شرح كتاب تجريد التوحيد المفيد 43

شرح كتاب تجريد التوحيد المفيد 43

الدرس في شرح كتاب تجريد التوحيد المفيد 43، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

تقسيم المؤلف لأصناف الناس في فائدة العبادة

يستعرض المؤلف أربعة أصناف في نظرهم لفائدة العبادة، مبيناً أن الصنف الرابع القائل بالجمع بين الخلق والأمر والقدر والسبب هو الحق. ويؤكد أن غاية العبادة هي معرفة حقيقة الإلهية وإخلاص العبادة لله وحده مستنداً إلى القرآن وكلام ابن تيمية.

غاية الخلق وحقيقة العبادة ومحبة الله

يوضح المقطع أن الله خلق السماوات والأرض بالحق لغاية العبادة، وأن أصل العبادة هو محبة الله المتحققة باتباع أمره واجتناب نهيه واتباع رسوله. ومن قدم محبة غير الله أو طاعته على محبة الله فقد وقع في الشرك، والواجب التمسك بالكتاب والسنة.

أصول العبادة الأربع ووجوب اتباع النبي صلى الله عليه وسلم

يحذر النص من مخالفة قول النبي مع الإقرار بوقوع الخطأ على غير المعصوم، ويبين أن العبادة الحقيقية تقوم على أربع قواعد: التحقق بما يحب الله ورسوله، وقيام ذلك بالقلب واللسان والجوارح. ويستدل بقوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾.

خاتمة شرح تجريد التوحيد المفيد

يختتم المؤلف شرحه بتفسير آية «اهدنا الصراط المستقيم» باعتبارها جامعة للأمرين التفصيليين وإلهام العمل بهما واتباع سبيل السالكين إلى الله. ويصرح بأن هذا هو آخر ما ورد في الرسالة المفيدة للإمام المقريزي.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن ولاه. أما بعد، فذكرنا ما ذكره المؤلف رحمه الله من الأصناف التي ذكرها في فائدة العبادة. وأن أنفع الطرق للعبادة منهم من ذكر نفاة القدر أولاً، والتعليل: أن العبادة من قيام بالعبادة ليس إلا مجرد الأمر، من غير أن تكون سبباً لسعادة في معاش ولا معاد، ولا سبباً للنجاح. والصنف الثاني هم من ذكرهم بالقدرية النفاة، الذين يثبتون نوعاً من الحكمة والتعليل لا يقوم بالرب. هؤلاء ما جعلوا أيضاً في العبادة شيئاً من المصلحة، وإنما جعلوها علامة؛ أي الأعمال والطاعة جعلوها علامة على الفوز. وذكر طائفة ثالثة الذين زعموا أن فائدة العبادة في العبادة رياضة النفوس واستعدادها لفيض العلوم والمعارف، وهم أهل التصوف. ذكر أنهم صنفان، فجعلوا العبادات رياضة للنفس، وأنها تحمل العبد أو تخرجه من حالته البهيمية كما يقولون. فهذا أيضاً كلام باطل. قال: الصنف الرابع هم القائلون بالجمع بين الخلق والأمر، والقدر والسبب. فعندهم أن سر العبادة وغايتها مبني على معرفة حقيقة الإلهية، ومعنى كونه سبحانه إلهاً: أنها تكون العبادة لله، وأن العبادة موجب الإلهية وأثرها ومقتضاها، وارتباطها بها كارتباط متعلق الصفات بالصفات، وكارتباط المعلوم بالعلم، والمقدور بالقدرة، والأصوات بالسمع، والإحسان بالرحمة، والعطاء بالجود. فعندهم من قام بمعرفتها على النحو الذي فسرناها به لغة وشرعاً، مصدراً ومورداً، استقام له معرفة حكمة العبادات وغايتها. والإمام شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله بنى كتابه «القاعدة التدميرية» على هذا الذي ذكره المؤلف، وهو الجمع بين الخلق والأمر، والقدر والسبب. يجمع بين الخلق والأمر: ألا له الخلق والأمر. وكذلك القدر والسبب، فالسبب من القدر، والسبب أيضاً شرعه الله. معنى إذا كان شرعياً، والأخذ بالأسباب لابد منه، وتركها خدش في الاعتقاد، والأخذ بها هو من القدر، كما قال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه: «نفر من قدر الله إلى قدر الله». قال: على النحو الذي فسرناها به لغة وشرعاً، مصدراً ومورداً، استقام له معرفة حكمة العبادات وغاياتها. أن العبادة غاية، معنى فعل العبادة غايتها طاعة الله وتوحيده وإخلاص العبادة له. ﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ﴾، أي إلا ليوحدون، يجعلون العبادة مخلصة لله جل وعلا. قال: وعلم أنها هي الغاية التي خلقت لها، وعلم أنها هي الغاية التي خلقت لها العباد، ولها أرسلت الرسل، وأنزلت الكتب، وخلقت الجنة والنار. وقد صرح سبحانه بذلك بقوله: ﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ﴾. فالعبادة هي التي وجدت لأجلها الخلائق كلها، يعني الجن والإنس، كما قال تعالى: ﴿ أَحَسِبَ الْإِنسَانُ أَن يُتْرَكَ سُدًى ﴾، أي مهملاً لا يؤمر ولا ينهى. قال الشافعي: لا يؤمر ولا ينهى. وقال غير: لا يثاب ولا يعاقب، وهما تفسيران صحيحان، فإن الثواب والعقاب مترتب على الأمر والنهي. قالوا: حقيقة العبادة، قالوا: الأمر والنهي والطلب للعبادة وإرادتها. قالوا: حقيقة العبادة امتثالهما. ولهذا قال تعالى: ﴿ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا ﴾، عن امتثال الطاعة، امتثال الأمر واجتناب النهي. وقال تعالى: ﴿ وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ ﴾. وقال جل وعلا: ﴿ وَخَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَلِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ ﴾. معنى «بالحق»: أي بما قامت به السماوات والأرض وهو عبادته سبحانه وتعالى. معنى خلق الله عز وجل هذه السماوات لأجل قيامها بالحق، أو لأجل قيام الحق وهو العبادة. قال: فأخبر الله تعالى أنه خلق السماوات بالحق المتضمن أمره ونهيه وثوابه وعقابه. فإذا كانت السماوات والأرض إنما خلقت لهذا وهو غاية الخلق، فكيف يقال إنه لا غاية له ولا حكم مقصودة، وأن ذلك لمجرد استئجار العمال حتى لا يتكدر عليه متاب بالمنة، أو لمجرد استعداد النفوس للمعارف العقلية وارتاضها لمخالفة العوائد؟ وهذا قول المتفلسفة، أصحاب ابن سينا وغيره. قال: وإذا تأمل اللبيب الفرق بين هذه الأقوال وبين ما دل عليه صريح الوحي، علم أن الله تعالى إنما خلق الخلق لعبادته، الجامع لكمال محبته مع الخضوع له والانقياد لأمره. فأصل العبادة محبة الله. أصل العبادة هو محبة الله، ثم بعد ذلك تأتي مقتضياتها من الخوف والرجاء. بل إفراده تعالى بالمحبة، فلا يحب معه سواه، وإنما يحب ما يحبه لأجله وفيه. كما جاء في الحديث: «ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان». قال: كما يحب أنبياءه ورسله وملائكته، لأن محبتهم من تمام محبته، وليست كمحبة من اتخذ من دونه أنداداً يحبهم كحبه الله. أن يحب هؤلاء الذين يشرك بهم من دون الله، يحبهم كحب الله. وإذا كانت المحبة له هي حقيقة عبوديته وسرها، فهي إنما تتحقق باتباع أمره واجتناب نهيه. فعند اتباع الأمر والنهي تتبين حقيقة العبودية والمحبة. ولهذا جعل سبحانه اتباع رسوله صلى الله عليه وسلم شاهداً لها، كما قال تعالى: ﴿ قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ ﴾. يعني جعل اتباع الرسول علامة على محبته سبحانه وتعالى. قال: فجعل اتباع رسوله مشروطاً بمحبته من الله، وشرطاً لمحبة الله لهم. ووجود المشروط بدون تحقق شرطه ممتنع. وكما قال الحسن: إن الله عز وجل ابتلى أقواماً قالوا: نحن نحب الله، فأمرهم باتباع نبيه إذا كانوا يحبون الله. قال: فعلم انتفاء المحبة عند انتفاء المتابعة للرسول صلى الله عليه وسلم. وليكفي ذلك حتى يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما. ومتى كان عنده شيء أحب إليه منهما فهو الإشراك بالله، أو فهو الإشراك الذي لا يغفره الله. قال تعالى: ﴿ قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ ﴾. فمن قدم الثمانية على الثلاثة فهو ممتحن، وهو أيضاً فاسق كافر. من قدم الثمانية: الآباء والأبناء والإخوان والأزواج والعشائر والأموال والتجارة والمساكن، هذه إذا قدمها الإنسان على الله ورسوله وجهاد في سبيله، فهذا يتربص العذاب، وهو قال: ﴿ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ ﴾. الفسق هنا المراد به الكفر. قال: وكل من قدم قول غير الله على قول الله، أو حكم به، أو حاكم إليه، فليس ممن أحبه. الذي يقدم حكم الله فهو ليس ممن يحب الله. لكن قد يشتبه الأمر على من يقدم قول أحد أو حكم أو طاعته على قول الله، ظناً منه أنه لا يأمر ولا يحكم ولا يقول إلا ما قاله الرسول صلى الله عليه وسلم، فيطيعه ويحاكم إليه ويتلقى أقواله كذلك. فهذا معذور إذا لم يقدر على غير ذلك، ويريد أصحاب المهائم. لكن الواجب أن يتحرى الكتاب والسنة. فليس لأحد أن ينصب، كما قال شيخ الإسلام، شخصاً يدعو إلى طريقته، ويوالي ويعادي عليه، مهما كان هذا الشخص. قال: وأما إذا قد علم وصول قول الرسول صلى الله عليه وسلم، وعرف أن غير من اتبعه أو لا به مطلقاً أو في بعض الأمور كمسألة معينة، ولم يلتفت إلى قول الرسول ولا إلى قول من هو أولى به، فهذا يخاف عليه. كما قال الشافعي رحمه الله لما قال له ذات الرجل: أتأخذ بهذا يا أبا عبد الله؟ قال: أرأيتني خرجت من كنيسة، أرأيتني عليّ زنارتان، حتى تقول هذا الكلام، أني لا آخذ بكلام رسول الله. وقال: إذا رأيتموني أخالف كلام رسول الله، فاعلموا أن عقلي قد ذهب. قال: فهذا يخاف عليه. وكل ما يتعلل به من عدم العلم أو عدم الفهم أو عدم إعطاء آلة الفقه في الدين، أو الاحتجاج بالأشباه والنظائر، أو بأن ذلك المتقدم كان أعلم مني بمراده صلى الله عليه وسلم، فهي كلها تعللات لا تفيد. إن بعض الناس يتعلل يقول: فلان أفضل مني وأعلم مني، فأنا أتبعه. طيب، النبي صلى الله عليه وسلم هو يأخذ قوله من النبي صلى الله عليه وسلم. خذ قولك وخذ دينك من النبي عليه الصلاة والسلام، الذي أمر الله عز وجل باتباعه. قال: هذا مع الإقرار بجواز الخطأ على غير المعصوم، إلا أن ينازع في هذه القاعدة فتسقط مكالمته، وهو داخل تحت الوعيد. فإن استحل مع ذلك ثلب من خالفه، وفضح عرضه ودينه بلسانه، وقرض عرضه ودينه بلسانه، أي تكلم عليه، أو انتقل من هذا إلى عقوبته والسعي في أذاه، فهو من الظلمة المعتدين وأرباب المفسدين. ثم قال: إن شاء الله نقرأ فصلاً يسيراً ختم به المؤلف رحمه الله هذه الرسالة. قال: واعلم أن العبادة أربع قواعد: وهي التحقق بما يحب الله ورسوله ويرضاه، وقيام ذلك بالقلب واللسان والجوارح. فالعبودية اسم جامع لهذه المراتب الأربع. فأصحاب العبادة حقاً هم أصحاب التحقق بما يحب الله ورسوله ويرضاه، وقيام ذلك بالقلب واللسان والجوارح. أي هذه المحبة، محبة الله ورسوله، هذه القاعدة أو قواعد العبادة الأربع. وهذا أيضاً قد ذكره الإمام ابن القيم في «مدارج السالكين». قال: فقول القلب واعتقاد ما أخبر الله تعالى عن نفسه، وأخبر رسوله صلى الله عليه وسلم عن ربه من أسماء وصفات وأفعال وملائكة ولقاء وما أشبه ذلك. وقول اللسان: الإخبار عنه بذلك، والدعاء إليه، والذب عنه، وتبيين بطلان البدع المخالفة له، والقيام بذكره تعالى، وتبليغ أمره. هذا قول اللسان في محبة الله عز وجل ورسوله. وعمل القلب: كالمحبة له، والتوكل عليه، والإنابة، التوكل على الله والإنابة، والخوف والرجاء، والإخلاص، والصبر على أوامره ونواهيه، وإقراره والرضا به وله وعنه، والموالاة فيه والمعاداة فيه، والإخبات إليه، الرجوع إليه، والإخبات تستعمل في الرجوع، وكذلك في الخضوع والخشوع. قال: والطمأنينة به، ونحو ذلك من أعمال القلوب التي فرضها آكد من فروض أعمال الجوارح. عن أن هذه المحبة لابد أن تكون في قلبه ولسانه وجوارحه. قال: ومصالحها إلى الله، يحب من أعمال الجوارح. وأما أعمال الجوارح: كالصلاة والجهاد. معنى أعمال القلب أعظم، فكالصلاة والجهاد، ونقل الأقدام إلى الجمع والجمعات، ومساعدة العاجز، والإحسان إلى الخلق، ونحو ذلك. فقول العبد في صلاته: ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ ﴾، التزام أحكام هذه الأربعة وإقرار بها. ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ ﴾، أي أننا نحب الله عز وجل ونحب رسوله، ونرضى بالله جل وعلا بحكمه، وكذلك بما قدره الله عز وجل علينا بحكمه وقضائه، وذلك يكون بالقلب واللسان والجوارح، وهو الإيمان بالله جل وعلا. قال: وقوله: ﴿ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾، طلب الإعانة عليها والتوفيق لها. وقوله: ﴿ اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ﴾، متضمن للأمرين على التفصيل، وإلهام القيام بها، وسلوك طريق السالكين إلى الله، على الذين سلكوا الطريق المستقيم. فهذا آخر ما ذكره المؤلف رحمه الله في هذه الرسالة المفيدة، «تجريد التوحيد المفيد» للإمام المقريزي رحمه الله. فنكتفي بهذا، والله تعالى أعلم.