الدرس في كتاب الصيام 26، الدرس السادس والعشرون :من : ( 4- وفيه أنه ينبغي أن يزيل ... وإن قطعها بالذكر والاستعاذة ذهبت عنه ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
ينبغي للمسلم أن يتحرز من مواضع الشبهات ويزيل ما يلحقه من تهمة، وأن يكون حريصا على درء المفاسد واجتناب الفتن. هذا يتطلب منه أن يبين الحقيقة إذا وقع في موضع شبهة وأن يأخذ بالاحتياط لدينه ولدين الآخرين.
الوساوس ثلاثة أقسام: ما يأتي من النفس، وما يهجم من الشيطان مع إمكانية رده، وما يهجم مع الاسترسال معه. الاسترسال مع الوساوس الشيطانية يؤدي إلى الشك، بينما قطعها بالذكر والاستعاذة يحول دون ذلك.
حذر العلماء من الانحراف في التوبة، سواء بالاستمرار في الذنوب أو اليأس من رحمة الله، أو بتغليب الرجاء أو الخوف. الانحراف في التوبة يؤدي إلى الهلاك، سواء بالإفراط في الذنوب أو اليأس من التوبة.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة، تتمثلا للحديث السابق، قال المؤلف رحمه الله تعالى: «رابعا: وفيه أنه ينبغي أن يزيل الإنسان ما يلحقه من تهمة؛ لئلا يظن به شيء هو بريء منه»، أي ينبغي التحرز مما يسببه التهمة أو مما يسبب التهمة. ومر معنا أنه أفاد ذلك أن الإنسان ينبغي عليه في هذا المقام: الأمر الأول أن يجتنب مواضع التهم، مواضع التهم ومواضع الشبه. مثل ماذا؟ عيشة في الياس مكان، مثلا. مثل ماذا؟ نعم، أو مثلا أراد أن يسكن وعلم أن هذه الحارة لا يأتيها إلا الفساق، مثل فندق مثلا معروف أن هذا الفندق لا يأتيه إلا أهل الفساد. فلا يقول الإنسان: «أنا ما لي دخل، أنا نية طيبة وأريد المكان المريح، إذن لا أبالي أن أدخل في هذا المكان». لا، لا يصلح. بل ينبغي عليه أن يجتنب مواضع التهم، يبحث له عن مكان آخر، ولو كان أقل منه وصفا، لكن لأجل أن يسلم له دينه. وهكذا، كذلك الأمر الثاني: أنه إذا ابتلي بذلك، فعليه أن يبين، عليه أن يبين، من باب «إنها صفية». قال رحمه الله تعالى: «الخامس: أن الشيطان له قدرة وتمكن قوي من إغواء بني آدم، فهو يجري منهم مجرى الدم». قال ابن دقيق العيد: «وهذا متأكد في حق العلماء ومن يقتدي بهم»، يعني متأكد أن الإنسان يدفع عن نفسه، العالم ومن كان له مكانة، ينبغي أن يدفع عن نفسه. لماذا؟ لأنه محل الأنظار، ولأن الشيطان يؤز بالطعن فيهم أكثر. لماذا يؤز بالطعن فيهم أكثر؟ لأن الطعن فيهم طعن في الدين. الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم، ويقوى الجريان عند ماذا؟ عندما يكون المقام فيه فساد أكبر. فلما كان مقام النبوة مقام عظيم، خشي النبي عليه الصلاة والسلام أن يقذف الشيطان في قلوبهما شرا، ولهذا جاء برواية خارج الصحيح، قال: «خشيت أن يقذف الشيطان في قلوبكما شرا فتهلكا». ووجه الهلاك أنهما لو ظنا هذا الظن بالنبي عليه الصلاة والسلام كانوا -العياذ بالله- كفرا. إذا اعتقدوا هذا الظن بالنبي عليه الصلاة والسلام صار كفرا، والعياذ بالله. فالشيطان أمره خطير، لهذا سلامة لدين الناس ولدين هذا المقتدى به، العالم ومن كان بمنزلته، عليه أن يبين، عليه أن يبين من وضع أو ابتلي بأن وقع في موضع شبهة، حتى لا يطعم فيه أحد، ولا يؤدي ذلك إلى ابتلاء الناس. قال رحمه الله تعالى: «وفيه شفقة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم على أمته، فإنه يعلم من ظاهر الحال أن الرجلين لم يظنا شيئا، وإنما علم فيد الشيطان الشديد، فخاف عليهما أن يوسوس لهما بشيء يكون سبب هلاكهما». وهكذا ينبغي أن يكون، ينبغي أن يكون المسلم في شفقته ورحمته بالناس. فالنبي عليه الصلاة والسلام شفقة ورحمة بهما. قال الذي قال: «خشي أن يظرف الشيطان في قلوبهما شرا». وأفاد ذلك، كما قال المؤلف رحمه الله، أن المسلم ينبغي أن يتخلق به عليه الصلاة والسلام بالشفقة والرفقة والرفق بالآخرين. وكذلك ينبغي أن يكون المسلم أن يجتنب ما يكون فيه سبب هلاك الآخرين. فالنبي عليه الصلاة والسلام كان بإمكانه أن يسكت، لكنه رحمة وشفقة بهما تكلم بالذي قال عليه الصلاة والسلام. فإذا المخطئ الذي يقول: «أنا أعامل ربي، ما أعامل الناس». بعض الناس هكذا يقع في مواضع التهم أو يبتلى بشبهة ولا يريد أن يبين، يستنكف. لا، لا تستنكف. النبي عليه الصلاة والسلام تواضع وتكلم، قال: «إنها صفية»، مع أنه عليه الصلاة والسلام أبعد من أن يتهم. فكذلك نحن من باب أولى أن نتكلم. إذا بدا لأحدنا لا بأس أن يتكلم. فمثلا أنت تبيع بضاعة، جاء إنسان قال لك: «هد لي هذا الشهر هد كذا وكذا وكذا وكذا»، وسجلت له ثم أعطيته. لا بأس أن ترفع له فاتورة. بل هذا لازم. أخذت كذا وكذا وكذا وكذا وكذا، وهذا حسابك، وهذا كذا. فلا بأس أن تتكلم وتبين. أو أرسلت أحد أعطاك فلوس، قال: «أصرف لي هذا في السوق دولار أو غير ذلك»، صرفتها. لا تقول له: «هذا الصرف لا أصرفها»، ويسجل الصرف بكذا وكذا مبلغ كذا، والمصروف كذا، وهذه ورقة، وهذا المال، ويعد المال، تأكد في شكل المال. طيب، لا، أنا ما أظن بك شيء، ما يحتاج. الثقة موجودة. نعم، الثقة موجودة، لكن احسب عد، وهكذا. وغير هذا كثير مما هو من هذا الباب. فينبغي للمسلم أن يشفق ويرفق حتى لا يجد الشيطان، وليس بهذا عيد. كذلك تضمن هذا المعنى معنى آخر، وهو أن المسلم ينبغي أن يكون عنده بعد نظر، لا يكتفي بحسن النية مع عدم بعد النظر. فالنبي عليه الصلاة والسلام انظر ماذا قال؟ قال في هذا المقام: «إني خشيت أن يغذف الشيطان بقلوبكم شرا». فينبغي المسلم أن يكون عنده بعد نظر، فيحاول أن يأخذ بالاحتياط لدينه ولدين الآخرين، لا يترك بابا يدخل منه الشيطان. وانظر إلى هذا في شرع الله تجده كثير. فمن ذلك نهى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن يتناجى الرجلان دون الثالث. لماذا؟ حتى لا يدخل الشيطان في قلب الثالث أنه ولا يتكلمون عليه. تريد تسر إنسان ما أنتم إلا ثلاثة. أجل كلامك أجل الموضوع. أو إذا وجدت ناس آخرين فاجعله يلتحق بالآخرين، أو ادعو الآخرين إليك، ثم جر هذا الإنسان وتكلم معه بما تريد أن تتكلم. وهذه كما قلنا خصلة ينبغي أن يحرص عليها، لأن عمومات الأدلة تدل عليها. قال رحمه الله تعالى: «سابعا: قال بعض العلماء: ومنه ينبغي للحاكم أن يبين للمحكوم عليه وجه الحكم إذا كان خافيا عليه نفيا للتهمة». وهذه مسألة من مسائل هذا الباب، من باب «إنها صفية». فأنت إذا كنت حكما مثلا بين اثنين وحكمت، ولكن غلب على ظنك أن هؤلاء سيظنون بك سوء، تقول: من أين حكم بهذا؟ من أين حكم بهذا؟ فهنا يحتاج أن تبين، تقول: حجتي، بينتي على ما أقول كذا وكذا. قلت ذلك لأجل الأمر الفلاني. فهو من باب «إنها صفية». قال: «ثامنا: جواز خلوة المعتكف بزوجه ومحادثتها إذا لم يسر ذلك شهوته المنافية للاعتكاف»، يعني يجوز للرجل المعتكف أن يخلو بأهله ويتكلم معها، وليس ذلك مما ينافي الاعتكاف. وقوله: «إذا لم يسر»، لأنه إذا كان ذلك يسبب ذلك، إذا عرف الإنسان أنه من هذا النوع، فإذن الأفضل له أن لا يفعل هذا حتى لا يفسد على نفسه اعتكافه. ذرع المفاسد أولى من جلب المصالح. وفيه كذلك جواز دخول المرأة المسجد إذا لم يكن فيه مفسدة، وفيه كذلك جواز خلوة المرأة بمحرمها في المسجد. وكل هذا مقيد إذا لم يكن في ذلك مفسدة. والحكم يدور مع العلة وجودا وعدما. فإذا كان المقام اختلف لكثرة الناس وتباعد معرفتهم وكثرة مظنة التهمة، فينبغي أن يترك مثل هذا الباب. مثل مساجدنا في هذا الزمان، مساجدنا في هذا الزمان يدخلها الكثير من الغرباء، ناس كثير، أصناف كثيرة من الناس، ما يعرف بعضهم بعضا. إذا دخلوا المسجد ورأوا رجل مع امرأة في المسجد، هم يريدون أن يلقوا التهمة بغير سبب. لو استطاع أهل الباطل أن يرموا أهل الحق بالتهمة بغير سبب، رموهم بالتهمة بغير سبب. فكيف إذا وجدوا مثل هذا السبب؟ إذن درء المفاسد أولى من جلب المصالح. ومنه كذلك الخلوة بالمردان، فإن هذا الباب كذلك من باب درء المفاسد، ينبغي أن يجتنب، لأنه باب آخر من باب الفتنة. وقد نبه العلماء على ذلك بكتبهم، تبعا لهذه القاعدة: «درء المفاسد أولى من جلب المصالح»، كما بيّنه ابن الجوزي رحمه الله في مواضع كثيرة في كتابه «تلبيس إبليس». قال: «تاسعا: قال ابن دقيق العيد: وفي الحديث دليل على هجوم خواطر الشيطان على النفس». وهذه لفتة عظيمة من هذا العالم رحمه الله. قال: «وما كان من ذلك غير مقدور على دفعه لا يؤاخذ به»، لقوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾. قال الصنعاني: «الوساوس تطرق القلب، فإن استرسل العبد معها قادته إلى الشك، وإن قطعها بالذكر والاستعاذة ذهبت عنه». إذن الوساوس ثلاثة أقسام: قسم يأتي من الإنسان، وهذا يؤاخذ عليها لأنه من الظلم السيء. وفي الصحيح، من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «إياكم والظن، فإن الظن أكذب الحديث». ويقول ربنا عز وجل: ﴿إِنَّ بَعْضَ الظَّنِ إِثْمٌ﴾. إذن، وفي اسم آخر، كما قال رحمه الله تعالى: «يهجم على الإنسان من خواطر الشيطان». يهجم على النفس شيء من الوساوس، تهجم على النفس، ليس في قلبك شيء على أحد، لكن ما تدري إلا وخاطرة تثور في قلبك وفي نفسك. فهنا للإنسان معها مقاما: مقام سوء الظن، أن تسترزل بها، وهذا في أول الأمر لا يؤاخذ عليها. هجوم هذه الخاطرة، أنت لا تؤاخذ عليها. «لا يكلف الله نفسا إلا وسعها»، هذا ليس من وسعك، لأن الخاطرة جاءت لك من خارج. لكن الاسترسال معها، هذا مما تملك دفعه. فإذا لم تدفعه بالاستعاذة وذكر الله عز وجل وحسن الظن بإخوانك المؤمنين، فأنت بهذا استرسلت بالشر. وإن قطعتها سلمت. ولهذا قال الصنعاني رحمه الله: «الوساوس تطرق إلى القلب، فإن استرسل العبد معها قادته إلى الشك، وإن قطعها بالذكر والاستعاذة ذهبت عنه». طيب، في شيء. بهذا وبهذا نكون قد انتهينا من هذا الباب، وكتاب الصيام عموما، باب الاعتكاف، وكتاب الصيام عموما. طيب، هذان سؤالان. وقبل السؤالين ننبه أنه إن شاء الله نقرأ بعد هذا في الزكاة، مناسبة لما يحتاج إليه من أحكام، يعني في نفس الكتاب. أيضا ذكرت الآن القسم الأول هو الذي قلت أولا، يأتي من نفس الإنسان، والتاني الذي يهجم عليه من الشيطان، وهذا الذي يهجم عليه من الشيطان فيه اسمين: قسم يرده، وقسم يسترسل معه. فهو ثلاث أفسام بهذا الاعتبار. طيب، يقول: هل يجوز رد السلام على المرأة الأجنبية إذا لم يكن فيه فتنة؟ فلا بأس، فقد كان نبينا صلى الله عليه وسلم يسلم على النساء، لكن بغير مصافحة. السلام بغير مصافحة. وإذا كان فيه فتنة فيجتنب ذلك، مثل أن يكون عرف الناس أن تسليم الشاب على النساء نوع من الأذية والمعاكسة كما يقال. فإذا ينبغي للشاب أن لا يسلم على النساء. أنت شاب تمر، جم نساء، سلام عليكم، فإيش يريد هذا؟ سلم علينا، إيش بينه وبينه يسلم علينا؟ لكن شيء، شيء كبير إذا سلم على النساء. ما أحد أسأ به الظن. وهذا من هذه القاعدة، من باب «اجتناب مواضع التهم». ولكل بلد عرفه بخناب. إذا كانت قريبة له، بنت عم أو بنت خال أو نحو ذلك، وهم جيران، فلا بأس يمر بدون تفاتة وبدون مصافحة، السلام عليكم ويمشي، وعليكم السلام وخلاص. وإذا احتاج أن يسأل مثلا عن أحد مريض أو كذا أو كذا بدون فتنة، لا بأس. وإذا كان هناك فتنة يترك. يقول: ما حال الأثر الذي جاء عن ابن عباس رضي الله عنه أنه لا توبة للقاتل؟ الأثر صححه جماعة من أهل العلم، وهو على أشد الأحوال يقال: إنه اجتهاد من عبد الله بن عباس وأخطأ. وأدلة الكتاب والسنة الكثيرة تدل أن كل الذنوب فيها توبة إلا الشرك، فلا يغفره الله عز وجل إلا أن يتوب. كل الذنوب تحت المشيئة، فضلا عن أن يتوب منها. كل الذنوب تحت المشيئة: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾. فكذا إلا تاب منها، فإن الله يتوب. وباب التوبة مفتوح إلى قيام الساعة، وما لم تغرغر النفس. لكن بعضهم حمل هذا الذي روي عن عبد الله بن عباس أنه لا يوفق للتوبة، وهو الذي ذلك عليه الأحاديث: «لا يزال المسلم في فسحة من دينه ما لم يسفك دما حراما». وفي رواية خارج الصحيح: «فإذا سفك دما حراما، بلح». وفسره العلماء معناه: أن الذي يقتل النفس المحرمة لا يوفق للتوبة، ولا يوفق للعمل الصالح. قال العلماء: وتفسير ذلك أنه يتجه إلى الانحراف بأحد طريقين: إما بتغليب باب الرجاء فيستمر في هذا الانحراف فيهلك بكثرة سفكه للدماء، وإما بتغليب باب الخوف فيقنط من رحمة الله، وعند ذلك ييأس من التوبة، فيرى أنه لا توبة له، فيسرف على نفسه زيادة. وكلا الأمرين مهلك للإنسان. طيب، نكتفي بهذا، وإلى هنا والحمد لله رب العالمين.