شرح كتاب تجريد التوحيد المفيد 41

شرح كتاب تجريد التوحيد المفيد 41

الدرس في شرح كتاب تجريد التوحيد المفيد 41، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

الصنف الأول: نفاة الحكمة والتعليل في العبادة (المذهب الأشعري)

يبيّن المقطع موقف الصنف الأول الذين ينفون الحكمة والتعليل في العبادة، وينسبون هذا المذهب للأشعرية الذين يرون أن العبادة مجرد أمر إلهي بلا غاية أو مصلحة. كما يوضح تفسيرهم لآية خلق الجن والإنس للعبادة بأنها تعني جعلهم عباداً فقط، ونفيهم للعلية في المخلوقات معتبرين إثبات الأسباب شركاً.

نفي الإرادة للخلق ومسألة التحسين والتقبيح عند الأشاعرة

يناقش المقطع خطأ الأشاعرة في نفي الإرادة عن المخلوقين واحتجاجهم بآية ﴿ يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ ﴾ لإثبات الإرادة للجماد، مما يؤديهم إلى تكفير العامة. كما يبين فساد قولهم بالجبر ونفي التعليل، وموقفهم من التحسين والتقبيح بأنه شرعي فقط مخالفين أهل السنة الذين يثبتونه بالعقل والشرع معًا.

النظر إلى العبادات بوصفها تكاليف ثقيلة وأثرها في حلاوة الطاعة

يوضح المقطع كيف أن اعتبار العبادات مجرد تكاليف مفروضة ينزع حلاوتها ويمنع التمتع بها، مبيناً أن المحب الحقيقي لله يفرح بأوامره ولا يراها أثقالاً. وينسب هذا الرأي إلى الجعد بن درهم والجهمية، مع استغراب صدوره عن الأشاعرة رغم فقاهتهم.

الانتفاع بالعبادة وختم الدرس

يُشير المقطع إلى الصنف الأول ممن ينتفعون بالعبادة وفق تصنيف المؤلف، مع توقع استكمال الشرح في درس قادم. كما يتضمن ذكراً متكرراً لترجمة نانسي قنقر في ختام الجلسة.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، قال المؤلف المقريزي رحمه الله: فعلم أن الناس في منفعة العبادة وحكمتها ومقصودها طرقًا أربعة، فهم في ذلك أربعة أصناف. الصنف الأول: نفاة الحكمة والتعليل، الذين يردون الأمر إلى نفس المشيئة وصرف الإرادة. فهؤلاء عندهم القيام بها ليس إلا مجرد الأمر، من غير أن تكون سببًا لسعادة في معاش ولا معاد، ولا سببًا لنجاة، وإنما القيام بها لمجرد الأمر ومحض المشيئة، كما قالوا في الخلق: لم يخلق لغاية ولا لعلة هي المقصودة به، ولا لحكمة تعود إليه منه. معناه: يقولون هؤلاء إن الله عز وجل ما خلق الناس لحكمة، ولا خلق خلقهم لعبادته، وإنما العبادة فقط شيء أمر راجع إلى المشيئة، مشيئة الله عز وجل وإرادته. وهذا هو قول الأشعرية، وهو قول بعيد عن الحجة. ولهذا فهم لا يقولون في قول الله جل وعلا: ﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ﴾ ما يقولون أن اللام للتعليل، أي لأجل عبادته، وإنما يقولون: ليصيرهم عبادًا له. وهذا كلام باطل، ليس له في لغة العرب، ولا أيضًا يقتضيه العقل، أن الله عز وجل خلق الخلق لأجل أن يصيرهم عبادًا، فهم عباده وعبيد. فلهذا أتوا بمثل هذه الأشياء البعيدة عن الحق، والبعيدة عن العقيدة الصحيحة. قال: ولا لحكمة تعود إليه منه، وليس في المخلوقات أسباب تكون مقتضيات لمسببات. وهؤلاء هم يسمون نفاة العلة ونفاة السبب، وأمر التعليل عندهم غير موجود في شيء من الكتاب ولا في السنة. ولهذا لا يجعلون شيئًا فاعلًا بنفسه، ولهذا يقولون: وليس في النار سبب للإحراق. فإذا قلت: إن إصبعي حرقته النار، فهذا عندهم شرك؛ لأنك جعلت للنار إرادة. وإذا قلت مثلًا: إن الزجاجة أو الحجر كسر الزجاجة، فيقولون: هذا شرك أيضًا، لماذا؟ لأنك جعلت للحجر إرادة، والإرادة عندهم ما تكون إلا لله. وهذا خطأ وتناقض، ومخالف أيضًا لكتاب الله. الله عز وجل لما ذكر الجدار قال: ﴿ يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ ﴾، ذكر حتى للجدار إرادة، حتى للحجر أو للجدار أقصد إرادة، فكيف ببني آدم؟ ولهذا هؤلاء نفاة الإرادة، يقولون: إنه ليس هناك إرادة إلا لله، وهم الجبرية، وهم الأشعرية، معنى هذا قول الأشعرية. ولهذا يجعلون كل من ادعى إرادة لغير الله يقولون: إنه مشرك، ومعنى ذلك أنهم يكفرون الناس جميعًا ويشركونهم جميعًا، لأن هذا قد اعتاده الناس وجرى على ألسنتهم، يقول: حرقتني النار، احترقت بالنار، هذا شيء معروف في لغة العرب، لكن هؤلاء جعلوه أن هذا يعتبر شرك. قال: فيقال: ماذا ترون أن يقال؟ فيقال: إنه احترق إصبعي عند النار، احترق إصبعي عند النار، ماذا؟ حتى لا تكون النار سببًا. وهذا كلام باطل، ولا في الماء قوة الإغراق ولا التبريد. وهكذا الأمر عندهم سواء، لا فرق بين الخلق والأمر، لا فرق بين نفس الأمر، بين المأمور والمحظور، معنى كلهم عندهم واحد. وهذا كله بسبب هذا أصلهم الميت الذي هو نفي التعليل، حتى لا يقعوا، وهذا أيضًا جرهم إلى هذا، نفي التعليل جرهم إليه القول بالجبر، القول بالجبر. قال: ولكن المشيئة اقتضت أمره بهذا ونهيه عن هذا، من غير أن يكون المأمور به صفة تقتضي حسنه، ولا بالمنهي عنه صفة تقتضي قبحه. وهذا أيضًا كلام غير صحيح، على أن الأمر ليس فيه صفة تقتضي حسن هذا الشيء، وهو ما يسميه العلماء بمسألة التحسين والتقبيح. التحسين والتقبيح: هؤلاء الأشعرية يقولون أن التحسين والتقبيح من الشرع، وهو قول جبرية أيضًا، قول الجهمية. والمعتزلة يقولون: التحسين والتقبيح بالعقل. وأما أهل السنة فيقولون: أن التحسين والتقبيح بالعقل والشرع معًا، الشرع لم يأت إلا بما هو حسن في عقول الناس، إما حسنه أو منفعته خالص أو راجح، ولا ينهى إلا ما كان قبيحًا، إما قبحه خالص وإما قبحه راجح. قالوا: لهذا الأصل لوازم فاسدة وفروع كثيرة، وهؤلاء غالبهم لا يجدون حلاوة العبادة، لأنهم يقولون: إن العبادة ليست سببًا للنجاح، ليست سببًا للنجاح ولا للذتها، ولا يتنعمون بها. ولهذا يسمون الصلاة والصيام والزكاة والحج والتوحيد والإخلاص ونحو ذلك تكاليف، أي كلفوا بها. ولو سمى مدع محبته ملكًا من الملوك أو غير ما يأمر به تكليفًا لم يعد محبًا له. إنهم يقولون: هذه تكاليف فقط، أمر الله عز وجل بها الناس، ولهذا فهم لا يرون الحكمة في العبادات، فلهذا يقولون بتكليف ما لا يطاق، أن الله عز وجل قد يكلف العبد ما لا يطاق. وهذا كلام باطل، لأن الله عز وجل قد قال: ﴿ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ﴾. قال: أي كلفوا بها، ولو سمى مدع محبته ملكًا من الملوك أو غير ما يأمر به تكليفًا لم يعد محبًا له، يعني: لو قال ملك من الملوك: يا فلان افعل كذا، لما قال هذا العبد أو هذا صاحب الملك: هذا تكليف، هذا يكلفني كذا وكذا، فإن كان قال هذا فهو يعد أنه ليس محبًا له، وإلا لو كان محبًا له لجعل، أو كانت تكاليفه عليه من يفرح بها ويحب أن يأمره، يحب أن يأمره، فكيف برب العالمين سبحانه وتعالى؟ فأهل عبادته وطاعته يحبون الطاعة ويحبون العبادة لأن الله عز وجل أمرهم بها. قال: وأول من صدرت عنه هذه المقالة الجعد بن درهم، أن هذا هو قول نفاة أو مثبتة القدر من الجهمية والأشاعرة. معنى العجيب أن يقول مثل هذا الكلام الجهمية، أقصد: ليس عجيبًا أن يقول الجهمية هذا الكلام، لكن من العجيب أن يقول هذا الكلام الأشاعرة الذين هم فقهاء في مذاهب كثيرة وفي الفقه، وقد عرفت اجتهاداتهم، وكذا يأتون بمثل هذا الكلام الذي لا يقوله حتى الطفل، ولا يقوله العاقل، فضلًا عن غيره. فهذا الصنف الأول ممن ذكره المؤلف في من ينتفع بالعبادة، إن شاء الله تعالى نكون في درس، الله أعلم. ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر