الدرس في شرح عقيدة السلف للصابوني 58، ألقاها
يعتقد أهل السنة أن عواقب العباد مبهمة ولا يمكن الحكم على أحد بعينه، ويشهدون لمن مات على الإسلام بالجنة. يؤمنون أن الله وحده يعلم مصير كل إنسان.
إبهام العواقب يدفع العبد إلى السير إلى الله خائفا وراجيا، والله وحده يعلم عواقب العباد. العلماء لا يحكمون على شخص بعينه إلا إذا دل الدليل على ذلك.
يتناول آراء أهل العلم حول الحكم على معين بأنه من أهل الجنة أو النار، ويختتم الدرس مع الإشارة إلى مزيد من الكلام في درس قادم.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادى له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. ثم أما بعد، قال الإمام أبو عثمان الصابونى رحمه الله: ويعتقد ويشهد أصحاب الحديث أن عواقب العباد مبهمة، لا يدرى أحد بما يختم له، ولا يحكمون لواحد بعينه أنه من أهل الجنة، ولا يحكمون على أحد بعينه أنه من أهل النار؛ لأن ذلك مغيب عنهم، لا يعرفون على ما يموت عليه الإنسان، أعلى إسلام أم على كفر. ولذلك يقولون: إن مؤمنون إن شاء الله، أي من المؤمنين الذين يختم لهم بخير إن شاء الله. ويشهدون لمن مات على الإسلام أن عاقبته الجنة، فإن الذين سبق القضاء عليهم من الله يعذبون بالنار مدة لذنوبهم التي اكتسبوها ولم يتوبوا منها، فإنهم يردون أخيرا إلى الجنة، ولا يبقى أحد في النار من المسلمين فضلا من الله ومنه. ومن مات -والعياذ بالله- على الكفر، فمرده إلى النار، لا ينجو منها، ولا يكون لمقامه فيها منتهى. هذه كذلك مسألة من مسائل القضاء والقدر ذكرها هاهنا الإمام أبو عثمان الصابونى رحمه الله في هذا الباب، تبعا لما تقدم من مسائل القضاء والقدر. هذه المسألة هي عواقب الناس وما يختم لهم، أي: ما هي العاقبة التي تكون لكل إنسان، وما هو مصير كل إنسان إذا أتاه الموت، ثم بعد ذلك أهو إلى جنة أم إلى نار؟ فذكر رحمه الله تعالى هاهنا عقيدة أهل السنة والجماعة، عقيدة أصحاب الحديث: أن عواقب العباد مُبهمة، أي: غير معلومة، لا يستطاع أن يحكم إنسان على إنسان بأنه سيموت على خير، بل لا يستطيع أن يحكم على نفسه أنه سيموت على خير أو سيموت على شر؛ لأن هذه الأمور إلى الله جل وعلا، ما هو مصير كل إنسان، وما يُختم به لكل إنسان، الله أعلم به وحده لا شريك له جل وعلا. فالله جل وعلا هو أعلم بمن يصير إلى مرضاته، إلى رحمته، إلى فضله، إلى إحسانه، وهو وحده جل وعلا يعلم من يكون على غير ذلك السبيل. كما مر معنا في الأحاديث السابقة: «وإن الرجل لا يعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها»، يعني: إذا نظر إنسان إلى إنسان هذا حاله في استقامته، في طاعته، في سيره إلى الله جل وعلا، في بداية أمره، قد يحكم عليه بأنه سيموت على هذا، هذا لا يجوز، الحكم على إنسان بأنه سيموت على طاعة وأنه من أهل الجنة، أو أنه سيموت على معصية وأنه من أهل النار، هذا لا يجوز، بل هذا افتئات على الله جل وعلا؛ لأن هذا من علم الغيب الذي لا يعلمه إلا الله جل وعلا. فالله جل وعلا هو أعلم بالمهتدين فيهديهم، وهو أعلم بالضالين فلا يهديهم، سبحانه وتعالى، بيده الأمر وحده لا شريك له. وهذه المسألة -كما سمعتم- من المسائل التي يذكرها أهل السنة والجماعة كذلك، كغيرها من المسائل التي قد خاض فيها من خاض من المخالفين لأهل السنة والجماعة في هذا الباب. فأهل السنة والجماعة في الوقت الذي يحكمون فيه على الإنسان بظاهره، إن أظهر خيرا حكموا له بظاهره، ولكن أحكام الآخرة من الجنة والنار، فلا يحكمون على معين لم يأت دليل يدل على أنه من أهل الجنة بأنه من أهل الجنة، ولا يحكمون على معين من أهل القبلة ممن كان من أهل المعاصي بأنه من أهل النار، إلا أن يدل الدليل على أنه من أهل النار؛ لأن هذه الأمور لا يعلمها إلا الله جل وعلا. وكما قال نبينا صلى الله عليه وسلم: «إنما الأعمال بالخواتيم»، فالله جل وعلا أعلم بمن يختم له بخير ويكون إلى خير يصير إلى خير، والله جل وعلا أعلم بمن يختم له على سوء -والعياذ بالله- ويكون مصيره كذلك إلى سوء. فلذلك قال رحمه الله: ويشهدون -ويشهد أصحاب الحديث- أن عواقب العباد مبهمة، لا يدرى أحد بما يختم له، الإنسان نفسه لا يعلم بما يختم له، أي: يختم له بخير أم يختم له بغير ذلك. وفي الحقيقة، هذا الإبهام الذي جعله الله جل وعلا للعباد، في العباد هذا الأمر، يظهر منه بعض حكم الله جل وعلا من هذا الأمر؛ إذ أنه سبب لأجل أن يسير العبد إلى الله جل وعلا، جلا خائفا، راجيا، معظما لله رب العالمين جل وعلا، يخشى أن تدركه عاقبة السوء في آخر أمره، وفي آخر عمره -والعياذ بالله- فيكون في سيره إلى الله جل وعلا يسير إلى الله جل وعلا وهو في سيره إلى الله راجيا ما عند الله جل وعلا من الفضل والإحسان والرحمة، وهو كذلك في سيره إلى الله جل وعلا خائفا من الله جل وعلا أن تدركه عاقبة السوء -والعياذ بالله-. فلأجل هذا كان إبهام عواقب الأمور له ثمرة عظيمة في سير العباد إلى الله جل وعلا. قال رحمه الله: ولا يحكمون لواحد بعينه أنه من أهل الجنة. وسيأتي معنا أن هذا العموم له استثناءات، سيأتي لنا أن هذا العموم أن له استثناءات، أي: في قوله: ولا يحكمون لواحد بعينه أنه من أهل الجنة، يستثنى من ذلك إلا ما دل الدليل، أو إلا من دل الدليل على أنهم من أهل الجنة، الأنبياء من أهل الجنة، من جاءت النصوص على أنهم من أهل الجنة، كالصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم، ممن رضي الله عنهم ورضوا عنه، أهل بدر، أهل بيعة الرضوان، العشرة الذين بشرهم النبي صلى الله عليه وسلم، وغير ذلك من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ممن جاء الدليل يدل على أنهم من أهل الجنة. وهذه سيأتي الكلام عليها بإذن الله جل وعلا في درسنا اللاحق. فقوله رحمه الله تعالى: ولا يحكمون لواحد بعينه أنه من أهل الجنة، أي: ما لم يدل الدليل على ذلك، ما لم يدل الدليل على ذلك، فهو عام، ولكن يستثنى منهم ما دل الدليل على أنهم من أهل الجنة كما تقدم. ومعنى هذا أن من لم يحكم عليه نبينا صلى الله عليه وسلم، من لم يخبر نبينا صلى الله عليه وسلم بأنهم من أهل الجنة، ولو مات على الإسلام، ولو مات على الصلاح، ولو مات على الاستقامة، فلا يُحكم عليه بأنه من أهل الجنة. وهل هذا مقام اتفاق ومحل اتفاق بين السلف؟ الجواب: أن هذه المسألة مما وقع فيها الخلاف بين السلف رحمهم الله تعالى في هذه المسألة بعينها، أي: من مات من أهل القبلة وكان ظاهره الاستقامة والخير، وأثنى عليه الناس خيرا، كأئمة التابعين، أئمة تابعي التابعين، الأئمة المشهورين، المتابعين، الأئمة في كل زمان ومكان، ممن ماتوا على استقامة وخير، هل يُحكم عليهم بأعيانهم؟ مثلا هل نقول: سعيد بن المسيب في الجنة، الحسن البصرى في الجنة، أحمد بن حنبل في الجنة، الشافعى في الجنة، ابن تيمية، شيخ الإسلام ابن تيمية، ابن القيم، ابن كثير، في الجنة، ابن باز، الألبانى في الجنة؟ هل نحكم على هؤلاء بأعيانهم بأنهم في الجنة؟ هؤلاء فيما نحسبهم، والله حسيبهم، ماتوا على خير واستقامة، لكن هل نحكم عليهم بأعيانهم بأنهم من أهل الجنة؟ هذه مسألة -كما سمعتم- وقع فيها خلاف قديم بين الأئمة رحمهم الله، بل خلاف ينسب إلى أنه كان أول ما كان في عد الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم. فمن أهل العلم من قال: من شهد عليه المؤمنون بالخير والصلاح والبر، فإنه يحكم عليه بأنه من أهل الجنة بعينه، مثل من ذكروا. ومن أهل العلم من أهل العلم من قال: لا يحكم على معين بجنة ولا بنار، ممن لم يأت الدليل الدال على أنهم في الجنة أو أنهم في النار. وذكر قول ثالث في المسألة، وهو التوقف. والقول المشهور الذي اشتهر بين الأئمة والعلماء، والذي يذكره العلماء رحمهم الله تعالى في كتب الاعتقاد هو القول الثاني، القول الثاني: أي أنه لا يشهد لمعين بأنهم من أهل الجنة، ولو مات على خير وصلح، ولكن يقولون: نرجو للمحسن الخير، ونخاف على المسيء من الضر، أي: ممن كان من أهل القبلة. والقول الأول، أصحاب القول الأول، هذا القول نسبه شيخ الإسلام رحمه الله تعالى إلى الخليفة الراشد عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه، أي أنه ممن كان يقول بجواز تعيين الشخص بأنه من أهل الجنة إذا كان ممن أثنى عليه المؤمنون خيرا. يدل على هذا ما جاء في الصحيح في صحيح البخارى أن عمر رضي الله عنه وأرضاه كان في جنازة فأثنوا عليها خيرا، فقال عمر: وجبت. فقيل له: ما وجبت؟ فقال عمر: ذكر لهم عمر أنه حصل هذا أو مثل هذا الأمر في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، أي: أتت جنازة مرت جنازة بالنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه فأثنوا عليها خيرا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: وجبت. فمرت جنازة أخرى فأثنوا عليها سوءا أو شرا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: وجبت. فقال الصحابة: ما وجبت يا رسول الله؟ قال: أما الجنازة الأولى فأثنيتم عليها خيرا، فوجبت لهم الجنة، وأما الأخرى فأثنيتم عليها شرا، فوجبت لها النار. ثم قال: «أنتم شهداء الله على خلقه»، أنتم شهداء الله على خلقه. فاستدل من استدل بهذا الحديث: من أن المؤمنين إذا شهدوا على إنسان معين بأنه من أهل الخير والصلاح وأثنوا عليه خيرا بأن هذا الشخص من أهل الجنة، «أنتم شهداء الله على خلقه»، والعكس بالعكس إذا أثنوا عليه شرا فالعكس بالعكس وجبت. وفي الحقيقة من حيث المعنى والدلالة القول قوى، ولا سيما وأنه قول منسوب إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه، وفي طائفة آخرين من العلماء رحمهم الله تعالى. لكن أصحاب القول الثاني كذلك يستدلون بأدلة، منها ما جاء في قصة ذلك الرجل الذي كان يخدم النبي صلى الله عليه وسلم وكان في غزوة، فجاءه سهم فقتله، فأثنوا عليه خيرا، قالوا: هنيئا له الجنة، صاحب رسول الله ومات غازيا -يعنى- شاهدوا له بماذا؟ بالخير. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تقولوا هذا، بل هو في النار؛ في شملة غلها من الغنيمة». الشاهد أن الصحابة أثنوا عليه خيرا، ومع هذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تقولوا هذا، بل هو في النار؛ بشملة غلها من الغنيمة» أو كما قال صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. فدل هذا على أن الأمر في ذلك إلى الله جل وعلا هو أعلم. فكون النبي صلى الله عليه وسلم قال: «وجبت، وجبت»، فهذا يحمل على أن الله جل وعلا أطلع نبيه صلى الله عليه وسلم بما أطلعه في خبر تلك الجنازتين، فأخبر بذلك. فالأمر كما ذكر، فالأمر كما ذكر. فمن حيث الإجمال والعموم يقال: كل مؤمن في الجنة، من حيث العموم والإجمال يقال: كل كافر في النار، الكفار الذين ماتوا على الكفر هم في النار. لكن نتكلم على أهل الإيمان، نقول: المؤمن كل مؤمن على وجه العموم هو في ماذا؟ هو من أهل الجنة. ثم دخوله إلى الجنة قد يكون دخولا أوليا، وقد يكون دخولا مآليا، إن أدخله الله جل وعلا النار بذنوبه، ما دام مؤمنا. وللمسألة مزيد كلام يأتي ذكره بإذن الله جل وعلا في درس قادم. نكتفي بهذا القدر في هذا اليوم، إلى هنا. سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.