شرح فتح المجيد 23

الدرس في شرح فتح المجيد 23، ألقاها

منزلة النبي في العبودية والرسالة

النبي صلى الله عليه وسلم أكمل الخلق في العبودية والرسالة، ولا يجوز رفع منزلته إلى الإلهية. الجمع بين العبودية والرسالة يدفع الإفراط والتفريط في حقه.

الغلو في حق النبي وآثاره السلبية

الغلو في حق النبي يخرج صاحبه من الإسلام، وقد تصدى أهل العلم للرد على الأفكار المنحرفة. قصيدة البوصيري مثال على الشرك المحض.

وجوب تصديق النبي وطاعته

يجب تصديق النبي فيما أخبر به وطاعته فيما أمر ونهى عنه، مع تعظيم أمره ونهيه. لا يجوز تقديم قول أحد عليه.

خاتمة وتوصية

تم الاكتفاء بما نوقش، ويختم بدعاء يتضمن حمد الله والاستغفار والتوبة. يشير إلى أهمية ما تمت مناقشته.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله قال رحمه الله تعالى: ومعنى العبد هنا المملوك العابد، أي أنه مملوك لله تعالى. والعبودية الخاصة وصفه، كما قال تعالى: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾. قال: فأعلى مراتب العبد العبودية الخاصة. والرسالة أعلى فأعلى مراتب العبد العبودية الخاصة. وكما ذكرنا فيما مضى في الدرس الماضي أن هذه أعلى مقامات العبد مع ربه عز وجل: العبودية الخاصة، وكذلك الرسالة. وهذا كما سمعتم ومضى معنا في الدرس الماضي أنها أعلى وأشرف المقامات بين الخالقين والمخلوقين. قال رحمه الله تعالى: فالنبي صلى الله عليه وسلم، محمد صلى الله عليه وسلم، فالنبي محمد صلى الله عليه وسلم أكمل الخلق في هاتين الصفتين الشريفتين: صفة العبودية، وهو صلى الله عليه وسلم قد قام بالعبودية حق القيام، وكذلك في الرسالة، فبلغ البلاغ المبين، وأدى الأمانة كما أمره ربه عز وجل بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾. فما مات صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم إلا وقد بلغ البلاغ المبين، وهدى الناس بإذن ربه عز وجل إلى صراط العزيز الحميد. وما مات إلا وقد أنزل عليه قول الله جل وعلا: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾. وقد قال صلى الله عليه وسلم في خطبته المشهورة في حجة الوداع: «ألا هل بلغت؟ قالوا: نعم. قال: اللهم فاشهد»، كما جاء في صحيح مسلم من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه، وجاء بنحوه عن غيره. قال رحمه الله تعالى: وأما الربوبية والإلهية فهما حق لله، فهما حق لله تعالى لا يشاركه في شيء منها ملك مقرب ولا نبي مرسل. وهذا كما هو واضح أن العبودية أو الربوبية، التأله لله عز وجل خاص بالله عز وجل، وكذلك الربوبية كذلك من الأمور الخاصة بالله عز وجل. فنبينا صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، وإن قام بالمقام الأعلى في مقام عبودية ربه عز وجل، وكان له كذلك المقام الأعظم في أداء الرسالة، إلا أنه صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم عبد، فلا يعبد. عبد لله عز وجل، مربوب لله عز وجل، مخلوق لله عز وجل، مفتقر إلى الله عز وجل. فلا يجوز لأحد كائنا من كان أن يرفع منزلته صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم إلى منزلة الإلهية أو إلى منزلة الربوبية. فهو عبد لا يعبد، وهو رسول فلا يعصى. وهو رسول فلا يعصى، فهو عبد فلا يعبد، وهو رسول، يطاع فلا يعصى. قال رحمه الله تعالى: وأما الربوبية والإلهية فهما حق لله تعالى، لا يشاركهم في شيء منها ملك مقرب، ولو كان هذا الملك من أقرب الملائكة إلى الله عز وجل، ولا نبي مرسل، ولو كان هذا النبي المرسل أقرب الرسل إلى ربه عز وجل، ولو كان محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. فإنه لا يجوز لأحد أن يرفعه إلى مقام الإلهية، ولا إلى مقام الربوبية. قال صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم: «لا تطروني كما أطرت النصارى، إنما أنا عبد، قولوا: عبد الله ورسوله». صلوات الله وسلامه عليه. قال رحمه الله تعالى: وقوله «عبده ورسوله» أتى بهاتين الصفتين، وجمعهما دفعا للإفراط والتفريط. للإفراط، أي للغلو، والتفريط بمعنى الإضاعة. وهذا المقام كما هو معلوم وقع الناس فيه بين الإفراط وبين التفريط، بين الغلو وبين التضييع. فقوله «عبده ورسوله» كما سمعتم، فهو عبد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، عبد لله عز وجل. وكفى بهذا المقام شرفا أن يكون عبدا لله عز وجل. وهو كذلك رسول من الله عز وجل، وكفى بهذا المقام أيضا شرفا بأن يكون رسولا من الله عز وجل. فهو رسول فلا يعصى، وهو عبد فلا يعبد. وكما ذكر الشيخ رحمه الله تعالى قوله: وجمعهما دفعا، وجمع بين هذين الوصفين دفعا للإفراط، أي للغلو من الذين رفعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فوق منزلته إلى منزلة الإلهية وإلى منزلة الربوبية. وبين التفريط في منزلة كثير من الناس الذين لم يقدروا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم حق قدره، بل جعلوا كل قول وكل رأي وكل نظر أدى إليه عقولهم مقدم على قول الرسول صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. فكان الأمر كما سمعتم بين الإفراط والغلو، وبين التضييع والإضاعة. وهذه سنة الله عز وجل في جميع أوامره، أنه ما أمر بأمر إلا وكان للشيطان فيه نزغتان: نزغة إلى إفراط وإضاعة، أو قال: نزغة إلى تفريط وإضاعة، ونزغة إلى إفراط وغلو. قال: ودين الله عز وجل وسط بين الجافي عنه والغال فيه، كالوادي بين جبلين. الحق دائما يكون بين جبلين، الباطل بين جبلين: إفراط وجبل التفريط. بين جبل الإفراط وبين جبل التفريط يكون الحق بينهما. فأهل الحق يقدرون رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم حق قدره، فلا يقدمون قولا ولا رأيا ولا ذوقا بين يدي رسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. ما كان كما قال الله عز وجل: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾. هذا حال أهل الإيمان إذا جاء الأمر من الله أو جاء الأمر من رسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم سلموا وأذعنوا. وفي المقام الآخر أيضا يعتقدون أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، وإن كان أشرف خلق الله عز وجل مطلقا، وأفضل خلق الله عز وجل مطلقا، إلا أنهم يعتقدون أنه مخلوق، فلا يجوز رفعه فوق منزلته إلى منزلة الإلهية وإلى منزلة الرب سبحانه وتعالى. انطلاقا من قوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم: «لا تطروني كما أطرت النصارى المسيح، ولكن أنا عبد، فقولوا: عبد الله ورسوله». فقولوا: عبد الله ورسوله. قال الشيخ رحمه الله تعالى: فإن كثيرا ممن يدعي أنه من أمته، كثيرا ممن يدعي أنه من أمته، أي يزعمون أنه من أمته. والمراد بقوله «من أمة»، أي من أمة الإجابة. لأن الأمة على قسمين: أمة دعوة، وأمة إجابة. أمة الدعوة هي التي دعاها رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم فلم تستجب. فهذه من أمته، فهذه من أمة الدعوة، التي دعاها رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم فلم تستجب. والأمة على وجه الخصوص أمة الاستجابة، وهم الذين دعاهم رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم إلى ملة الإسلام فاستجابوا له. فقوله رحمه الله تعالى: «فإن كثيرا ممن يدعي أنه من أمته»، أي من أمة الإجابة، أي يزعمون أنهم ممن أجاب رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. وهل هم أجابوا حقا؟ الجواب: لا، بل مرقوا من الدين كما يمرق السهم من الرمية. قال رحمه الله تعالى: فإن كثيرا ممن يدعي أنه من أمته أفرط بالغلو قولا وفعلا. أفرط بالغلو قولا وفعلا، ظل في رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم حتى جعلوا في منزلة الرب سبحانه وتعالى، وفي منزلة الإله الذي يعبد، وفي منزلة الرب الذي يطلب وبه يخشف الكرب، وبه تندفع الحاجات، وتطلب منهم تفريج الكربات. حتى قال قائل هؤلاء، وهو البوصيري في البردة، قال: وهو يمدح رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، قال أبياته المشهورة: «يا أكرم الخلق ما لمن ألوذ به سواك عند حلول الحادث العمم. إن لم تكن في معادي آخذا بيده فضلا وإلا فقل: يا زلة القدم. فإن من جودك الدنيا وضرتها، فإن من جودك الدنيا وضرتها، ومن علومك علم اللوح والقلم». قال بعض أهل العلم: ما أبقى لله عز وجل شيئا. انظروا يا جماعة ماذا يقول هذا الرجل مدحا لرسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، وإطراءا وغلوا في رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، حتى جعله كأنه رب يطلب ويرجى ويستغاث. فقال هذا الرجل: «يا أكرم الخلق ما لمن ألوذ به سواك عند حلول الحادث العمم». أين الله رب العالمين؟ الجواب: نسوا ربهم عز وجل عند أحلك المضائق، ونظروا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال ما قال هذا الخبيث. ثم قال: «إن لم تكن في معادي آخذا بيده فضلا وإلا فقل: يا زلة القدم». زلة قدمه إذا لم يأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم به، ثم يقول واصفا رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلم رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: «فإن من جودك الدنيا وضرتها، ومن علومك علم اللوح والقلم». ماذا بقي من العلوم؟ وماذا بقي لله رب العالمين من الخلق؟ واضح يا جماعة. قال رحمه الله تعالى: فإن كثيرا ممن يدعي أنه من أمته أفرط بالغلو قولا وفعلا. والصوفية وغلات الصوفية يقولون في هذه البردة أنها من أفضل ما قيل في مدح رسول الله صلى الله عليه وسلم، بل يقولون: إنها أفضل ما قيل في مدح رسول الله صلى الله عليه وسلم. فهم يثنون على الكفر المحض، وعلى الشرك المحض، وعلى الغلو المحض. فيقولون: إن أبيات البوصيري في بردته هي أفضل أبيات مدح فيها رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. والحق أنها أعظم أبيات تنقص فيها الله رب العالمين، وتخرج فيها عن شريعة محمد الصادق الأمين صلوات الله وسلامه عليه. فرسول الله صلى الله عليه وسلم أعظم من حذر من الشرك، وأعظم من حذر من الغلو، وأعظم من بين خطر الشرك وخطر الغلو. ومع هذا فعل هؤلاء ما فعلوا. ثم يقول قائلهم بعد ذلك: إن هذه القصيدة وما كان في أمثالها أنها أفضل ما قيل في مدح رسول الله صلى الله عليه وسلم. بل هذه ذم في رسول الله صلى الله عليه وسلم، وطعن في رسول الله صلى الله عليه وسلم، وشرك بالله رب العالمين: شرك في الربوبية، وشرك في الألوهية، وشرك في باب صفات الله عز وجل وأسمائه وصفاته. جمعت فيها الشرك في الربوبية، وشرك في الألوهية، وشرك في الأسماء وصفات. وقد تصدى لرد عليها طوائف من أهل العلم. فقال ابن كثير رحمه الله تعالى في كلام له معناه: ماذا أبقى لله رب العالمين؟ وقال الحافظ ابن رجب الحنبلي رحمه الله تعالى: إذا كان من جوده الدنيا وضرتها، ومن علومه علم اللوح والقلم، فماذا أبقى لله رب العالمين؟ قال: وهذا هو الشرك المحض، أو كما قال. وكذلك تصدى لرد على هذه القصيدة من أولها إلى آخرها الشيخ العلامة عبد الرحمن بن حسن رحمه الله تعالى، فله كتاب وهو رسالة مؤلفة في الرد على قصيدة البوصيري، وهي ضمن رسائل التوحيد، ضمن مجموع رسائل التوحيد. فرحمه الله تعالى. قال رحمه الله تعالى: فإن كثيرا ممن يدعي أنه من أمته أفرط بالغلو قولا وفعلا، وفرط بترك متابعته. قوله رحمه الله تعالى: «وفرط بترك متابعته»، يحتمل أن يكون الواو عاطفا على ما قبلها، فيكون أن هذا بغلوه بغلوه كذلك فرط بترك متابعته. والأمر كذلك، فإن كل غال فقد فرط في متابعة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. لأن شريعة الله عز وجل الذي جاء بها محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تحذر من الغلو وتنذر من الغلو وتدعو إلى الاعتدال وتدعو إلى توحيد الله رب العالمين وحده لا شريك له. فمن وقع في الغلو فقد خرج من متابعة رسول الله صلى الله عليه وسلم، بل ومثل هؤلاء الذين قالوا مثل هذه الأبيات يكونون قد خرجوا من شريعته صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم لأنهم قالوا الشرك المحض. ويحتمل أن تكون الواو ها هنا واو يراد بها المغايرة، أي أن قوما غلوا، وقوما آخر أضاعوا المتابعة. لذا قال: «وفرط بترك متابعته»، أي آخرون فرطوا أو فرطوا بترك متابعته. قال رحمه الله: واعتمد على الآراء المخالفة لما جاء به، اعتمد على الآراء، فجعل العقل هو الحكم، وجعل النقل الذي جاء به الرسول صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تابعا. فإن كان موافقا لما كان عليه العقل أخذ به، وإن كان مخالفا حاول أن يرده بأنواع من الرد: تارة بالتحريف، وتارة بالتعطيل، وتارة بالتأويل. وهذا حال العقلانيين، وهذا حال أهل العقل من الرأيين. قال رحمه الله تعالى: وتعسف في تأويل أخباره وأحكامه، تعسف في تأويل أخباره وأحكامه، بصرفها عن مدلولها، والصدف عن الإنقياد لها. مع الطرح لها، والصدف أي أعرض عن الإنقياد لها. قال: فإن شهادة أن محمدا عبده ورسوله تقتضي الإيمان به، وتصديقه فيما أخبر، وطاعة فيما أمر، والانتهاء عما زجر. وأن يعظم أمره ونهيه، ولا يقدم عليه قول أحد كائنا من كان. والواقع اليوم وقبله خلاف ذلك، فالله المستعان. قال رحمه الله تعالى: بعد أن ذكر ما ذكر، قال: فإن شهادة أن محمدا عبده ورسوله تقتضي الإيمان به. فإنها من أركان الإيمان، فلا إيمان إلا بشهادة أن محمدا رسول الله. فمن لم يأتي بهذه الشهادة على وجهها: بعلم أولا، ونطق عن علم، وكذلك عمل بمقتضى هذا النطق، فإنه لم يدخل في الإسلام. فلا بد من الإيمان بأن محمدا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. فمن لم يؤمن به صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم فليس بمؤمن. قال: وتصديقه فيما أخبر، أي تصديقه في كل ما أخبر به من الأمور، سواء كانت التي قد وقعت أو التي ستقع. فكل ما أخبر به صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم من الإخبارات فواجب على كل مسلم أن يصدق رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم فيما أخبر به. سواء كانت من الأمور الماضية أو كانت من الأمور المستقبلة. الأمور الماضية مثل إخباره صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم عن الأمم الماضية وما حصل لها. والأمور مستقبلة مثل ما يحصل في أشراط الساعة، وما يحصل كذلك في الجنة والنار، وأخبار الجنة والنار ونحوها. فهذه كلها إخبارات حق وصدق، وجب الإيمان بها. ومن هذه الإخبارات أيضا ما أخبر به النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم عن ربه عز وجل من ذكر أسمائه وصفاته. فتثبت على الوجه اللائق بالله عز وجل: إثباتا من غير تمثيل، وتنزيها من غير تعطيل. انطلاقا من قول الله جل وعلا: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾. قوله رحمه الله تعالى: وطاعته فيما أمر، أي يجب على كل مؤمن أن يمتثل أمر رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. فيمتثل أمره صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وينتهي كذلك عما زجر. كما قال الله جل وعلا: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. وكما قال الله ربنا جل في علا: ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ﴾، وقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾، وقال الله جل وعلا: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾. وكما قال الله جل وعلا: ﴿مَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾. وكما قال الله عز وجل: ﴿وَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾. فيجب الإرجاع في كل أمر إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، وإلى دين الله عز وجل. إلى الله عز وجل وإلى رسوله، والاستسلام لذلك الأمر. قال رحمه الله تعالى: وأن يعظم أمره ونهيه. أن يعظم أمره ونهيه. وكما قال بعض السلف: ينبغي للمؤمن إذا سمع أمرا أو نهيا، ينبغي له أن يتخيل كأن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم أمامه يقول له: افعل أو يقول له: اترك. قال رحمه الله تعالى: ولا يقدم عليه قول أحد كائنا من كان. قال: والواقع اليوم وقبله خلاف ذلك، فالله المستعان. قال رحمه الله تعالى: وروى الدارمي في مسنده عن عبد الله بن سلام رضي الله عنه أنه كان يقول: «إنا لنجد صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم في التوراة: إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا، وحرزا للأميين. أنت عبدي ورسولي، سميته المتوكل. ليس بفض ولا غليظ، ولا سخاب بالأسواق، ولا يجزي بالسيئة مثلها، ولكن يعفو ويتجاوز. لن أقبضه حتى يقيم الملة المتعوجة بأن يشهد أن لا إله إلا الله، يفتح بها أعينا عميا، وآذانا صما، وقلوبا غلفا». قال عطاء بن يسار: وأخبرني أبو واقد الليثي أنه سمع كعبا يقول مثل ما قال ابن سلام. وهذا الأثر أو هذا الحديث، الذي هو من قول عبد الله بن سلام رضي الله عنه وأرضى، يحكيه عن التوراة. رواه الدارمي من طريق عطاء بن يسار عن عبد الله بن سلام به. وكذلك رواه الآجري في الشريعة، والفسوي كذلك في المعرفة والتاريخ، وآخرون. وهو بسند الدارمي من طريق عبد الله بن صالح، من طريق عبد الله بن صالح كاتب الليث، وفيه ضعف. ورواه بن سعد في الطبقات بإسناد صحيح إلى زيد بن أسلم. قال: بلغنا أن عبد الله بن سلام كان يقول: فذكره. وكما ترون أن زيد بن أسلم قال: «بلغنا»، فهذا يدل على أنه لم يسمعه من عبد الله بن سلام. وزيد بن أسلم معروف الرواية عن عطاء بن يسار. فيحتمل أن يكون أخذه عن عطاء بن يسار. فإن كان أخذه عن عطاء بن يسار فالإسناد صحيح. وقد رواه كذلك المحاملي في أماليه، ومن طريقه الضياء في المختارة. ورجاله ثقات إلا علي بن أحمد فلم أقف له على ترجمة. وعلى العموم هو في الباب. فالحديث بهذه الطرق الظاهر والله أعلم صحته. وقد جاء ما يشهد له. فقد رواه البخاري رحمه الله تعالى من طريق عطاء بن يسار عن عبد الله بن عمر نحوه. وهو كما هو تمام في صحيح البخاري. وقد أشار البخاري رحمه الله تعالى إلى أن الرواة قد اختلفوا فيه عن عطاء بن يسار. فمنهم من يرويه عن عطاء عن عبد الله بن عمر بن العاص رضي الله عنهما، ومنهم من يرويه عن عبد الله بن سلام. قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى: ولا مانع من أن يكون حمل عنهما جميعا. والله أعلم. قال رحمه الله تعالى: قوله في هذا الحديث أنه كان يقول: «إنا لنجد صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم». وعبد الله بن سلام كما هو معلوم كان من أحبار اليهود، من علماء اليهود. وقصته مشهورة معروفة في الصحيح حينما جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأسلم. قال: «إنا لنجد صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم في التوراة». قال: «إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا، وحرزا للأميين». والأميون المراد بهم العرب. فإن السائد الغالب في العرب كانوا أميين لا يعرفون القراءة ولا الكتابة. كما قال صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم: «نحن أمة أمية لا نقرأ ولا نكتب». قال: «أنت عبدي ورسولي». وهذا كما ترون هو الشاهد من ذكر هذا الحديث. أنه قال: «أنت عبدي ورسولي». وهذا كالحديث السابق أنه قال: «وأن محمدا عبده ورسوله». قال: «سميته المتوكل». وهذا في إشارة إلى تمام توكله صلى الله عليه وسلم بربه. ليس بفض، والفض كما ذكر العلماء: هو غليظ القلب. قال: «ولا غليظ، ولا سخاب بالأسواق». والمراد بالسخاب بالأسواق: هو الذي يرفع صوته بالبيع والشراء. قال: «ولا يجزي بالسيئة مثلها، ولكن يعفو ويتجاوز». وهذا كذلك من صفة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. وقد جاءت الأدلة الكثيرة تدل على عموم عفوه صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم وتجاوزه. وحسبك بالآية الجامعة المانعة في ذلك في قول الله عز وجل في حق نبيه صلى الله عليه وسلم: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾. قال: «لن أقبضه حتى يقيم الملة المتعوجة بأن يشهد أن لا إله إلا الله، يفتح بها أعينا عميا، وآذانا صما، وقلوبا غلفا». أي كانت أعينا عميا عن الحق، وآذانا صما عن الحق، وقلوبا غلفا عن الحق. فيفتح الله عز وجل بهذه الكلمة: بشهادة أن لا إله إلا الله، ترجمة الأسماع، وترجمة الأبصار، وترجمة القلوب، فتكون أهدى القلوب، وأهدى الأسماع، وأهدى الأبصار إلى نور الهداية. نكتفي بهذا. إلهنا سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.

شاركنا على