الدرس في شرح حائية ابن أبي داود 15، الدرس الخامس عشر:من( وقل ينزل الجبار في كل ليلة ... بلا كيف جل الواحد المتمدح ). ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يستعرض هذا المحور أدلة إثبات صفة اليدين واليمين لله عز وجل من القرآن الكريم والسنة النبوية، مبيناً كيفية الجمع بين ألفاظ الإفراد والتثنية والجمع الواردة في النصوص الشرعية. كما يؤكد على منهج أهل السنة والجماعة في الإثبات بلا تمثيل والتنزيه بلا تعطيل، مع الرد على شبهات أهل التمثيل والتعطيل.
يبيّن هذا الفصل أن أهل السنة والجماعة يثبتون صفات الله تعالى كما تليق بجلاله وعظمته دون تشبيه بصفات المخلوقين ولا تعطيل لمعانيها، مستدلين بفرق الكيفية بين الخالق والمخلوق. ويرد على من أول صفة اليدين بالقدرة أو النعمة مبيناً بطلان ذلك لانتفاء الاختصاص بآدم وموسى عليهما السلام في سياق النصوص.
يؤكد هذا المحور ثبوت صفة النزول لله سبحانه وتعالى في كل ليلة إلى السماء الدنيا نزولاً يليق بجلاله وكماله، مستنداً إلى الأحاديث المتواترة عن النبي صلى الله عليه وسلم. ويرد على تأويلات المعطلة الذين صرفوا النزول إلى نزول ملك أو رحمة أو أمر، مبيناً بطلان ذلك، وينفي نسبة التكييف لشيخ الإسلام ابن تيمية كما افترى عليه ابن بطوطة.
يختتم المتحدث الدرس بتأكيد أن المعنى الذي أراده الحافظ ابن كثير في تفسيره صحيح ولا ينافي الشرع المطهر، موضحاً سلامة مسلكه في باب الصفات. ويختم بالصلاة والسلام على النبي محمد وآله وصحبه أجمعين، مع الإشارة إلى أن الترجمة من إنجاز نانسي قنقر.
الصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه. أما بعد: فكان آخر الكلام عند قول المؤلف رحمه الله: «وقد ينكر الجهمي أيضًا يمينه وكلتا يديه بالفواضل تنفح». وقلنا: أراد المؤلف رحمه الله في هذا البيت بيان صفة اليمين لله جل وعلا، صفة اليدين، وأن الله جل وعلا متصف بصفة اليدين، وهي من الصفات الذاتية التي اتصف بها ربنا عز وجل، وهي التي لا تنفك عنه جل وعلا وعن ذاته. وهكذا إثبات صفة اليمين لله عز وجل قد جاء في كتاب الله سبحانه وتعالى إثبات هذه الصفات، فالله جل وعلا يقول في كتابه الكريم: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الزمر: 67]. ففي هذه الآية إثبات صفة اليمين لله عز وجل. وهكذا في حديث النبي عليه الصلاة والسلام، حديث الذي رواه الإمام مسلم رحمه الله، حديث عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما، قال عليه الصلاة والسلام: «إن المقسطين على منابر من نور عن يمين الرحمن، وكلتا يدي ربي يمين، الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما ولوا». وجاء إثبات صفة اليدين لله عز وجل في كتاب الله جل وعلا وفي سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام، منها قوله جل وعلا: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الملك: 1]، وقوله جل وعلا: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ [الفتح: 10]، وقوله جل وعلا: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ [المائدة: 64]، وهكذا في قوله جل وعلا: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: 75]، وهكذا في قوله جل وعلا: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ﴾ [يس: 71]. فهذه الآيات فيها إثبات صفة اليدين لله جل وعلا. وفي السنة جاءت أحاديث كثيرة عن النبي صلى الله عليه وسلم في إثبات صفة اليدين، منها ما جاء عنه عليه الصلاة والسلام كما في صحيح الإمام مسلم وغيره في محاجة آدم وموسى عليهما الصلاة والسلام، فقد قال موسى عليه الصلاة والسلام لآدم عليه الصلاة والسلام: «يا آدم أنت أبونا، أخرجتنا من الجنة حين أكلت من الشجرة». ذكر له: «أنت يا آدم أبونا، أسجد الله لك ملائكته، وخط لك التوراة بيده، وخلقك بيده». قال آدم عليه الصلاة والسلام لموسى: «يا موسى، أنت الذي كلمك الله، وخط لك التوراة بيده، أتلومني على أمر قد قدره الله علي قبل أن يخلقني بأربعين عامًا؟» فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «فحج آدم موسى، فحج آدم موسى عليهما السلام». في هذا إثبات صفة اليد لله سبحانه وتعالى، وإثبات صفة اليدين له جل وعلا. وهكذا ما جاء في أحاديث في وصف يدي ربنا جل وعلا بالقبض، والأخذ، والمسك، والبسط، إلى آخر ذلك. قد ذكر ابن خزيمة رحمه الله في كتاب التوحيد له أحاديث كثيرة في إثبات صفة اليدين لله جل وعلا، وبعد أن ذكرها قال رحمه الله: «ونثبتها على ما جاءت بها النصوص». وهذه قاعدته رحمه الله. وكتاب ابن خزيمة رحمه الله كتاب عظيم في التوحيد على منهج السلف الصالح في هذا الباب خاصة، وهو في باب إثبات صفات رب العالمين جل وعلا. وتقدم الكلام حول الجمع بين ما جاء بلفظ الإفراد في إثبات صفة اليد، وما جاء بلفظ التثنية، وما جاء بلفظ الجمع. والجواب على هذا: أن لغة العرب سائغ فيها أن يخبر عن المثنى بالجمع أو بالإفراد، وهذا سائغ في لغة العرب. وقد جاء هذا في القرآن، قال جل وعلا في كتابه الكريم كما في سورة التحريم: ﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ [التحريم: 4]. فهنا جاء بلفظ الجمع مع أنهما قلبان لامرأتين، ومع هذا أخبر بلفظ الجمع. وهكذا كذلك ما جاء بلفظ الإفراد فهو من باب المفرد المضاف الذي لا يمنع التثنية ولا الجمع. فإذا أخبر بلفظ الإفراد في المفرد المضاف لا يمنع التثنية ولا الجمع. مثال ذلك: إذا قال الإنسان -وهذا في لغة العرب-: «رأيت بعيني، وسمعت بأذني»، هل معنى هذا لما قال: «رأيت بعيني» أو «سمعت بأذني» أن له أذن واحدة فقط أو عين واحدة فقط؟ لا، وإنما هذا سائغ في لغة العرب أن يعبر بلفظ الإفراد، ولا ينافي التثنية، وهكذا لا ينافي الجمع. وما جاء في الجمع فهو للتعظيم، وللمشاكلة لما يناسب اللفظ، وأيضًا على القول بأن أقل الجمع اثنان. فهذا هو الجمع بين الروايات وبين الألفاظ الواردة في هذا. فلفظ الجمع في قوله جل وعلا: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا﴾ [يس: 71]، والتثنية في قوله جل وعلا: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: 75]، وفي قوله: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة: 64]، وفي المفرد: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ [الملك: 1]، وفي قوله: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ [الفتح: 10]. فهكذا الجمع بين هذه الألفاظ الواردة. والثابت أن لله جل وعلا يدين تليقان به جل وعلا، ليس كمثله شيء، وهو السميع البصير. فأهل السنة والجماعة يثبتون صفة اليدين لله سبحانه وتعالى من غير تحريف، ولا تعطيل، ولا تكييف، ولا تمثيل. وضل في هذا الباب أهل التمثيل وأهل التعطيل. فأهل التمثيل الذين مثلوا صفات الخالق بصفات المخلوقين، فقالوا: لله جل وعلا يدان كأيدينا وكأيدينا. هذا تمثيل ينافي قول الله عز وجل: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: 11]، وهذا واضح مضاهاة لقوله سبحانه وتعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾. وهؤلاء يقولون: مثل أيدينا. وأهل التعطيل الذين هم ما عطلوا إلا لأنهم مثلوا أولًا، فكل معطل إنما عطل صفات رب العالمين لأنه توهم التمثيل أولًا، فظن أنه إذا أثبت الصفات لله جل وعلا فإن لازم هذا أنه يمثل، فقالوا: لا نعقل إثبات صفات للخالق إلا كصفات المخلوقين. تعالى الله عن قولهم علوًا كبيرًا. وهذا ينافي ويضاهي ما جاء في كتاب الله وفي سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام من إثبات الصفات له جل وعلا. وفي الآية: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: 11]، هذه آية محكمة في كتاب الله جل وعلا، فيها رد على أهل التمثيل، وفيها رد على أهل التعطيل. وأهل السنة والجماعة هم الذين أثبتوا كما أثبت الله جل وعلا بقوله: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾، وهم الذين نزهوا الله جل وعلا عن التمثيل كما في قوله جل وعلا: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾. فكان إثباتهم بلا تمثيل، وكان تنزيههم بلا تعطيل. فإثبات من غير تمثيل، وتنزيه من غير تعطيل. أما الممثلة فأثبتوا بتمثيل، والمعطلة نزهوا بتعطيل. وأهل السنة والجماعة أثبتوا بلا تمثيل، ونزهوا بلا تعطيل. وهذا هو الحق الذي جاء في كتاب الله وفي سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام. وهؤلاء أصلًا بسبب عقولهم الفاسدة، وبسبب كذلك فهمهم السقيم، كيف يعقلون أن صفات الخالق كصفات المخلوقين حتى يمثل أو يعطل؟ مثال ذلك: إذا قلنا لله جل وعلا صفة اليدين، هؤلاء التمثيل يقولون: يدان كيدي المخلوق. لماذا؟ هل الخالق مثل المخلوق؟ هل ذات الخالق كذات المخلوق؟ لا. فإذا صفات الخالق ليست كصفات المخلوق. فرق بين الخالق والمخلوق. فهذه الصفات أثبتت إلى الله، إلى الخالق، فتليق بالخالق جل وعلا. وهذه صفات أثبتت للمخلوق فتليق بالمخلوق بعجزه وضعفه. فصفة اليدين لله عز وجل ليست كصفة يدي المخلوق. يدا المخلوق هاتان هما يدا المخلوق تليق بالمخلوق. هل كيدي الخالق جل وعلا؟ لا. الله سبحانه وتعالى يطوي السماوات بيمينه، هذه السماوات العظيمة مطويات بيد الرحمن جل وعلا. أين المماثلة بين يد الخالق ويد المخلوق؟ يد المخلوق تطوي السماوات؟ مخلوق يده تطوي السماوات؟ سبحان الله! يد الخالق جل وعلا: السماوات مطويات بيمينه جل وعلا. أصابع المخلوق هذه الأصابع، الرحمن جل وعلا له أصابع أثبتها النبي عليه الصلاة والسلام. كيف يعقل هؤلاء أن صفة الأصابع الثابتة لله جل وعلا كصفة أصابع المخلوق؟ هل أصابع المخلوق تجعل السماوات على إصبع واحد؟ هذه السماوات كلها تكون على إصبع واحد، والجبال على إصبع، والأرض على إصبع، والشجر على إصبع؟ أفأضل ما تستطيع أصابع ضعيفة؟ لكن أصابع الرحمن جل وعلا كما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام عندما جاء حبر من أحبار اليهود إلى النبي عليه الصلاة والسلام وأخبره أنه يجد عندهم في التوراة أن الله جل وعلا يجعل السماوات على إصبع، والأراضين على إصبع، والجبال والشجر والدواب على إصبع، فضحك النبي صلى الله عليه وآله وسلم إقرارًا لقول هذا الحبر، يعني أن هذا حق. فكيف بعد هذا إنسان يمثل صفة الخالق جل وعلا وصفة الأصابع لله جل وعلا بأصابع المخلوقين؟ أصابع المخلوقين تجعل السماوات على إصبع؟ أن أبسل يقول: «إن قلوب العباد» كما في مسلم، حديث عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما: «إن قلوب العباد بين أصبعين من أصابع الرحمن، يقلبها كيف يشاء». أصابع المخلوق هل قلوب العباد بينها؟ لا. فإذا كيف تماثل أصابع المخلوق أصابع الخالق جل وعلا؟ وجه المخلوق هذا هو الوجه، الوجه للخالق على ما يليق به. الممثلة يقول: أهل التعطيل يقولون: يثبتون الوجه للخالق، معنى ذلك مثلناه بالمخلوق. نقول: سبحان الله! هل وجه الخالق كوجه المخلوق؟ وجه الخالق أخبر عنه النبي عليه الصلاة والسلام: «من ورائه الحجاب، لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه من انتهى إليه بصره». هل وجه المخلوق هكذا؟ فأين وجه التمثيل إذن؟ فالتمثيل إنما هو في الاسم فقط، في الاسم فقط، والكيفيات تختلف. كيفيات صفات المخلوقين ليست ككيفية صفات الخالق جل وعلا. على سبيل المثال: المخلوقات فيما بينها تختلف في كيفية صفاتها مع الاتفاق في الاسم. مثلًا: الطائر له جناح، والحمامة لها جناح، والغراب والحدأة هذه لها أجنحة وهي مخلوقات. جبريل عليه الصلاة والسلام ملك من ملائكة الله وهو مخلوق، ووصفه النبي عليه الصلاة والسلام بأن له ستمائة جناح. طيب، عندنا جناح الحمامة، وجناح الغراب، وجناح الحدأة، وجناح جبريل. اتفقت في الاسم، اسم «جناح»، هذا يسمى جناح وهذا يسمى جناح. لكن انظروا الكيفية: هل كيفية جناح جبريل وصفة جناح جبريل كصفة جناح الطائر والغراب والحدأة؟ الجواب: لا. النبي عليه الصلاة والسلام وصف جبريل بأن له ستمائة جناح، كل جناح قد غطى الأفق. انظروا ما ترى في السماء من الأفق الذي تراه، كل جناح غطى هذا الأفق. إذا ليس جناح جبريل كجناح الحمامة أو الحدأة أو الطائر، وهذه مخلوقات قد اختلفت فيها الكيفيات. فكيف بين المخلوق والخالق؟ إذا اختلفت الكيفيات بين مخلوقات والصفات، فكيف تكون سواء بين الخالق والمخلوق؟ لكن كما سمعتم: للفهم السقيم، والوهم الخاطئ الفاسد، هو الذي يجعل الإنسان يظن أنه حين يثبت الصفات لله جل وعلا من وجه، أو إصبع، أو يدين، أو غير ذلك من هذه الصفات، أنه إذا أثبتها مثل صفات الخالق بصفات المخلوقين. وهذا ضلال وضلال. ولذلك علينا أولًا أن نعلم أن صفات الخالق ليست كصفات المخلوقين، وهي صفات عظيمة، الكيفية لا نعلمها. نعم. وهكذا المعنى معلوم على ما جاء بلغة العرب. فإذا علم بحمد الله، وإذا لم يعلم يسأل عنه، يسأل عنه أهل العلم، لأن الإنسان قد يخفى عليه علم معنى هذه الصفات، وإلا فلها معنى من لغة العرب يجهل البعض كجهله بمسائل أخرى في الدين، فإذا سأل عنها علمها. فإذا بارك الله فيكم: هؤلاء الذين عطلوا صفات الخالق إنما لأنهم توهموا التمثيل، ولا تمثيل بين صفات الخالق والمخلوق. حتى في المطعومات: الاسم واحد، مثل عندنا تفاح وبرتقال وكذا وعنب وهكذا وكذا وكذا، هذه التي نأكلها في الدنيا. في الجنة هذه النعم في جنة الله سبحانه وتعالى، هل تفاح الجنة كتفاح الدنيا؟ الذي في الجنة والعنب والفواكه اتفقت في الاسم واختلفت في الكيفية والطعم. طيب. فإذا تبين لنا بهذا أن أهل السنة والجماعة يثبتون صفات الله جل وعلا من غير تمثيل، ولا تحريف، ولا تعطيل، من خلاف أهل البدع والضلال من الجهمية والمعتزلة والأشعرية والماتريدية والكلابية وغيرهم. وأما تفسير اليدين بالنعمة أو القدرة أو غير ذلك فهذا باطل، فليس لله جل وعلا نعمتان فقط أو نعمة واحدة فقط، وليس كذلك لله جل وعلا قدرتان، فهذا باطل. ولو كان هذا المعنى، فيقال: أي خصيصة لآدم حين قال الله جل وعلا لإبليس: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: 75]؟ ذا كان المعنى بقدرتي أو بنعمتي، ذا قال إبليس: «وأنا يا رب خلقتني بقدرتك وخلقتني بنعمتك». وأي خصيصة تكون لموسى حين قال له آدم: «يا موسى، أنت الذي كلمك الله، وخط لك التوراة بيده»؟ إذا كان المعنى بقدرته أو بنعمته. وهكذا أي خصيصة كذلك لموسى ولآدم كما جاء في حديث الشفاعة، حين يأتون إلى آدم ويقول له: «يا آدم أنت أبو البشر، أسجد الله لك ملائكته، وخلقك بيده». وأي خصيصة لموسى حين يأتي الناس يوم القيامة في حديث الشفاعة العظيم ويقول له: «يا موسى، إن الله كلمك، كلمك الله، اصطفاك الله بكلامه، وخط لك التوراة بيده»؟ إذا كان المعنى بقدرته أو بنعمته، فلا خصيصة إذن في هذا. فدل على أن الله جل وعلا متصف بصفة اليدين على ما تليق به جل وعلا، على قاعدة: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: 11]. قال رحمه الله: «وقل ينزل الجبار في كل ليلة بلا كيف». جلّ الواحد المتمدح. في هذا البيت ذاك بصفة النزول لله سبحانه وتعالى. «وقل ينزل الجبار»، وقل أيها السني السائر على معتقد السلف الصالح في إثبات الصفات لله جل وعلا: «ينزل الجبار في كل ليلة». وهذا قد دل عليه حديث أبي هريرة، وجاء عن غيره من الصحابة، وهو من الأحاديث المتواترة. حديث النزول حديث متواتر، كما ذكر ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في رسالته «شرح حديث النزول»، كما ذكر ذلك الذهبي رحمه الله في «العلو»، كما ذكر ذلك السيوطي في «الأزهار المتناثرة»، وهكذا غيرهم. وذكر ابن القيم رحمه الله كذلك في «الصواعق المرسلة». فحديث النزول من الأحاديث المتواترة، وقد ذكر ابن القيم رحمه الله أنه جاء عن ثمانية وعشرين صحابيًا، أو أربعين صحابيًا، وذكر الصحابة الذين ذكروا حديث النزول الثابت عن النبي عليه الصلاة والسلام. وذكر ابن خزيمة في كتابه التوحيد بضعة وعشرين حديثًا عن النبي صلى الله عليه وسلم في النزول. فحديث النزول حديث متواتر، تلقته الأمة بالقبول، كما ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله وغيره من أهل العلم. وهذا مما هو مجمع عليه عند أهل السنة والجماعة: إثبات هذه الصفة، صفة النزول. وصفة النزول من الصفات الفعلية، من الصفات الفعلية التي تعلقت بمشيئة الله سبحانه وتعالى. فالله جل وعلا ينزل حين يبقى ثلث الليل الآخر إلى طبق السماء الدنيا. سميت السماء الدنيا لدنوها من الأرض، لدنوها من الأرض. والطبقة هو الغطاء. إلى طبق الدنيا، الطبق هو الغطاء، وكل سماء طبق للسماء التي قبلها. فالسماء الأولى غطاء للأرض وطبق للأرض، والسماء الثانية طبق للسماء الأولى، والثالثة للثانية، والرابعة للثالثة، والخامسة للرابعة، والسادسة للخامسة، والسابعة للسادسة. طبق الدنيا أي السماء الدنيا، سُميت الدنيا لدنوها ولقربها من الأرض. فالله جل وعلا ينزل نزولًا يليق بجلاله سبحانه وتعالى. عندنا علم بنزوله، وليس عندنا علم بالكيفية كيف ينزل. ولذلك قال السلف: إذا قال لك المبتدع: كيف ينزل؟ قل له: وكيف صعد؟ إذا قال لك: كيف ينزل ربنا؟ قل له: وكيف صعد؟ كيف استوى؟ فليس عندنا علم بكيف استوى، فهكذا ليس عندنا علم بكيف نزل. ونحن نثبت. ولذلك إسحاق بن راهويه رحمه الله قال: «جمعني بإبراهيم بن صالح وهو من أهل البدع مجلس الأمير عبد الله بن طاهر، قال: فسألني الأمير عبد الله بن طاهر عن النزول، قال: فسردت له أحاديث النزول التي ثبتت عن النبي عليه الصلاة والسلام، وأنه ينزل إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر. قال: فقال إبراهيم بن صالح: كفرت برب ينزل من سماء إلى سماء». هذا المبتدع يقول: «كفرت برب ينزل من سماء إلى سماء»، يعني كأنه يقول: لا يستحق أن يكون ربًا من ينزل من سماء إلى سماء. فقال إسحاق بن راهويه رحمه الله: «آمنت برب يفعل ما يشاء، آمنت برب يفعل ما يشاء». قال: «فرضي الأمير كلامي، وأنكر على إبراهيم بن صالح» يعني كلامه. فالسلف الصالح يثبتون هذه الصفة الفعلية لله سبحانه وتعالى. أما أهل التعطيل فيعطلون المعنى، ومنهم من يعطل الصفة بكاملها. فأهل التعطيل، كالجهمية والأشعرية وغيرهم، يقولون: ينزل ملك ربنا، ليس المراد نزول الرب جل وعلا، وإنما نزول ملك. ومنهم من يقول: نزول أمر الله. ومنهم من يقول: نزول رحمة الله. وهذا كله تعطيل لإثبات الصفة لله جل وعلا على ما يليق بجلاله سبحانه وتعالى. والرد على هذا الكلام: قولهم «ينزل ملك»، نقول: هل النبي عليه الصلاة والسلام قادر على الإفصاح عن هذا أم لا؟ هل النبي عليه الصلاة والسلام يستطيع ويقدر أن يقول: «ينزل ملك ربنا»؟ أولًا ما يستطيعون، يقولون: ما يستطيع. يقولون: يستطيع. يقول: لماذا لم يقل: «ينزل ملك ربنا»؟ ملك من ملائكة الله ينزل. هل هو عاجز عن الإفصاح بهذا؟ الجواب: لا. فهذا باطل. ثم يقال ثانيًا: هل الملك الذي تقولون ينزل هو الذي يقول: «هل من سائل؟ هل من مستغفر فأغفر له؟ هل من داع فأستجيب له؟» هل الملك يستجيب دعوة أحد؟ هل الملك يغفر لمن يستغفره؟ هذا إنما هو لله سبحانه وتعالى. لله جل وعلا هو الذي يقول لعباده: «هل من داع؟ هل من مستغفر؟» إلى آخر ذلك. ولا يقول هذا الملك، لأن هذا يكون شركًا بالله سبحانه وتعالى. وأما التفسير بالرحمة فنقول: رحمة الله جل وعلا نازلة في كل وقت، وليست هي فقط في ثلث الليل، في ثلث الليل الآخر. وهكذا التفسير بنزول الرب جل وعلا بنزول أمره، نقول: أمر الله جل وعلا نازل في كل وقت، وليس هو محدد بثلث الليل الآخر. فتبين بهذا أن الله سبحانه وتعالى ينزل نزولًا يليق بجلاله سبحانه وتعالى، كما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام، على ما يليق، من غير تمثيل ولا تعطيل. وقد افترى على شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله افترى عليه ابن بطوطة، هذا الرحال المعروف، ابن بطوطة، وهو من المتصوفة كما ذكر بعض أهل العلم. افترى على شيخ الإسلام ابن تيمية، قال: «رأيته لما دخلت جامع دمشق في سوريا، في دمشق، يخطب على المنبر، ويقول: ينزل ربنا جل وعلا كنزول هذا»، أي: من المنبر، أي أنه يكيف نزول الرب سبحانه وتعالى. وهذا كذب وافتراء على شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، لأن دخول ابن بطوطة دمشق كان شيخ الإسلام في السجن، كان شيخ الإسلام في السجن القلعة، ولم يخرج منها رحمه الله إلا بجنازة، وفي جنازة، رحمة الله تعالى عليه. وهذا من الافتراء. وما يدل على أن هذا افتراء ما ألفه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في رسالته «شرح حديث النزول»، شرح حديث النزول، ذكر الحديث الواردة عن النبي عليه الصلاة والسلام في النزول، وأثبتها كما أثبت السلف ذلك، من غير تحريف، ومن غير تعطيل، ومن غير تكييف، ومن غير تمثيل. طيب. قال: «قد فسر ابن كثير رحمه الله هذه الآية، وحملناه على ذات ألواح ودسر، تجري بأعيننا، جزاء لمن كان كفر». نعم، كما سمعتم أن الله جل وعلا ثبتت النصوص في كتاب الله في سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام أن له جل وعلا عينين، كما أثبت ذلك أيضًا النبي عليه الصلاة والسلام. وهذا يستلزم هذا، فالنظر يستلزم الرؤية. فإذا كان هذا المعنى الذي أراده ابن كثير فهو صحيح، ولا ينافي، والله تعالى أعلم. صلى الله عليه وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. ترجمة نانسي قنقر. ترجمة نانسي قنقر. ترجمة نانسي قنقر.