الدرس في شرح الأصول الثلاثة 21، الدرس الحادي والعشرون (4 جمادى الآخر 1432هـ) (المرتبة الثالثة:الإحسان ... إلا كنا عليكم شهودا إذ تفيضون فيه). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
الإحسان هو أعلى مراتب الدين ويعني عبادة الله كأنك تراه. يتطلب الإخلاص والمتابعة والعمل على أكمل وجه.
الإحسان ركن واحد وهو عبادة الله بإخلاص ومراقبة. يحصل المحسنون على معية الله الخاصة التي تتضمن الحفظ والنصر.
الله مع جميع خلقه بمعية عامة، وأهل الإحسان معهم بمعية خاصة تتضمن التأييد والنصر. الآيات القرآنية تدل على ذلك.
المؤلف اكتفى بثلاث آيات لتوضيح ركن الإحسان. هذه الآيات تكفي لفهم الإحسان كجزء من الدين.
الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال الملك -رحمه الله تعالى-: المرتبة الثالثة الإحسان، قال: ركن واحد، وهو أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك. والدليل قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾، وقوله: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ * الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ * وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ * إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾، وقوله: ﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ﴾ الآية. قوله -رحمه الله-: المرتبة الثالثة الإحسان، أي: من مراتب هذا الدين، كما تقدم في الدروس السابقة. وقد مر معنا الكلام على مرتبة الإسلام والإيمان، وهذه هي المرتبة الثالثة من مراتب الدين: الإحسان. والإحسان -كما قال العلماء-: هو أعلى مراتب الإخلاص، وذلك بأن يقع العمل على أكمل وجوهه في الظاهر والباطن، فيكون من كمال إخلاصه قد أقام هذا العمل وأحسنه ظاهرا وباطنا. ولهذا اشتق له هذا اللفظ، وهو الإحسان، أي: حصل فيه منتهى الكمال في الحسن، وذلك لكمال إخلاصه. ومن ذلك استحضاره لربه جل وعلا في السر وفي العلن. وكما تقدم معنا: إن من أعظم أسباب قبول الأعمال الإخلاص والمتابعة، وهذا المحسن قد بلغ نهايته في استيفاء هذين الأمرين، كملت متابعته بكمال مراقبته وحرصه على المتابعة. وهكذا كذلك كمل إخلاصه بعظيم مراقبته لربه جل وعلا في السر والعلن. ومن كان هذا حاله فإنه من المحسنين، وبه نعلم أن مرتبة الإحسان أعلى مراتب هذا الدين، فكل محسن مؤمن مسلم، وليس كل مسلم ولا كل مؤمن محسنًا، فمن المؤمنين من هو محسن، ومنهم من هو ليس بمحسن، وكذلك من المسلمين من هو محسن، ومنهم من هو ليس بمحسن. وتقدم معنا فيما سبق أن كل مؤمن مؤمن مسلم، وليس كل مسلم مؤمنًا. وبه نعلم كذلك أنه إذا أطلق الإحسان فإنه يدخل فيه الإيمان والإسلام. وهكذا كذلك نعلم بهذا أن من أعظم ما ينبغي أن يحرص عليه المسلم أن يحرص على الإحسان في عبادته لربه جل وعلا. ولهذا جاء الثناء على هذه المرتبة من مراتب هذا الدين بأدلة كثيرة، كما سيأتي معنا إن شاء الله تعالى. وقول -رحمه الله تعالى-: الإحسان ركن واحد، أي: أن أركان الإحسان ركن واحد. وقد تقدم معنا أن الإسلام أركانه خمسة، والإيمان أركانه ستة، وأما الإحسان فركنه واحد، وهو ما جاء في الحديث: أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك. وهذا هو معنى هذه المرتبة: مرتبة أهل الصدق والإخلاص وخاصة الرب سبحانه وتعالى. ومعنى أن تعبد الله كأنك تراه، أي: أنه يحصل عنده من اليقين في عبادة ربه بكمال إخلاصه وتمام إحسانه في متابعته كأنه يرى ربه عيانا. ولهذا حصل له هذا الإحسان. وقوله: كأنه، لأن الحقيقة هو لا يرى ربه، فهو لا يرى جل وعلا سبحانه إلا في الآخرة، أما في الدنيا فهو لا يرى، كما صحت بذلك الأدلة من الكتاب والسنة. ولكن هو يعلم علما يقينيا أن الله جل وعلا يراه، ولهذا قال: فإن لم تكن تراه فإنه يراك. فهو من تمام يقينه في هذا الباب حصلت له هذه الحقيقة، وهو أن العبد أحسن غاية الإحسان لكمال مراقبته لربه جل وعلا، وذلك بأنه يعبد ربه عبادة المشاهد له كأنه يشاهده. فانكشفت حقائق القلب، فصار العبد في مقام المعرفة كأنه يطالع ويشاهد ربه سبحانه وتعالى بقوة استحضاره لصفات الكمال ونعوت الجلال التي هي من خصائص الرب سبحانه وتعالى، حتى أحست الروح بالقرب من الله جل وعلا. ولا يعني ذلك القول بوحدة الوجود وخرافات أهلها، ولكن معناه ما يحصل في القلب من اليقين وقوة الخضوع والذل لله جل وعلا لكمال المراقبة. والدليل قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾، هذه هي معية الرب جل وعلا مع خاصة عباده، فهي معية مع الذين اتقوا، أي: جعلوا بينهم وبين غضب الله جل وعلا وقاية بامتثال أوامره واجتناب نواهيه، والذين هم محسنون، أي: أحسنوا في عبادة الله جل وعلا بالصدق والإخلاص وكمال المراقبة والمتابعة. وليس فقط فيما بينهم وبين الله، بل وكذلك فيما بينهم وما بين الناس، طاعة لله وحبا في مرضات الله. وهؤلاء تحقق فيهم ما تقدم من أنهم كملت عبوديتهم لربهم جل وعلا لكمال مراقبتهم، لعلمهم أنه مطلع على جميع ما عندهم مما ظهر أو خفي. ولهذا فهم قلة في الناس من أهل الإيمان وأهل الإسلام. ولما كملت عبوديتهم بحسن مراقبتهم حتى صاروا يشاهدون عظمة الرب جل وعلا، فحقق لهم ذلك كمال العبودية والمتابعة، جازاهم ربنا جل وعلا الكريم المنان بمعيته الخاصة التي تتضمن الحفظ والنصر والتأييد. الله جل وعلا مع جميع خلقه بمعيته العامة، وهي معية العلم والاطلاع، ولا يقتضي ذلك الاختلاط كما تزعمه طوائف الضلال من أهل الحلول والاتحاد. فهو جل وعلا بائن من خلقه بذاته سبحانه وتعالى، مستو على عرشه كما يليق بجلاله وعظمته، ليس كمثله شيء وهو السميع البصير. وهو مع ذلك مع جميع خلقه بمعيته العامة: معية العلم والاطلاع والمراقبة والقدرة والهيمنة. وأما أهل الإحسان فهو معهم سبحانه وتعالى بمعيته الخاصة التي فيها من التأييد والنصر والحفظ والكلاءة ما هو جزاء إحسانهم. وقوله جل وعلا: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ * الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ * وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ * إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾، كذلك هذه الآية فيها دليل على معنى الإحسان، لأن الله جل وعلا يرانا. وكما تقدم في تعريف الإحسان: إن لم تكن تراه فإنه يراك، فمن وقع عنده هذا العلم موقع اليقين دفعه ذلك للإحسان. وهذه الآية في سياق وصف نبينا صلى الله عليه وسلم، وهو إمام المحسنين عليه الصلاة والسلام، ففيها أن الله جل وعلا يدعوه عليه الصلاة والسلام لأن يعظم توكله به جل وعلا، وهو إمام المتوكلين، لكنه من باب التأكيد، كقول الله جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا﴾. وهكذا كذلك قوله: ﴿الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ﴾، يعني أنه معك معية حفظ ونصرة وتأييد وكلاءة، وهذا يزيد في توكله على ربه جل وعلا، وإقدامه في مهامه وأداء رسالته. وفي قوله جل وعلا: ﴿وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ﴾، مع ما فيه من مراقبة الرب جل وعلا ورؤيته لذلك، وهو سبحانه وتعالى يرى ويورى يوم القيامة، ففيه كذلك إحسان النبي صلى الله عليه وسلم في عبادته لربه جل وعلا. وفي قوله: ﴿السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾، تأكيد لمعنى مراقبة الرب جل وعلا ومعيته، فهو السميع لأقوال عباده، العليم بحركاتهم جل وعلا وسكناتهم، وهو مطلع سبحانه وتعالى على كل ما عليه أحوال خلقه، يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور. وقوله: ﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ﴾، كذلك الآية في وصف نبينا صلى الله عليه وسلم، وهو إمام المحسنين، ففيه إثبات سعة علم الله جل وعلا، وأنه يعلم جميع أحوال خلقه. والمقصود هنا تأييد النبي صلى الله عليه وسلم، وهو إمام المحسنين، بأن الله جل وعلا معه بمعيته الخاصة لأهل الإحسان التي تقتضي التأييد والنصرة والحفظ والكلاءة. وهذا تأييد للنبي صلى الله عليه وسلم لأن يؤدي ما أمره الله عز وجل به من أمر رسالته. وغير هذه الآيات كثير، ولكن المؤلف -رحمه الله- اكتفى بهذه الآيات الثلاث ليستدل بها على إيضاح هذا الركن من أركان الإحسان، وتوضيح هذه المرتبة من مراتب الدين.