الدرس في شرح الأرجوزة الميئية 4، ألقاها الشيخ أبو خالد وليد مقرم
توفي أبو طالب وخديجة رضي الله عنها في العام التاسع للبعثة المسمى عام الحزن، فتزوج النبي صلى الله عليه وسلم سودة بنت زمعة وعقد على عائشة وأسلم جن نصيبين. ثم كان الإسراء والمعراج في العام الحادي والخمسين من عمره الشريف حيث فرضت الصلوات الخمس.
يوضح المقطع حقيقة البراق وتفاصيل الإسراء والمعراج ولقاء الأنبياء وفرض الصلوات الخمس مع نفي تحديد ليلة للاحتفال. ثم يستعرض بيعة العقبة الأولى والثانية بشروطهما ودور العباس، ويختم بهجرة النبي إلى المدينة في ربيع الأول وإقامته عشر سنوات وإتمام صلاة الحضر.
أقيمت أول جمعة في وادي رانونا وبني مسجد قباء والمسجد النبوي ومساكن الزوجات، وعاد بعض مهاجري الحبشة. وآخى النبي بين المهاجرين والأنصار في مواقف إيثار عظيمة حتى نسخ الميراث بالآية الكريمة.
بنى النبي صلى الله عليه وسلم بعائشة رضي الله عنها، وشرع الأذان بالمشاورة والرؤيا الصادقة لعبد الله بن زيد وعمر رضي الله عنهما واختير بلال مؤذناً. ثم بدأ ذكر غزوة الأبواء مقدمة لذكر الغزوات القادمة.
الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الشيخ العلامة ابن أبي العز الحنفي رحمه الله تعالى في أرجوزته المئوية: قال: وبعد تسع من سني رسالته مات أبو طالب ذو كفالته، وبعده خديجة توفيت من بعد أيام ثلاثة مضت. ذكر رحمه الله تعالى في هذين البيتين بعض الحوادث التي حدثت عند بلوغ النبي عليه الصلاة والسلام تسعة أعوام من البعثة، أي بعد تسعة أعوام من بعثته عليه الصلاة والسلام مات أبو طالب عمه الذي كان يدافع عنه وكان يصرف عنه أذى المشركين، ولذلك كان هذا له الأثر العظيم على النبي صلى الله عليه وآله وسلم. فرحت قريش بذلك فرحا عظيما لأنهم كانوا لا يستطيعون أن ينالوا من النبي عليه الصلاة والسلام ما استطاعوا أن ينالوه بعد موت أبي طالب، فقد تجرأوا على عداوتهم وظاهروا وجاهروا بها. وكذلك ماتت خديجة رضي الله تعالى عنها، الطاهرة المثبتة للنبي عليه الصلاة والسلام، المسلية له، المدافعة عنه، فكالت مواسية للنبي عليه الصلاة والسلام أعظم المواساة. وفضائل خديجة كثيرة ذكرها النبي عليه الصلاة والسلام. وهذا العام سُمّي بعام الحزن، سُمّي بعام الحزن لأن رسول الله فقد اثنين هما من أعظم المناصرين له، من أعظم المناصرين له: أبو طالب كان يناصره حمية، وأما خديجة فكانت تناصره للدين. ولذلك حزن النبي عليه الصلاة والسلام حتى سُمّي ذلك العام بعام الحزن. وكانت وفاة خديجة بعد وفاة أبي طالب، اتفقوا على أن وفاة خديجة في العام الذي توفي فيه أبو طالب، لكن اختلفوا: من الذي توفي أولا؟ هل خديجة توفيت أولا ثم أبو طالب، أو أبو طالب هو الذي توفي أولا ثم خديجة؟ أرجح أقوال العلم على أن أبا طالب هو الذي توفي قبل خديجة، وخديجة بعده في نفس العام. والمؤلف يقول: بعد ثلاثة أيام، وهذا أيضا من الأقوال: أن وفاة خديجة إنما كانت بعد ثلاثة أيام مضت من وفاة أبي طالب. وبعد خمسين وربع أسلم جن نصيبين وعادوا فعلما. وبعد خمسين، أي سنة، لما بلغ النبي سلم من العمر خمسين سنة وربع، أي ربع السنة ثلاث أشهر، بعد خمسين وربع، يعني ربع السنة أي بعد خمسين وثلاثة أشهر، أسلم جن نصيبين. جن نصيبين، نصيبين بلدة، يُفكّر أنها بين سوريا وتركيا، يقال لها نصيبين. قدم الجن من تلك البلدة إلى النبي عليه الصلاة والسلام وأسلموا. قد ذكر الله في كتابه الكريم: ﴿ وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِّنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِم مُّنذِرِينَ * قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنزِلَ مِن بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُّسْتَقِيمٍ * يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ ﴾. رجعوا منذرين، أسلموا، وسألوا الرسول عن أمور فأجابهم عليه الصلاة والسلام، وبين لهم ما يحل لهم وما يحرم عليهم، بين لهم طعامهم الذي يحل لهم: كل عظم ذكر اسم الله عليه، وكذلك أجابهم عما سألوا عنه، ثم رجعوا إلى قومهم منذرين يدعونهم إلى الدخول في الإسلام. ثم على سودته أنضى عقده في رمضان، ثم كان بعده عقد ابنة الصديق في شوال. وبعد خمسين وعام تالي أسري به والصلوات فرضت خمسا بخمسين كما قد حفظت. ثم على سودة بنت زمعة ابن قيس القرشية رضي الله تعالى عنها، كان زوجها السكران ابن عمرو قد هاجر معها إلى أرض الحبشة ثم عاد إلى مكة ثم توفي السكران ابن عمرو رضي الله تعالى عنه، فتزوج النبي صلى الله عليه وآله وسلم سودة بنت زمعة، وهي التي آثرت بيومها لعائشة بعد أن كبرت، صارت كبيرة، فخشيت أن يطلقها النبي صلى الله عليه وسلم، فأحبت أن تكون زوجا له في الآخرة، فتنازلت عن يومها وليلتها لعائشة لأنها تعلم أن النبي عليه الصلاة والسلام يحب عائشة، فأبقاها النبي صلى الله عليه وآله وسلم ولم يطلقها لأنها رغبت أن تكون زوجا بالنبي عليه الصلاة والسلام في الآخرة. والنبي عليه الصلاة والسلام عقد على سودة في رمضان، في رمضان، ألا بأس الزواج في رمضان؟ يتزوج الشخص في رمضان لكن ينتبه لنفسه، لا يلمس في النهار عند زوجته، نعم، يعمل له عملا ولمن، حيث الزواج في رمضان لا شيء فيه. النبي عليه الصلاة والسلام عقد على سودة في رمضان، تزوجها في رمضان، ثم كان بعده، وهذا كان قبل الهجرة بسنتين، قيل قبل الهجرة بثلاث سنوات، عقد النبي عليه الصلاة والسلام على سودة بنت زمعة بن قيس القرشية رضي الله تعالى عنها. ثم كان بعده عقد ابنة الصديق، يعني في شوال، تزوج النبي عليه الصلاة والسلام، عقد على عائشة ابنة الصديق، وكانت عائشة تقول: تزوجنا في شوال، أن أهل الجاهلية كان يتشاؤمون بالزواج في شهر شوال، فأخبرت عائشة أنها تزوجها في شوال وبنى بها في شوال، فأي نساء النبي عليه الصلاة والسلام أحظى بما حظيت به عائشة من النبي عليه الصلاة والسلام؟ واليوم ربما الناس، وبعض الناس يتشاؤمون بالزواج في شهر صفر أو شوال أو في كذا وكذا من الأيام أو الأزمنة، كل هذا من سنة الجاهلية. قالوا: بعد خمسين وعام تالي، يعني بعد عام واحد وخمسين، يعني بلغ أن يسلم العمر إحدى وخمسين عاما، أسري به والصلوات فرضت. ذكر هنا حادثة الإسراء والمعراج، وجاءت هذه بعد توالي الأحزان على النبي عليه الصلاة والسلام: موت أبي طالب عمه، موت خديجة، وخرج إلى الطائف يدعوهم ولقي منهم ما لقي حتى أنه سلطوا عليه غلمانهم يرمونه بالحجارة عليه الصلاة والسلام، فجاءت التسلية والتفريج من الله عز وجل، فكانت حادثة الإسراء والمعراج تسلية للنبي عليه الصلاة والسلام وآية كذلك عظيمة دالة على صدق رسالته عليه الصلاة والسلام ونبوته صلى الله عليه وآله وسلم. والإسراء من بيت الحرام إلى المسجد الأقصى، والمعراج من المسجد الأقصى إلى السماوات العلا. والإسراء ذكر في القرآن صراحة في قوله جل وعلا في سورة الإسراء: ﴿ سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ﴾. كان الإسراء بروحه وجسده، قد جاء في البخاري رواية: أسرى بشخصه، أسرى بشخصه، وهذه الرد على من يقول إن الإسراء كان بالروح فقط، إنما كان الإسراء بشخص النبي عليه الصلاة والسلام، والشخص يتضمن الروح والجسد، وقوله جل وعلا: ﴿ بِعَبْدِهِ ﴾، والعبد هو بالروح والجسد، ﴿ بِعَبْدِهِ ﴾ بروحه وجسده، أسرى به عليه الصلاة والسلام برفقة جبريل على البراق، وهو فوق الحمار ودون البغل، فوق الحمار ودون البغل. براق النبي عليه الصلاة والسلام ليس كما يظن من يظن أن البراق كانت صورته على وجهه، على وجهه صورة امرأة جميلة كما صوروه في بعض اللوحات كانت منتشرة في البيوت، كنا نراها معلقة قبل سنوات، قبل ثلاثين سنة، قبل أربعين سنة تقريبا، المعلق مكتوب تحتها: براق النبي صلى الله عليه وسلم، هو على هيئة فرس عليه السرج ولكن الصورة وجه امرأة عليها الشعر. من قال إن هذا هو براق النبي عليه الصلاة؟ هو دابة أبيض يضع حافره حين ينتهي بصره، يعني أن خطواته تباعد عظيم. أما هذه الصورة فمن أين لكم ذلك؟ فهذا من الافتراء والكذب، من الافتراء والكذب، تباع في المحلات كانت، لكن الحمد لله الآن يعني غير موجودة إلا إذا كانت في بعض البيوت القديمة، الله أعلم. فأسرى بالنبي سلم برفقة جبريل على هذا البراق كما جاء في صحيح البخاري، ثم لما وصل إلى بيت المقدس ربط البراق حلقة من حلق المسجد، وصلى بالأنبياء عليه الصلاة والسلام، ثم عرج به إلى السماوات العلا، كل ما مر بسماء استفتح، رحبوا به، لقيا أبا آدم، وهكذا لقيا كذلك يوسف، إدريس، موسى، هارون، وموسى، ولما تجاوزه بكى موسى، فذكر سبب بكائه: أن رجلا بُعث من بعده، أو نبيا بُعث من قوم من بعده، يدخل من أمته أكثر مما يدخل من أمتي. ثم في السابع لقيا إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام، وكل ما مر على نبي رحب به وأقر برسالته، حتى وصل إلى سدرة المنتهى، في موضع سمع فيه صريف الأقلام، كلمه ربه، لكن لم ير النبي عليه الصلاة والسلام ربه ليلة المعراج بعينيه، لأنه هو الذي قال ذلك، قال: «نور، أنى أراه»، في لفظ آخر: «حجابه النور، لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه من تهيأ إليه بصره من خلقه»، في لفظ: «رأيت نورا». ولكن مثلا كلم ربه وخاطبه، وهذا من الإكرام من الله جل وعلا. ولما نزل نصحه موسى عليه الصلاة والسلام بأن يطلب التخفيف، ورجع الله وسأله التخفيف، فخفف عشرا، ثم نزل، ثم عاد، إلى أن صارت خمسا، حتى قال: «إني استحييت من ربي»، فصارت خمسا في العدد وخمسين في الأجر. هذه حادثة الإسراء والمعراج، لا يدل دليل واضح على متى كانت، والذي اختلف العلماء في ذلك، منهم من يقول في السابع والعشرين من رجب، ومنهم من يقول في ربيع الأول، ومنهم من يقول في شعبان، لا دليل. ولو علم الدليل بأنها كانت في يوم كذا، لا يجوز الاحتفال بذلك. واليوم في كثير من بلاد الإسلام يحتفلون بالإسراء والمعراج، وعيد الميلاد، كل هذه من الاحتفالات البدعية المحدثة في دين الله جل وعلا. ثم قال رحمه الله تعالى: والبيعة الأولى مع اثني عشر من أهل طيبة كما قد ذكر. البيعة، البيعة، البيعة الأولى مع اثني عشر من أهل طيبة، أي من أهل المدينة، المدينة كان يقال لها يثرب، ثم غير النبي اسمها إلى المدينة، ويقال لها طيبة، ويقال كذلك لها طابة، كل هذه أسماء لمدينة رسول الله عليه الصلاة والسلام. فقدم من المدينة اثنا عشر، بايعوا النبي عليه الصلاة والسلام، سماها العلماء هذه البيعة ببيعة النساء، ببيعة النساء، وسموها ببيعة النساء لأن المبايعة كانت مثل تلك المبايعة التي بايعها النساء مع النبي عليه الصلاة والسلام: أن لا يشركن بالله شيئا، ولا يسرقن، ولا يزنين. ومن هؤلاء عبادة بن الصامت رضي الله تعالى عنه، كما جاء في البخاري ومسلم، قال: كنت أحد النقباء الذين بايعوا النبي صلى الله عليه وآله وسلم على أن لا نشرك بالله شيئا، ولا نسرق، ولا نزني، الحديث. وبعد ثنتين وخمسين أتى سبعون في الموسم، هذا ثبت، قدم إلى مكة بعد ثنتين وخمسين، أي من عمر النبي عليه الصلاة والسلام، سبعون في الموسم، أي إلى الحج، من أهل المدينة، هذا ثبت، يعني قدموا من طيبة، أي المدينة، فبايعوا النبي صلى الله عليه وسلم، وهذه البيعة كانت في الليل حتى لا يعلم كفار قريش بهذه البيعة. وأول من تكلم العباس بن عبد المطلب عم النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا كان قبل إسلامه، ليبين لهم ما تستلزم هذه البيعة قبل أن يبايعوا، فبين لهم أن محمدا في منعة من قومه، بني هاشم، لكن أحب أن يذهب إلى بلادهم، فسألهم: هل أنتم كما يقال، أهل لهذا الذي تطلبون، وتعلمون ماذا الذي يلزم هذا منكم؟ أن تمنعوه ما تمنعون أنفسكم، وأن تفدوه. ذكر لهم هذا، فقالوا: نعم، فبايعوا النبي عليه الصلاة والسلام على ذلك، ولذلك هاجر النبي عليه الصلاة من مكة إلى المدينة. قال: ثم هجر مكة يوم... يوم... يوم... يوم... يوم... يوم... من شهر صفر، هذا أحد الأقوال، والقول الثاني الذي رجحه ابن كثير رحمة الله تعالى في البداية والنهاية وغيره من العلماء أن ذلك كان في ربيع الأول، ولعل هذا هو الراجح، أعظم الحوادث كانت في ربيع الأول، شهر ربيع الأول، فهاجر النبي عليه الصلاة من مكة إلى المدينة يوم الاثنين في شهر ربيع الأول. قال: فَجَاءَ طَيْبَةَ الرِّضَ وَجَاءَ طَيْبَةَ الرِّضَ أَيْنَ... رَدَادَ... وَرَجْرَ... ذَلِكَ... أَنْ... سَمَاهُمْ... آدَمَ... أَنَا... كَيْ... وَمُصْطَفَى وَمُجْتَبَى وَخَلِيلَ... عَلَيْهِ الصَّلَاةَ السَّنَانْ... ثم هاجر إلى المدينة في هذا العمر، قال: في يوم الاثنين، ودام فيها، أي في المدينة، عشر سنين كملا نحكيها، أي عاش النبي صلى الله عليه وسلم في المدينة عشر سنوات إلى أن بلغ من العمر ثلاثة وستين سنة، ثم لحق بالرفيق الأعلى صلى الله عليه وسلم. عشر سنين كملا يعني كاملات نحكيها. أكمل في الأولى صلاة الحضر من بعد ما جمع، فاسمع خبري. أكمل في الأولى، أي في السنة الأولى التي هاجر فيها إلى المدينة، أول سنة هاجر فيها، أكمل صلاة الحضر، لأن الصلاة أولا فرضت ركعتان، كما جاء في حديث عائشة، بخار ووسلم، فرضت ركعتان، ثم أقرت صلاة السفر، وأكملت صلاة الحضر التي كانت في الأول ركعتان، أكملت إلى أربع: الظهر والعصر والعشاء. أكمل في الأولى صلاة الحضر، يعني كانت هي صلاة الحضر وهي ركعتان، أكملها يعني إلى أربع، وبقيت ركعتان هي لصلاة السفر، نعم قصرا. قال: من بعد ما جمع، يعني من بعد أن قام الجمعة، وهذه أول جمعة جمع النبي صلى الله عليه وسلم فيها في المدينة، كانوا في مكة لا يستطيعون أن يقيموا جمعة، وذلك لأنه لا يتهيأ لهم ذلك، عداوة قريش ومكر قريش وغير ذلك. أول ما وصل النبي صلى الله عليه وسلم في المدينة في السنة الأولى جمع. ذكر ابن كثير أن أول جمعة أقامها النبي صلى الله عليه وسلم في واد يقال له رانونا، واد يقال له رانونا، راء ألف نون واو نون ألف همزة على السطر، رانونا، هذا ذكره ابن كثير رحمه الله تعالى في البداية والنهاية، في هذا الوادي أول جمعة أقامها النبي عليه الصلاة والسلام. قال: ثم بنى المسجد في قباء، ومسجد المدينة الغراء. ثم بنى المسجد في قباء، أول مسجد بناه المسلمون، مسجد قباء، حين قدم المدينة، بناء المسجد وهو أول مسجد بني. واختلفوا في أول مسجد بني على التقوى في قوله جل وعلا: ﴿ لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ ﴾، لمسجد أسس على التقوى من أول يوم، حق أن تقوم فيه، ﴿ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ ﴾. جاء في مسلم عن عبد الله بن سعيد قال: المسجد هذا المسجد... وحصل الخلاف، جمع العلماء بين الحديثين، يعني من باب الأولى، إذا كان مسجد قباء من أول يوم بني على التقوى، فمسجد النبي من باب أولى أنه كذلك، وإلا إذا أريد أول مسجد يعني بني حيث البناء فهو مسجد قباء. مسجد قباء حين قدم النبي عليه الصلاة والسلام إلى المدينة، وهذه تدلك على أهمية الإسلام، على أهمية المساجد في الإسلام، أول ما يهتم بها، أول ما يهتم بها يهتم بالمساجد، في مكان ساحات، مثلا ساحة يراد أن يخطط، فالأبنية يهتموا في هذا التخطيط أولا أين مكان المسجد، ما ينظرون إلى التخطيط أين كذا وأين كذا، أولا أين المسجد، هذا اهتم به أول ما اهتم به، موضع المسجد، المسجد مهم للمسلمين، المسلمين، نعم، فاهتم أولا أين المسجد، ببناء المسجد من أول قدومه عليه الصلاة والسلام. وقباء هي جنوب المسجد النبوي تقريبا، تبعد ستة كيلو مترات من المسجد النبوي من جهة الجنوب. ثم قال رحمه الله وتعالى: ومسجد المدينة الغراء، يعني المسجد النبوي، بناه بعد ذلك عليه الصلاة، ثم بنى من حوله مساكن، ثم أتى من بعده في هذه السنة، ثم بنى من حوله مساكن، أي من حول المسجد بنى مساكن، بنى مسكنين: مسكنا لسودة ومسكنا لعائشة، لأنه زوجات النبي في ذلك الوقت عنده سودة وعائشة، فلم يكن ليبني جميع المساكن للنساء قبل أن يتزوج، كما قال أهل العلم، وإنما كان إذا تزوج بنى، إذا احتاج فبنى المساكن، كل مسكن بناه النبي حين يحتاج إلى ذلك لأزواجه، لسكن أزواجه، وليست هذه المساكن كما يظن أنها بيوت وكذا، لا، وإنما هي أذرع يسيرة، ربما ستة أذرع الحجرة الواحدة، كما جاء في بعض الحديث، عند بخالف لدى بنفرد، فهي غرف صغيرة، مسكن، حجرة، بيت، بيت، حجرة، فبنى النبي إلى بيوت نسائه، يعني إلى حجرهم، إلى حجرهم، أو إلى بيوت مستقلة من أربع غرف وحمامين وصالة ومطبخ، البيوت حجرة، حجرة عائشة ربما كان رسول أراد أن يسجد لا يستعنس إلا أن يغمز عائشة لترفع رجليها ليسجد عليه الصلاة والسلام، نعم، يغمزها لترفع رجلها لكي يسجد عليه الصلاة والسلام، ضيق الحجرة. قال رحمه وتعالى: ثم أتى من بعد، أو ثم أتى من بعد في هذه السنة، يعني السنة الأولى من الهجرة، هجرة النبي عليه السلام، أقل من نصف الذين سافروا إلى بلاد الحبش حين هاجروا، يعني قدم من مهاجرة الحبشة نصف الذين ذهبوا، والذين ذهبوا كما تقدم معنا نيف وثمانون رجلا وثماني عشر نسوة، أقل من النصف الذين عادوا، أقل من النصف الذين عادوا، قيل من الرجال ثلاث وثلاثون رجلا عادوا من الهجرة، لما سمعوا النبي هاجر إلى المدينة جاءوا من الحبشة، وهكذا من النساء ثمان نسوة، يعني أقل من النصف، أقل من النصف من النصف الذين هاجروا، أي الهجرة الثانية إلى الحبشة. قال: وفيه آخى أشرف الأخيار بين المهاجرين والأنصار، وفيه، أي في هذا العام، في هذه السنة، أولم الهجرة، آخى النبي عليه السلام بين المهاجرين والأنصار، وهذا فيه أهمية المؤاخاة في الإسلام، الحرص عليها، التآخي والمؤاخاة، الحرص عليها، هذه من الأمور المهمة، ومن أوائل الأمور التي حرص عليها النبي صلى الله عليه وسلم حين قدومه إلى المدينة، آخى بين المهاجرين والأنصار، وضرب الأنصار أروع الأمثلة في الإخاء والإيثار، وكما وصفهم الله جل وعلا بقوله: ﴿ وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾. وفي البخاري أن سعد بن الربيع آخى النبي صلى الله عليه وسلم بينه وبين عبد الرحمن بن عوف، فقال سعد بن الربيع لعبد الرحمن بن عوف: هذا مالي أخط شطرا، أي نصفه، فقال: لا أمسك عليك مالك، دلني، دلني على السوق، فدل على السوق، فعمل في ذلك، وما هي إلا أيام، وإذا بسعد بن الربيع يرى على عبد الرحمن أثر صفرة، فقال له: مهيم، مهيم يا ابن عوف، يعني كلمة تعجب لما كان، قال: تزوجت يا رسول الله امرأة من الأنصار، فقال له النبي سلم: كم أصدقتها؟ كم أصدقتها؟ قال: وزن نواة تمر من ذهب، وزن نواة من ذهب، نواة التمر من ذهب، هذا مهر عبد الرحمن بن عوف لهذه المرأة الأنصارية، هات نواة التمر، ضعها في الميزان، شف كم تطلع من الذهب، هذا الصداق، مهر عبد الرحمن بن عوف لهذه المرأة الأنصارية، فالأصحاب ضربوا أروع الأمثلة في المؤاخاة، نعم، بل كانوا يتوارثون، كانوا يتوارثون، إذا مات الأنصاري ورثه المهاجري، حتى نزل الله جل وعلا: ﴿ وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ ﴾، فرد إلى الرحم، هذا يدلك على عظم المؤاخاة التي كانت بين المهاجرين والأنصار، حتى قاسموهم نساءهم، يقول له: هؤلاء نسائي، اختر أيتهن، شيء، وطلقها حتى إذا حلت لك تزوجتها. هذا اليوم نقول: نحن مستحيلات، نصدقنا مع أنفسنا، نحن مستحيلات، يعني أن يحصل إلا من رحم الله، ما يعدم الخير، لكن عنده ناس، هذا من مستحيلات، يتعشى، يعطيك العشاء ويجلس بدون عشاء، الله مستهد، نعم، ذلك الأنصار، قال لزوجته: اطبخي، استرجي، إذا جاء الضيف، ضيف رسول الله عليه الصلاة والسلام، نعم، فيأكل الضيف، باتوا من غير عشاء، لا هم ولا أولاد، لا تعشوا ولا تعشا ولا تعشا، يعني أنت اليوم إذا جاءك الضيف ما معاك إلا عشاء، تعطي عشاء وتجلس بدون عشاء، ها تغيل، نعم تغيل، صحيح، الله المستعان، يصبر الله ويسدد الخلد، وكما قلنا لا نعمل، لا زال فيه الناس خير، منهم من يصل مثل هذه المراتب، نعم، ولن يعدم أمثال هؤلاء في كل زمن، لن يعدم أمثال هؤلاء في كل زمان، وإن كانوا أقل. قال بعد ذلك رحمه وتعالى: وفيه آخى أشرف الأخيار بين المهاجرين والأنصار، ثم بنى بابنة خير صحبه وشرع الأذان فاقتدي به. ثم بنى بابنة خير صحبه، أي بنى بعائشة، النبي صلى الله عليه وسلم تزوج عائشة وهي ابنة ست سنوات، وبنى بها وهي ابنة تسع سنوات، بنى بها أي دخل بها عليه الصلاة والسلام، وشرع الأذان بهذه السنة، شرع الأذان، وإنما كان لا يؤذن للصلاة، وإنما كان يتحينون وقت الصلاة، يعني يقاربون الوقت، يجتمعون، يقاربون الوقت حتى إذا حان الوقت صلوا. جاء في البخاري أن عمر أشار للنبي بأن لو يعني دعوا الناس إلى هذه الصلاة، فكان يقال: الصلاة جامعة، فيحضرون للصلاة، الصلاة جامعة. وبعد ذلك رأى عبد الله بن زيد رؤيا كما جاء في بعض السنن، نعم، وأيضا قد تشاور ما بينهم، فبعضهم كان يقول: لماذا لا نتخذ ناقوسا كناقوس النصارى نعلم به وقت الصلاة؟ وبعضهم قال: لا، لماذا لا نتخذ بوقا كبوق اليهود؟ ثم رأى عبد الله بن زيد تلك الرؤية، وأيضا رآها عمر، نعم، من ذلك الرجل الذي ذكر له، قال له: ألا أدلك على ما هو خير لك؟ يعني من الناقوس ومن البوق، تقول: الله أكبر الله أكبر الله أكبر، الأذان، فقال النبي سلم: إنها رؤية حق، ثم أمرهم بأن ينادوا بهذا الأذان، فقال: لعبد الله بن زيد: قم، علم بلالا، قم، علم بلالا هذا الأذان، لأنه أندى منك صوتا، أقوى من عبد الله بن زيد من الصوت، فنادى بلال بهذا الأذان. ثم قال رحمة الله: وغزوة الأبواء، الآن سيذكر الغزوات التي بدأها النبي عليه الصلاة والسلام بعد أن استقر في المدينة، وهذا العنقف عنده، وإن شاء الله العصر درس العصر، إن شاء الله بدرس العصر كذلك هذه الليلة نجعله درسا في السيرة إضافة إلى درس العشاء ودرس الغد الظهر، ونكمل إن شاء الله هذه المنظومة. صلى الله وسلم وبرك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.