف إيمانه، هذا لا يضره. ومن هنا جاءت ماذا؟ جاءت الأدلة الحاثة على مصاحبة الصالحين، لأنهم يشجعونك على الطاعة والعبادة، فتجد أنك إذا كنت في معزل عنهم ما تفعل، وإذا كنت معهم فعلت. هل هذا رياء؟ لا، هذا ليس من الرياء، وإنما هذا من باب بركتك، بركة وجودك مع الصالحين، أنهم يشجعونك على العمل الصالح ويعينونك على طاعة الله. فكن يا عبد الله على انتباه لمثل هذه الأمور، واعلم حفظكم الله أن الرياء ينافي الإخلاص، فلما كان كذلكم كان العبد إذا كان إذا أراد أن يكون مخلصا حقا وصدقا لله، فليجعل له حظا من عبادة السر، يحض على هذا حتى تعود نفسك، لا تجعل أعمالك جميعا عند الناس، بكشوفة، عباداتك مسجرة عند الناس، هذا معروف، عباداته يصبح ويمسي، برنامجه عندنا، كيف عندكم؟ لنما عبادة يؤديها عندنا. لهذا ليس يا عبد الله من الإصلاح في شيء، الإصلاح يا عبد الله أن تجعل لك حظا بينك وبين الله، لا يعلم به إلا مولى، لا يعلم به إلا المولى. وهذه من أعظم صفات أهل الصلاح، ولهذا جاءت الأدلة الكثيرة التي فيها تربي المسلم على أن يكون له حظ من العبادات التي لا يعلم بها أحد من إلا الله. مثاله صلاة النوافل، جاءت الأدلة الكثيرة على أن أفضل النوافل أين تؤدى؟ تؤدى في البيوت، أفضل النوافل أفضل النوافل أن تؤديها في البيوت. وهكذا كان فعله صلى الله عليه وسلم، يصلي النوافل في البيوت، والفريضة في المساجد. وأفضل النوافل ما هي؟ قيام الليل، لماذا قيام الليل من أفضل العبادات؟ قال العلماء: لأنها عبادة السر، لا أحد يعلم بها. ها نحن في الصلوات المكتوبة يعلم بعضنا بعضا، لكن هل أحد يعلم من الذي قام بالليل؟ ما أحد يعلم به إلا الله جل في علاه. ولهذا جاء في حديث أبي هريرة وغيره -يحسن جماعة من أهل علم بشواهده- قال عليه الصلاة والسلام: «وصلاة الرجل في جوف الليل شعار الصالحين»، وصلاة الرجل في جوف الليل شعار الصالحين، لماذا شعار؟ لأنها لا أحد يعلم به. فكلما كانت العبادة أخفى كان أجرها أعظم عند الله. وهكذا قس في باب الصدقة، في السبع الذي يظلهم الله بظله يوم لا ظل إلا ظله: «ورجل تصدق بصدقة فأخفاها، أخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه». تحمد في أن يخفي الصدقة حتى لا يعلم بها أحد. وهكذا يعبد الله، إذا أردت أن تذكر الله، كلما كان ذكرك لله في خفاء كان أجر أعظم. ولهذا قال عليه الصلاة والسلام في من استحق الجنة: «ورجل ذكر الله خاليا ففاضت عيناه»، فاضت عيناه، مع أنه ماذا؟ لوحده، في طريقه، في سيارة، في ممشى، في مدخل، في بيته، في محل، ما أحد يدربه، يذكر الله، وما شعر إلا بالدموع تنهمر بين عينيه، هذا من أعظم الناس عند الله منزلة، لماذا؟ لوجود الخفاء فيما بينه وبين الله، فيما بينه وبين الله. وهكذا قس في باب الدعاء، قال ربنا جل وعلا: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾، قال المفسر: خفية هنا أي بالخفاء، سرا، تدعو الله بالسر، لا تجعل أحد يعلم بدعائك، إن استطعت، إن استطعت لوحدك في بيتك، في غرفتك، تلوح على الله بالدعاء. ليس معنى ذلك أنك لا تدعو الله وأنت في المسجد، لا، إذا كنت في المسجد وجاءت ساعة الإجابة ادع الله، لكن القصد هنا أن من أفضل المواسم، من أفضل المنازل، أن الدعاء كلما كان أخفى كان أعظم. ليس كفعل بعض الناس الآن، إذا يسر الله له الذهاب إلى مناسك الحج والعمرة وكان عند عرفة في عرفات، فيأمر المصور: راح بعيد شوية ويرفع يديه، صور، صور، فيباهي الخلق حتى تصور هذه الصور ويسلها بالتواصل بالفيسبوك وغيرها، يوري الناس على أنه يدعو الله، ويرى لا، يا عبد الله: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾، ادع ربك تضرعا وخفيا، لا أحد يعلم دعاءك. فالعبادة كلما كانت أخفى كلما كانت للأجر أعظم، ولهذا ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إن الله يحب العبد التقي الغني الخفي»، يحبه الله، كلما كان الإنسان في خفاء في أعماله وطاعاته كان أعظم منزل عند الله، لأنه من أبعد الناس عن الرياء، لا أحد يعلم به فيما بينه وبين الله سبحانه وتعالى. فالشاهد إخواني في الله أن هذا الباب من الأبواب العظيمة التي أوردها المؤلف رحمه الله تعالى في كتاب التوحيد، لبيان أن الرياء، وأن الإنسان يتقصد ويتعمد. وأشير إلى أن مسائل الرياء لا يطلع بها أحد إلا الله، فالله واليذي يعلم بما في القلوب، فلا يتجرأ أحد في أنه يتطاول على أحد من خلق الله ويرميه بالرياء، يرميه بالرياء إذا رأى أحدا فعل مشروعا خيريا، قال: ها أراد أن يمدح. ومن قال لك أنه أراد أن يمدح؟ أو أراد صلى أو دعا أو تل أو قرأ أو دعا أو حاضر أو تكلم أو ذكر الله أو فعل شيء، ثم تتطاول؟ لا، يا عبد الله، هذا ليس لك، هذا أمره فيما بين وبين الله، وما أطلعك الله على ما في القلوب. لكن بين يبين للناس ما يتعلق بالرياء، وأن الإنسان يصحح نيته، وأن من توجه لله بعبادة فيجعل أمره وقصده وقلبه وقالبه لوجه الله جل، فعلا هذا الذي أذكره في هذا المقام. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.