شرح عقيدة السلف للصابوني 42

الدرس في شرح عقيدة السلف للصابوني 42، ألقاها

عقيدة أهل السنة في أبدية الجنة والنار

أهل السنة والجماعة يعتقدون أن الجنة والنار مخلوقتان وباقيتان أبدًا كما دلت النصوص، وهذه العقيدة محل اتفاق بينهم. هناك خلاف مع غيرهم حول هذه المسألة.

مناقشة فناء النار وخلودها

يناقش المقطع مسألة فناء النار، ويفرق بين قول الجهمية بفناء الجنة والنار وبين قول بعض أهل السنة بفناء نار الموحدين، ويخلص إلى بقاء النار كما دلت عليه النصوص.

خلود أهل الجنة والنار وتأكيد أبديتهما

يتناول المقطع موضوع خلود أهل الجنة والنار، مستدلًا بالآيات والأحاديث على دوام العذاب لأهل النار وخلود أهل الجنة، مع مناقشة أقوال بعض الفرق حول هذا الموضوع وتأكيد أبدية خلودهما.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. والحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، ما زلنا في كلام الإمام أبي عثمان الصابوني رحمه الله تعالى، في قوله: «ويشهد أهل السنة أن الجنة والنار مخلوقتان، وأنهما باقيتان لا تفنيان أبدًا». وهذا كذلك الذي عليه أهل السنة والجماعة، فأهل السنة والجماعة من عقيدتهم التي يدينون الله جل وعلا بها في الجنة والنار، يعتقدون أنهما مخلوقتان من خلق الله جل وعلا، وأنهما موجودتان، وأنهما باقيتان أبد الآباد، لا تفنيان ولا تزولان، كما دلت على ذلك النصوص الكثيرة من كتاب الله جل وعلا، ومن سنة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، في الإخبار أن الجنة باقية أبد الآباد، وأن النار باقية كذلك أبد الآباد. كما في آيات كثيرة يذكر الله جل وعلا فيها، إذا ذكر الجنة قال: ﴿خالدين فيها أبدا﴾، وإذا ذكر أهل النار قال: ﴿خالدين فيها أبدا﴾. وهذه نصوص واضحة تدل على أبدية الجنة، وعلى أبدية النار، فأهل السنة والجماعة يدينون الله جل وعلا بما نطق به كتاب ربنا جل وعلا، وكذلك ما جاء في سنة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. وهذه المسألة خاصة وقع فيها كذلك خلاف بين أهل السنة والجماعة وبين غيرهم من أهل الأهواء، لذا ذكرها ويذكرها العلماء رحمهم الله تعالى سلفًا وخلفًا في كتب العقائد؛ ليقرروا فيها مذهب أهل السنة والجماعة، ويحذرون فيها عن مذهب من خالفهم من خالف أهل السنة والجماعة في هذه العقيدة. وكما سمعتم أن أهل السنة والجماعة متفقون على أبدية الجنة، وأنها باقية أبد الآباد، متفقون على هذا، وكذلك بالنسبة لأبدية النار، كذلك الصحيح من أقوال العلماء رحمهم الله تعالى، فإن المسألة بين أهل السنة والجماعة أنها محل اتفاق كذلك. وما وقع أو ما ذكر من خلاف في مسألة فناء النار عن بعض السلف، وكذلك عن بعض الأئمة رحمهم الله تعالى، جاءت النصوص الأخرى الواضحة البينة أنهم أرادوا بذلك نارًا خاصة، ولم يريدوا النار التي هي جهنم -العياذ بالله- أنها تفنى كلها، ولكن ما جاء عن السلف منها هو صحيح، ولكنه ليس بصريح، وكثير من الآثار المذكورة في الباب هي محل نظر من حيث الصحة. ثم كما سمعتم هي محل نظر من حيث الدلالة، وكذلك ما نقل عن بعض الأئمة رحمهم الله تعالى، ولا سيما شيخ الإسلام رحمه الله تعالى، فالصحيح من أقوال المحققين أن شيخ الإسلام رحمه الله تعالى لم يقل في هذه المسألة بأن النار تفنى، وإن نقل عنهم بعض المقربين منهم رحمه الله تعالى هذا النقل. ولكن النصوص الكثيرة المتكاثرة عن شيخ الإسلام رحمه الله تعالى تدل على أنه ينكر هذا القول، وأنه ينسب هذا القول إلى الجهمية، أنه قول الجهمية، أي القول بفناء النار، فلذا كما سمعتم إذا علم بأن هذا القول في الحقيقة هو قول الجهمية، فما روي من آثار، وكذلك ما ذكر من كلام بعض الأئمة رحمهم الله تعالى في فناء النار، ليس المراد به ما ذهبت إليه الجهمية سواء بسواء، وإنما أرادوا بذلك نارًا خاصة، وهي نار الموحدين. وهي نار الموحدين بمعنى كما تقدم معنى أن الله جل وعلا إذا أدخل مذنبين هذه الأمة ممن عنده أصل الإيمان وأصل التوحيد، إذا أدخله الله جل وعلا، فإن مكانته في النار ليست كمكانة الكافر، بل هو دون الكافر بكثير؛ لأن الكافر كافر، والمؤمن مؤمن ولكنه مذنب، فاستحق -إن شاء الله- أن يعذبه بذنوبه أن يعذب، فالنار التي يعذب بها أهل الإيمان من أهل الذنوب هي دون نار الكافرين بكثير؛ لأن النار دركات، النار دركات، أعلاها أخفها وأدناها أشدها، كما قال الله جل وعلا في كتابه الكريم عن المنافقين: ﴿إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار﴾. فدل على أن النار دركات، وجاء النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم أنه قال في عمه أبي طالب، وهو من أهل النار لأنه مات مشركًا، قال: بأنه أخف أهل النار عذابًا. الشاهد من هذا أن أهل النار في النار على دركات، ليسوا في طبقة سواء، كما أن أهل الجنة في الجنة على درجات، الجنة درجات، كل ما كان أعلى كان أفضل. فالحاصل من هذا أن بعض الأئمة رحمهم الله تعالى أخذًا بالنصوص الدالة على أن نار المؤمنين هي دون نار الكافرين، قال بفناء النار، وقصد بذلك فناء نار الموحدين، قصد بذلك فناء نار الموحدين، لا النار أصلًا ورأسًا، ففرق بين أن يقول قائل بأن النار تفنى كما قالت الجهمية، وهو قول باطل، وبين أن يقول بأن نار الموحدين تفنى، لا أن النار أصلًا ورأسًا تفنى. وضح لنا الفرق أم لا؟ ففرق بين هذا وهذا، فالحاصل أنهم جاء عن بعضهم هذا القول، ولهم أدلة من حيث النظر، كما يقال: قد يقال بأنها لها حظ من النظر؛ لأنها باطل محض، بخلاف قول جهمية، فإنه باطل محض، لذا الجهمية لما أنكروا بل وقالوا بفناء الجنة والنار، كان هذا من أسباب تكفير الأئمة لهم، كما ذكر ذلك غير واحد من الأئمة رحمهم الله تعالى، ومنهم الإمام ابن أبي العز رحمه الله تعالى شارح الطحاوية. قال: عندما ذكر وتكلم على أقوال الناس في فناء الجنة والنار وبقاء الجنة والنار، قال: وذهبت الجهمية إلى القول بأن الجنة والنار تفنيان، قال: وهذا قول معارض للنصوص القرآنية والنبوية، ولأجلها كفر الأئمة رحمهم الله تعالى الجهمية، قال: كلامًا هذا معناه، لكن ما نقل عن بعض الأئمة من أهل السنة والجماعة بالقول بفناء النار، فمقصدهم فناء نار الموحدين. وهذا كما سمعتم له حظ من النظر، لكن الصواب والصحيح أن النصوص من حيث هي تدل على بقاء النار، فنبقى على ظواهر النصوص، ولن تعدوها، نبقى على ظواهر النصوص، فنقول بأن النار باقية، بأن النار باقية لا تفنى، دون تفصيل ولا تفريق بين نار الموحدين ونار غيرهم، كما دلت النصوص على ذلك، فلا نحتاج إلى مثل هذا التفصيل. ومن باب التنبيه أيضًا ذكر عن الإمام العلم ابن القيم رحمه الله تعالى القول بفناء النار هكذا مطلقًا، والصواب أن ابن القيم رحمه الله تعالى كان له في هذه المسألة مرحلتان، المرحلة الأولى القول بفناء النار، لكن فناء نار الموحدين، كما نص على ذلك في بعض كتبه نصًا، يعني جاء في بعض الكتب أطلق الكلام، وفي كتب أخرى نص وقيد ما أطلق، وجلّ الأمر تمامًا، وبيّن أن المقصود بكلام السلف، وما ذهب هو إليه أيضًا أن المقصود بذلك فناء نار الموحدين، لا فناء النار مطلقًا. ثم إن لابن القيم أيضًا رحمه الله تعالى كلامًا آخر يدل على أنه رجع عن هذا القول، وهذا هو اللائق بعلم ابن القيم رحمه الله تعالى وإمامته في الدين، فالحاصل في هذه المسألة أن الجنة باقية الأبد، وهذا باتفاق أهل السنة والجماعة، وأن النار من حيث نار الكافرين أيضًا باتفاق أهل السنة والجماعة أنها باقية أبد الآباد. وإنما وقع الخلاف في نار الموحدين، هل تفنى أم لا؟ وقع شيء من الخلاف، والصواب أنها لا تفنى كما دلت النصوص الكثيرة على ذلك، هذا وصواب في المسألة بالنسبة لأهل السنة والجماعة، وأما الجهمية فكما مر معنا يقولون بأن الجنة والنار تفنيان وتبيدان، وهذا قول باطل أصلًا ورأسًا؛ لأنه مكذب لكلام الله جل وعلا، ولكلام رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم الدال على بقائهما أبد الآباد، على بقاء الجنة والنار أبد الآباد. وهناك قول في المسألة عجيب غريب، وهو للعلاف المعتزلي الجهمي، قول كما سمعتم غريب عجيب، فقال قولًا هو أراد التوسط، لكن الرجل عقلاني، أي ليس صاحب دليل عقلاني، فقال: بالنسبة للجنة والنار لا نقول بأنهما تفنيان، لا نقول بأنهما تفنيان فرارًا من قول الجهمية؛ لأنهم كفروا، هو يقول: ما نقول بأنهما ماذا؟ تفنيان، لكن نقول: إنه يأتي زمان على أهل الجنة والنار تفنى فيه الحركة عن المخلوقات، تفنى الحركة، يعني يقفون. تعرفون يقفون، يعني حتى ابن القيم رحمه الله تعالى سخر من هذا الكلام في أبيات النونية، ومعناها قالوا: كأنه قال: تخيل هذا القول، رجل مثلًا أخذ في الجنة أخذ الفاكهة يريد أن يتناولها، جاء الوقت الذي تقف فيه حركة العباد، أين ستكون الفاكهة؟ آخر يطعم، آخر يشرب، آخر... آخر... إلى غير ذلك. هذا القول كما سمعتم غريب عجيب، وأضحك الناس عليه، أضحك الناس عليه بسبب هذا القول الذي لا يصدقه نقل، ولا يدركه عقل، فلأجل هذا كما سمعتم كان ذلك القول ما سمعتموه، قوله رحمه الله تعالى: «وأن أهل الجنة لا يخرجون منها أبدًا»، هذه النصوص النصوص الكثيرة دلت على هذا. فأما الذين سعدوا ففي الجنة خالدين فيها أبدًا، ﴿ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء الله عطاء غير مجذود﴾، وقول الله جل وعلا: ﴿إلا ما شاء الله﴾ هنا للتحقيق، إلا ما شاء الله هنا للتحقيق، أي شاء الله جل وعلا أن يخلدوا فيها، وقيل: بأنه إلا ما شاء الله فترة بقاء في البرزخ في القبر، وقيل غير ذلك. الشاهد: ﴿عطاء غير مجذود﴾ أي مستمر، مستمر دائم، هذا في أصحاب الجنة، وكذلك كما قال: وكذلك أهل النار الذين هم أهلها، من هم أهلها؟ الكفار المشركون المنافقون الذين ماتوا على الكفر -والعياذ بالله- أما أهل الكبائر ممن عندهم أصل الإيمان، فهم ليسوا من أهلها، إن دخلوها، هم ليسوا من أهلها، إن دخلوها. أهلها أهل النار الجبارون المتكبرون -والعياذ بالله- المشركون الكافرون -والعياذ بالله- والعياذ بالله، فهؤلاء هم أهلها، أهلها كما قال: ﴿خلقوا لها لا يخرجون منها أبدا خالدون مخلدون فيها أبد الأباد﴾ كما قال الله جل وعلا في آيات كثيرة من كتابه ما يدل على هذا. الله جل وعلا في هؤلاء: ﴿كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها ليذوقوا العذاب﴾، تأمل إلى هذه الآية، كلما تفيد ماذا؟ كلما تفيد الاستمرار، تفيد ماذا؟ الاستمرار، كلما نضجت جلودهم من النار -والعياذ بالله- بدلناهم جلودًا غيرها، لماذا؟ ليذوقوا العذاب، الأمر يستمر، يدل على دوام، أبدية، أو يدل على انقطاع؟ يدل على استمرار ودوام أبدية. والأدلة في ذلك كثيرة، الشاهد من هذا أن أهل النار الذين هم أهلها هم فيها خالدون مخلدون أبد الآباد -والعياذ بالله- قال رحمه الله: «وأن المنادي ينادي يومئذ: يا أهل الجنة خلود ولا موت، ويا أهل النار خلود ولا موت»، على ما ورد الخبر الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما في الصحيحين من حديث أبي سعيد، وجاء كذلك في الصحيحين من حديث ابن عمر بنحوه. وفيه قال نبينا صلى الله عليه وسلم: «قال: يؤتى يوم القيامة بالموت كهيئة كبش أملح، فيوقف بين الجنة والنار، فيقول: يا أهل الجنة ويا أهل النار»، قال نبينا صلى الله عليه وسلم: «فيشرئبون، وكلهم قد عرفه عرف الموت»، والمقصود بالموت ها هنا الموت المعنوي، ليس المراد به ملك الموت، ننتبه، المقصود بقول النبي صلى الله عليه وسلم: «ويؤتى بالموت»، ليس المراد به ملك الموت، ولكن المراد به ماذا؟ الموت الحقيقي الذي هو خروج الروح من الجسد. يؤتى به يوم القيامة فيعرفونه؛ لأنهم كلهم قد ذاقوه، كما قال الله جل وعلا: ﴿كل نفس ذائقة الموت﴾، فحينها ينادي: يا أهل الجنة خلود فلا موت، ويا أهل النار خلود فلا موت. وهذا حديث كما سمعتم رواه البخاري ومسلم من حديث ابن عمر، وكذلك من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنهم جميعًا. وهذا نص واضح صريح في خلود أهل الجنة الذين هم أهلها في الجنة أبد الآباد، وخلود الذين هم أهل النار في النار أبد الآباد، والله تعالى أعلى وأعلم. وسبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.

شاركنا على