الدرس في شرح الأصول الثلاثة 5، الدرس الخامس : (22 جمادى الآخر 1431هـ) (الثانية أن الله لا يرضى أن يشرك معه في عبادته ... وأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحداً ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
المسألة الثانية التي ذكرها المؤلف رحمه الله تعالى هي أن الله لا يرضى أن يشرك معه أحد في عبادته، واستدل بقوله تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾. هذه المسألة هي لازم المسألة الأولى، حيث أن إفراد الله بالربوبية يستلزم إفراده بالألوهية.
الله جل وعلا يريد لعباده التوحيد والإسلام الحق، وأعظم ما يرضيه هو التوحيد، وأعظم ما يكرهه هو الشرك. توحيد الربوبية يستلزم توحيد الألوهية، وإفراد الله بالعبادة هو أول واجب على المكلفين.
يشرح المؤلف كيف أن بعض المسلمين قد يقعون في الشرك رغم إقرارهم بتوحيد الربوبية، ويبين أهمية تحقيق توحيد الألوهية لتحقيق الإيمان والإسلام الحقيقي. يشير إلى أن العبادة تشمل كل ما يحبه الله ويرضاه، وأن صرفها لغير الله يعتبر شركًا.
يتم ختام الدرس بالاكتفاء بما تم شرحه حتى الآن، والصلاة على النبي محمد وآله وصحبه، وشكر الحضور.
الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: الثانية أن الله لا يرضى أن يشرك معه أحد في عبادته، لا ملك مقرب ولا نبي مرسل، والدليل قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾. هذه هي المسألة الثانية من المسائل التي ذكر رحمه الله أنه يجب على كل مسلم ومسلمة أن يتعلمها. وهذه المسألة هي لازم المسألة الأولى، فإذا علمنا أن الله عز وجل وحده جل وعلا هو الرب الحق المتفرد بالخلق والرزق والتدبير، وأنه لم يترك عباده هملًا، علمنا أنه وحده جل وعلا الذي يجب أن يعبد، لا يعبد معه غيره سبحانه وتعالى، لا ملكًا مقربًا ولا نبيًا مرسلًا. فهذا كما يقال عنه من باب الاستدلال بتوحيد الربوبية على توحيد الألوهية. فكأن ترتيب هاتين المسألتين كقول الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾. والمعنى: اعبدوا ربكم لأنه وحده سبحانه وتعالى الذي خلقكم. فهنا جملة "الذي خلقكم" كما يقولون صفة كاشفة جاءت للتعليل وليست للتقييد، فليس هناك رب لم يخلق، بل معنى الآية: اعبدوا ربكم لأنه وحده سبحانه وتعالى الذي خلق، لا خالق معه غيره جل وعلا، فلذلك يعبد وحده سبحانه وتعالى ولا يعبد معه غيره. وها هنا ذكر هذا المعنى كذلك رحمه الله تعالى، قال: أن الله لا يرضى أن يشرك معه أحد في عبادته، لا ملك مقرب ولا نبي مرسل. والآيات على هذا كثيرة، وأشار رحمه الله لهذه الآية: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾. وفسرت الآية بتفسيرين: "أن المساجد لله" أي مواضع السجود والصلاة هي لله، فلا يجوز أن تجعل لغيره جل وعلا، بل تكون لعبادته وحده سبحانه وتعالى، فيكون في ذلك النهي عن اتخاذها مواضع لعبادة غيره، كأن تجعل فيها القبور أو التصاوير أو غير ذلك مما يكون فيه الندية في عبادة الله عز وجل. وقيل: "أن المساجد لله" أي أعضاء السجود لله سبحانه وتعالى، فلا يجوز أن توجه إلا لعبادة الله عز وجل وحده. وكذا المعنيين يدخل في عموم هذه الآية، فالنكر في سياق النفي تفيد العموم، فيشمل هذين المعنيين وكل ما يلحق بهما. فلا يجوز أن توجه عبادة من العبادات إلى غير الله مهما كان هذا الغير، فلا يجوز أن توجه لا لملك مقرب ولا لنبي مرسل. والمعنى: وما دون هذين الجنسين من باب أولى. فإذا كانت الملائكة وهم أكرم خلق الله، والرسل عليهم الصلاة والسلام كذلك، فإنه من دون الملائكة والرسل من باب أولى ألا توجه إليهم شيء من العبادات. فإن الله جل وعلا لا يرضى لعباده الكفر، ولكنه يريد لهم التوحيد وما تكون به استقامتهم في الدنيا، وهكذا كذلك في الآخرة. وليس ذلك إلا بالتوحيد والإسلام الحق بعبادته سبحانه وتعالى وحده، وأن لا يشرك معه غيره جل وعلا. وسبق أن علمنا أن العبادة أعم من أن تحصر في الصلاة والصيام والزكاة والصدقة، فالعبادة اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأفعال الظاهرة والباطنة. فمن صرف شيئًا من ذلك لغير الله فقد وقع في الشرك، قد يصل به الأمر إلى الشرك الأكبر والعياذ بالله الذي يحبط معه عمله، والذي لا يغفره الله عز وجل. قال الله سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾. وقال جل وعلا: ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾. وقال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ * بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾. وقال جل وعلا: ﴿وَمَنْ يَشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾. وهكذا كذلك في سنة النبي صلى الله عليه وسلم من ذلك الشيء الكثير. وقد سئل النبي صلى الله عليه وسلم: أي الذنب أعظم؟ فقال: «أن تجعل لله ندًا وهو خلقك». وكذلك لما تكلم النبي صلى الله عليه وسلم بأعظم ما يرضى الله عز وجل به وما لا يرضى، فقال: «إن الله يرضى لكم ثلاثًا، ويكره لكم ثلاثًا»، ثم ذكر من ذلك، قال: «أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئًا». فإن أعظم ما يرضى الله عز وجل به هو التوحيد، وأعظم ما يسخطه الله ويكرهه هو الشرك. ولهذا كان أول واجب على المكلفين هو توحيده سبحانه وتعالى بعبادته وحده جل وعلا، وهو أول ما تفتتح به الرسل عليهم الصلاة والسلام دعوتهم. قال الله عز وجل عن عدد من أنبيائه ورسله بعثوا في أممهم وهم يقولون: ﴿يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾. ويقول سبحانه: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾. والآيات في هذا كثيرة. فالمقصود ها هنا أنه إذا علمنا المسألة الأولى علمنا أن من لازمها هذه المسألة، وهي أن يفرد الله جل وعلا وحده بالعبادة، لا يعبد معه غيره. وننتبه هنا في ضمن كل المعاني الكثيرة العديدة التي تدخل تحت هذه المسألة إلى مسائل هي من أهم مسائل هذه المسألة. أولها: أن نلازم إفراد الرب جل وعلا بالربوبية إفراده سبحانه وتعالى بالألوهية. فإن توحيد الربوبية يستلزم توحيد الألوهية. وإن شئت فقل: التوحيد العلمي الخبري وهو توحيد الربوبية، أي إفراد الله بأفعاله، وهكذا توحيد الأسماء والصفات، إثبات ذلك يستلزم التوحيد الطلبي القصدي وهو توحيد الألوهية، أي إفراده جل وعلا في أفعال خلقه. فإذا علمنا ذلك علمنا خطأ وضلال كل من اختل عليه هذا المعنى، فأثبت ربًا سبحانه وتعالى خالقًا، ثم ذهب يعبد معه غيره. فالمشركون الأولون أقروا بمعنى توحيد الربوبية، قال الله عز وجل عنهم: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَيَقُولُنَّ اللَّهِ﴾. ومع ذلك عبدوا مع عبادته غيره من الأصنام والأوتان والأشجار والأحجار والقبور والصالحين والأنبياء وغيرهم. وكل أولئك صاروا من المشركين، سواء من الوثنيين الجاهليين من العرب أو العجم، أو كذلك بعض أهل الكتاب ممن عبد مع الله غيره بالغلو في بعض الأنبياء والصالحين. ولا حديث في هذا المعنى كثيرة. فكذلك هذا بعد مبعث النبي صلى الله عليه وسلم، وظلال لمن ضل من المسلمين بعد القرون المفضلة. وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام مبينًا أن الشرك سيعود في هذه الأمة كما بدأ، بدأ الإسلام غريبًا وسيعود غريبًا كما بدأ، فطوبى للغرباء. وقال عليه الصلاة والسلام: «لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة، حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه». وقال عليه الصلاة والسلام كذلك، وهو يخبر عن بعض أشراط الساعة، قال: «لا تقوم الساعة حتى تضطرب أليات نساء دوس حول ذي الخلصة». وذو الخلصة وثن كان يعبد في الجاهلية، فأخبر أنه سيعود أمر عبادته في آخر الزمان. بل قال عليه الصلاة والسلام: «اللهم لا تجعل قبري وثنًا يعبد». وهذا يدل أن في أمته من سيعود إلى عبادة الأوثان والوثن يشمل الصنم وغيره، ومنها القبور. فدعا ربه جل وعلا أن لا يجعل قبره وثنًا يعبد. فهذا وغيره من الأدلة تدل على أن المؤلف رحمه الله أشار إلى أن قد يقع في الشرك بعض من يقر بالمسألة الأولى، فلا يكفي أن يقول المرء: "أنا أشهد أن لا إله إلا الله" ثم لا يحقق معنى هذه الشهادة. ولا يكفي أن يقول القائل: "أنا أقر بأن الله هو الخالق والرازق والمدبر" ثم لا يفعل ولا يمتثل ما تستلزمه هذه الكلمة وهذا الإقرار. فإذن لا يكفي أن يقر الإنسان بإثبات الربوبية ثم لا يتبعه بما يلزم من الإقرار بتوحيد الألوهية. وهكذا المسألة الثانية، وهي كما قلنا المقصود ها هنا أن العبادة لا تنحصر بالصيام والصدقة والزكاة والصلاة، ولكنها تشمل كل ما يدخل في معنى العبادة كما تقدم. فالعبادة اسم جامع لكل ما يحب الله ويرضاه من الأقوال والأفعال الظاهرة والباطنة. فإذا كان كذلك فالعبادة أوسع مما يتصوره بعض الناس. فالذبح عبادة، والنذر عبادة، والطواف عبادة، والتمسح عبادة إذا صار على وجه المحبة والتعظيم والخضوع والذل، فهذا من العبادة. فكل ذلك إذا صرف لغير الله وجعل على غير ما تعبد الله صار عبادة لغير الله سبحانه وتعالى، وهو من الشرك، وصاحبه لا يخرج من الشرك إما الأصغر أو الأكبر. وما أكثر من يفعل ذلك في زمن المؤلف، بل وفي زماننا هذا. والمقصود هو التحذير من هذا الفعل. والمسألة الثالثة وهي العظيمة هنا أن حقيقة الإيمان والإسلام والإقرار بشهادة التوحيد وعبودية العبد لربه سبحانه وتعالى تكمن في تحقيق هذه المسألة، وهي توحيد الألوهية. فمن لم يحققها لم ينتفع بكلمة التوحيد، ولم تتحقق له عبودية، ولم يكن له كذلك معنى الإسلام والإيمان الحق الذي أراده الله عز وجل منه. فلذلك ينبغي على كل مسلم ومسلمة أن يتأمل هذه المسألة تأملًا دقيقًا تكون به سلامته في الدنيا، وهكذا كذلك في الآخرة. نكتفي هذا اليوم بهذا القدر، وإلى هنا والله تعالى أعلم. صلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، وجزاكم الله خيرًا.