من حوارات القرآن والسنة 11

الدرس في من حوارات القرآن والسنة 11، الدرس الحادي عشر: ( الحوار الذي دار بين رجلين ورعين أمينين تحاكما إلى قاضٍ ورع أمين ). ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

مقدمة: مكانة الأمانة في الإسلام وقصص السلف في التحلي بها

استعرض الدرس نماذج رائعة للأمانة من قصص السلف كقصة الرجلين وأصحاب الغار، مبيناً أن الأمانة عرضها الله على السماوات والأرض فأبين حملها. وحذر من رفع الأمانة في آخر الزمان وأن إسناد الأمر لغير أهله من علامات الساعة.

الأمانة في الإسلام: مكانتها ومظاهر تضييعها في الواقع المعاصر

يتناول المقطع مكانة الأمانة العظيمة مستدلاً بالقرآن والسنة وأقوال الأعداء، ثم يستعرض مظاهر تضييعها في المعاملات التجارية والرعاية الأسرية والوظائف والتعليم. داعياً إلى مراجعة النفس وأداء الأمانات.

تفشي الخيانة في مجالات الحياة ووجوب التوبة وإعادة الأمانة

يتناول الخطيب تفشي الخيانة في الأمانات كالمجال الطبي والإعلامي والحدود وتوزيع الزكاة حيث غلب الطمع على الواجب الشرعي. ويؤكد أن المسؤولية مشتركة بين جميع المسلمين وأن العلاج يكمن في التوبة الصادقة وإعادة الأمانة إلى مواضعها.

المسؤولية الفردية والجماعية للأمانة في ضوء القرآن والسنة

يؤكد المقطع أن تغيير حال الأمة يبدأ بتغيير النفوس لا بتحميل المسؤولية لفئات معينة فقط، مستشهداً بآية التغيير وقول النبي يوسف. ويبين أن الأمانة تختلف عظمتها حسب المنصب، فتفريط أرباب المسؤوليات إثمهم أعظم، وعلى كل فرد أداء أمانته بإخلاص لصلاح الأمة.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن ولاه. أما بعد، فحوار درسنا لهذا اليوم حوار دار بين رجلين راعيين أمينين تحاكما إلى قاضٍ ورع أمين. ثبت في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: «اشترى رجل من رجل عقارًا، فوجد الذي اشترى العقار في عقاره جرة فيها ذهب، فقال هذا الرجل لذلك الرجل الذي اشترى منه العقار: خذ ذهبك، إنما اشتريت منك الأرض ولم أبتع منك الذهب. فقال ذلك الرجل صاحب الأرض: إنما بعتك الأرض وما فيها. فتحاكما إلى رجل، فقال لهما ذلك الرجل الذي تحاكم إليه: ألكما ولد؟ فقال أحدهما: لي غلام، وقال الآخر: لي جارية. فقال هذا القاضي وهذا الحاكم: أنكحوا الغلام الجارية، وأنفقوا على أنفسكما من هذا المال، وتصدقا». هذا الحديث وهذا الحوار فيه نموذج عظيم ومثال رائع في القناعة، وفي الأمانة، وعدم الطمع والورع. اليوم العكس: إذا وجد رجل في أرض اشتراها شيئًا من ذهب أو فضة، وعلم الآخر الذي باع له الأرض أن في أرضه كذا وكذا من المال، قد تحصل عليه فلان، لجاء وخاصمه، ليتخاصما ليأخذ كل واحد منهما هذا المال، وربما إذا ذهب إلى القاضي قال لهما: لا لك ولا له، ليأخذه هو. لكن أولئك الذين كانت عندهم أمانة، وكان عندهم دين، وكان عندهم ورع، كانوا يتورعون عن مثل هذه الأشياء. عجبًا لله! يتخاصم رجلان، كل واحد منهما لا يريد الذهب؛ هذا يقول: لما اشتريت منك، والآخر يقول: إنما بعت الأرض وما فيها، حتى يتحاكما إلى قاضٍ، ويأتي حكم القاضي الورع الأمين بأن يسأل هذين الرجلين: هل لهما من ولد؟ ليربط بين هاتين الأسرتين الأمينتين، صاحبة الأخلاق الفاضلة العظيمة، لتستمر النماذج، وتبقى القيم، وتحفظ الأمانات، وتزول تلك الرذائل والأطماع وغيرها من تلك الأخلاق السيئة. نموذج رائع ذكره النبي عليه الصلاة والسلام أيضًا في هذا الباب، ما جاء في الصحيحين من حديث عبد الله بن عمر في قصة الثلاثة أصحاب الغار الذين آواهم المبيت إلى غار، فدخلوا، فسدت عليهم صخرة عظيمة باب الغار، فما استطاعوا أن يخرجوا منه، فتوسلوا بصالح أعمالهم. الأول توسل ببره بوالديه، والآخر توسل بتقواه وورعه وحفظه للأمانة، وهكذا الآخر توسل بتقواه، فترك ابنة عمه التي قد قدر عليها. الثالث قال في توسله بعمله الصالح: «اللهم إنه كان لي أجراء، إنني استأجرت أجراء، فأعطيتهم أجرهم إلا رجلًا واحدًا منهم ترك ماله وذهب، فتمرت له ذلك المال حتى كان منه الأموال الكثيرة، فجاءني بعد حين فقال لي: يا فلان، أعطني أجري. فقلت له: كل ما تراه من مالك وأجرك، الإبل والبقر والغنم والرقيق، كل ذلك من أجرك. فقال: يا هذا، لا تستهزئ بي. فقال: لا أستهزئ بك. قال: فاستاقه كله، ولم يترك منه شيئًا. اللهم إن كنت عملت هذا العمل ابتغاء وجهك فافرج عنا». فانفرجت الصخرة، فخرجوا يمشون. توسل بهذا العمل الصالح: الأمانة. ذلك الرجل ليس له إلا فرق من أرز، عمل عنده على فرق من أرز، على شيء قليل من الأرز، وذهب وتركه. لكن هذا الرجل زرع هذا الأرز في الأرض، حتى كان الزرع، كان منه المال، كان منه الإبل والبقر والغنم والرقيق. اليوم إذا جاء الرجل إلى شخص قد ترك عنده ماله من سنين، إذا لم ينكره، يقول له: ما أذكر الآن، تأتيني وأنا ما أذكر متى هذا. وإذا ذكر، أعطاه ربما ماله، وربما يكون هذا المال قد ثمره، وقد اشتغل به، وقد أدخل عليه أموالًا كثيرة، ليست ما دخلت عليه إلا من هذا المال. لكن أولئك، لكن أولئك عندهم الأمانة. أولئك آبائي، فجيني بمثلهم إذا جمعتنا يا جرير المجامع: رجال أمناء، أتقياء، وريعون. إنها الأمانة التي من عظم شأنها أن السماوات والأرض والجبال عجزت عن حملها لشدتها ولعظمها: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾. الأمانة التي يدل على شأنها وعظمها أنها ترفع في آخر الزمان، ورفعها نذير شر وموشك باقتراب الساعة. أخبر النبي عليه الصلاة والسلام كما في الصحيحين من حديث حذيفة رضي الله تعالى عنه أن الأمانة ترفع، حتى تكاد لا تجد رجلًا أمينًا. يتبايع الناس فيما بينهم، حتى لا تكاد تجد رجلًا أمينًا، حتى يقال: إن في بني فلان رجلًا أمينًا، إن في بني فلان رجلًا أمينًا، لقلة الأمناء ولندرهم. حتى يقال عن هذا الرجل: ما أضرفه، ما أعقله، ما أحلمه، قال: وليس في قلبه مثقال حبة خردل من إيمان. هذا الذي يقال فيه: أمين في بني فلان، رجل أمين، ما أحلمه، ما أعقله، ما أضرفه، يقول نبي السلام: وليس في قلبه حبة خردل من إيمان. هذا الذي يشار إليه بالبنان أيضًا ليس على تلك الأمانة، وإنما هو ضعيف فيها. يدلنا على رفعها وعلى كثرة الخيانة. ورفع الأمانة: النبي عليه الصلاة والسلام كما في الصحيحين، أو في صحيح مسلم من حديث حذيفة وأبي هريرة رضي الله تعالى عنهما، أخبر أن الأمانة يوم القيامة ترسل، والرحم. قال عليه الصلاة والسلام: «ترسل الأمانة والرحم، فتقومان جنبتي الصراط على جنبتي الصراط يمينًا وشمالًا، فيمر الناس على قدر أعمالهم، فمنهم من يمر كالبريق، ومنهم من يمر كالطير، ومنهم من يمر كالريح، والناس يمرون على قدر أعمالهم، والأمانة تقوم في ذلك اليوم العظيم جنبتي الصراط هي والرحم». وهذا يدل على شأنها وعلى عظمها. النبي عليه الصلاة والسلام كما في الصحيحين، حدّث هريرة رضي الله تعالى عنه، كان بين أصحابه يحدثهم عليه الصلاة والسلام، فجاء أعرابي فقال: يا رسول الله، متى الساعة؟ فمضى النبي عليه الصلاة والسلام في حديثه. فقال بعض القوم: سمع ما قال، وكره ذلك. وقال البعض الآخر: بل لم يسمع، أي النبي عليه الصلاة والسلام ما قال هذا الأعرابي. قال: حتى أكمل حديثه، ثم قال النبي عليه الصلاة والسلام: أين السائل عن الساعة؟ أين السائل عن الساعة؟ فقال الأعرابي: ها أنا يا رسول الله. قال عليه الصلاة والسلام: «إذا ضيعت الأمانة فانتظر الساعة، إذا ضيعت الأمانة فانتظر الساعة». قال: وكيف إضاعتها يا رسول الله؟ قال: «إذا وسد الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة، إذا وسد الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة». هاكذا أخبر النبي عليه الصلاة والسلام أن من علامات الساعة ضياع الأمانة، مما يدل على عظم الأمانة وشأنها في ديننا. أن ربنا جل وعلا وصف أمينه على وحيه جبريل عليه السلام بهذا الخلق العظيم وهذا الوصف العظيم: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ * ذِي قُوَّةٍ عِندَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ * مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ﴾. مطاع ثم أمين. وهكذا نبينا محمد عليه الصلاة والسلام قد تحلى بهذا الخلق العظيم، بهذه الصفة. في الصحيح يقول نبي عليه الصلاة والسلام لأصحابه: «ألا تأمنوني وأنا أمين من في السماء؟ ألا تأمنوني وأنا أمين من في السماء». شهد له بالأمانة الأعداء، فكانوا يدعونه بالصادق الأمين. وكما قيل: والحق ما شهدت به الأعداء، والحق ما شهدت به الأعداء. وهكذا ربنا عز وجل في كتابه الكريم أثنى على عباده الصالحين المتخلقين بهذا الخلق، خلق الأمانة، وبين أنهم الرجال الأكفاء والرجال الأمناء الذين يستحقون الإجارة وتولية أمور الناس وتولي أمورهم وسوق الناس إلى كل خير وبر. فهذه المرأة إحدى المرأتين تقول لأبيها كما قال جل وعلا: ﴿قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾. يا أبتي استأجره، إن خير من استأجرت القوي الأمين. خير من يستأجر وخير من يوثق به في الأعمال وفي تولي المناصب هم الأقوياء الأمناء، الأقوياء في دينهم، الأقوياء في أخلاقهم، وهكذا الأمناء على هذه الأعمال وعلى هذه الرعايات. هذا يوسف عليه الصلاة والسلام يقول للعزيز: ﴿اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾. إني حفيظ عليم. حفيظ: أي حاذب وأمين على هذه الرعايات وعلى هذه الخزائن. نعم، هؤلاء هم الذين يستحقون تولية هذه المناصب العظيمة. والنبي عليه الصلاة والسلام، بل ربنا جل وعلا في كتابه الكريم يأمر بأداء الأمانة. يقول الله جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾. ويقول النبي عليه الصلاة والسلام في الأمر بأداء الأمانة كما عند أبي داود والترمذي من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، صححه العلامة الألباني رحمه الله: «أدّ الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تخن من خانك». أدّ الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تخن من خانك. هذا يدل على عظيم الأمر بهذه الأمانة. فلذلك، عباد الله، إذا فتشنا في الأمانات التي استودعناها وأودعنا الله جل وعلا إياها، إذا نظرنا في مجتمعات أهل الإسلام، لنرى كيف هم مع أماناتهم وكيف هم مع ما استودعهم الله جل وعلا عليه، لرأينا التفريط ورأينا التضييع لهذه الأمانات. أين الأمانة في البيع والشراء، وفي المنتجات، وفي الصناعات؟ انتشر الغش والكذب والزور والتدليس وغير ذلك مما يدل على تضييع الأمانة. النبي عليه الصلاة والسلام كما في صحيح مسلم من حديث هريرة، يدخل السوق فيجد رجلًا يبيع طعامًا، كومة من طعام، فأدخل النبي عليه الصلاة والسلام يده في هذا الطعام، فأصابت يده بللًا. فقال: «ما هذا يا صاحب الطعام؟» قال: يا رسول الله، أصابته السماء، أي المطر. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «أفلا جعلته فوق الطعام ليراه الناس؟ من غشنا فليس منا، من غشنا فليس منا». اليوم: البضاعة الناضجة فوق، والخايسة أسفل. البضاعة الجيدة أعلى، والبضاعة الفاسدة أسفل، سواء كانت في كراتين أو كانت في ديش أو كانت في كذا وكذا. لماذا؟ إنها عدم الأمانة، إنه الغش في البيع والشراء. حلف كاذب، وإنفاق السلع باليمين الكاذبة. يقولون: أمانة، أمانة، وليست فيها أمانة. وإن كان يقصدون حلفًا بذلك، فالنبي سلم يقول: «ليس منا من حلف بالأمانة». لكن الشاهد: يقولون أمانة، أمانة، ولا تجد الأمانة في الطعام، ولا في الشراب، ولا كذلك في الأجهزة الإلكترونية، ولا في المنتجات، ولا في الصناعات. لماذا؟ إنه الطمع، إنه الجشع، إنه التفريط، إنه الغش وعدم الأمانة. أين الأمانة في الرعية؟ عند من والله الله جل وعلا رعية. النبي عليه الصلاة والسلام يقول: «كلكم راعٍ، وكلكم مسؤول عن رعيته، فالأمام راعٍ ومسؤول عن رعيته، والرجل راعٍ في بيته ومسؤول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها ومسؤولة عن رعيتها، والخادم راعٍ في مال سيده ومسؤول عن رعيته، ألا وكلكم راعٍ، ألا وكلكم مسؤول عن رعيته». الرعية يا عباد الله التي قال عنها النبي عليه الصلاة والسلام في حديث معقل بن يسار في الصحيح: قال عليه الصلاة والسلام: «ما من عبد يسترعيه الله رعية، يموت يوم يموت وهو غاش لرعيته، إلا لم يرح رائحة الجنة». لتفريطه في رعيته. أين اليوم الأمانة مع الرعية؟ مع الأولاد، مع البنات، مع الزوجات؟ ضاعت الأمانة في هذا الباب. هذا قد أدخل هذا الجهاز بيته، هذا الجهاز المدمر الذي فيه الفحش والرذائل والخناء، يعلم أولاده الرذيلة، يعلم أولاده الأخلاق الساقطة السافلة، يعلم بناته الفحش والخناء والتشبه بأعداء الله جل وعلا، يعلم أولاده المكر والخديعة والخيانة. هل هذه أمانة؟ هل أنت أمين يا عبد الله في هذه الرعية التي استودعك الله جل وعلا؟ تدخل لهم ما يدمرهم، يدمر أخلاقهم، يدمر مبادئهم والقيم التي دعا إليها الإسلام. وهكذا البنات، وهكذا الزوجات، وهكذا كذلك. أين الأمانة عند من يشتري لأولاده في مثل هذه الأيام، في قرب العيد، هذه الملابس؟ ملابس لا ترضي الله جل وعلا، كاسية عارية. يشتري بناته من هذه الثياب التي لا تليق بأهل الإسلام، ولا تعين على التربية، تربية الناشئة التربية الصالحة. ثياب ظاهرها لباس وحقيقتها العري، وحقيقتها التشبه. بنات صغار في سن البراءة، لا يليق أن تنظر إليها وقد لبست هذا الفستان وهذا القميص الذي قد انكشفت معه فخذاها، وظهر من مواضع من جسدها ما لا يليق. هكذا الأمانة يا أهل الإسلام مع أولادكم، مع رعاياكم. سبحان الله! إنه من تضييع الأمانات، عباد الله. أين الأمانة عند الوكلاء الذين وكلهم الناس في أمورهم؟ هذا موكل في القيام بمحلات، وآخر موكل بالقيام في أسرته، وكله في القيام بأسرته، وآخر. فمنهم الأخ، ومنهم الصديق، ومنهم القريب. لكن فرطوا وضيعوا في هذه الأمانات. ذلك يأكل مال صاحبه، وآخر لا يضع الأمانة في موضعها. بل هذا السائق الذي استأمنه ربما سيده ومن يخدم عنده، قد خان في الأمانة والعياذ بالله، وهذا من تفريط ذلك الرجل، أدخله بيته وجعله يسوق سيارته، وربما يوصل أهله، ثم إذا به يخون العياذ بالله ويضيع هذه الأمانة. فهذا من ضياع الأمانات. وهكذا كذلك: أين الأمانة في المدارس، وأين الأمانة في الكليات، وأين الأمانة في الجامعات؟ مناهج مستوردة، مناهج لا توافق تعاليم الإسلام، مناهج لا ترقى بهذه الأمة وتحصل لها أملها المنشود المفقود. إنما علم وتعليم لا يستفاد منه، وعلم وتعليم مخالف لما دعت إليه هذه الشريعة السمحة. اختلاط في الجامعات بين الشباب والشابات. أين القائمون على هذه الأمانة؟ أهكذا الأمانة يا أيها القائمون على هذه الصروح العظيمة الذين استؤمنوا لأداء هذه الرسالة العظيمة؟ أهكذا الأمانة أن يكون الشباب مع الشابات في فصل واحد، يحدث الشاب الشابة ويصادقها، ثم بعد ذلك لا تسل عن المفاسد الناجمة عن هذه الصداقات المحرمة والعياذ بالله؟ أين الأمانة على هذه الدور وعلى هذه الصروح التعليمية العظيمة؟ إنها ضياع الأمانة، ضياع الأمانة والعياذ بالله. أين الأمانة عند أهل الطب في المستشفيات، وفي الصيدليات، وفي العيادات؟ الطب رسالة عظيمة، رسالة عظيمة قبل أن تكون مهنة. صارت، صارت طب اليوم تجارة، صارت طب اليوم تجارة. طمع، جشع، أكل أموال الناس. هذا لا يدخل المرضى إلا بكذا وكذا من المال. وهكذا في المستشفيات، ربما لا يقوم الشخص بعمله إلا إذا وجد مكافأة أو حافز أو كذا وكذا لقيام بعملية مستعصية. أين الإنسانية قبل أخلاق الإسلام التي أمرنا بها؟ إنه الجشع، وإنه الطمع، وإنه ضياع الأمانة. أين الأمانات في الصيدليات؟ في الأدوية، في مراقبتها، ما هو النافع وما هو الضار، وما الذي يصلح وما الذي لا يصلح؟ أين المراقبة؟ أين الأمانات على هذه الدور؟ وعلى هذه كذلك المحلات التي تبيع الدواء لأهل الإسلام؟ ألا فاتقوا الله أيها الأطباء، واعلموا أنكم تقومون برسالة عظيمة وبأمر عظيم، حتى أن بعض أهل العلم تمنى أن يكون طبيبًا. بعض أهل العلم، مع ما عنده من العلم، فهو يتمنى أن يكون طبيبًا. هل تمنى أن يكون طبيبًا لأجل أن تكون عنده عمارة، أو لأجل أن تكون عنده سيارة، أو لأجل أن تكون عنده كذا وكذا من الأموال؟ لا، وإنما أراد الأجور العظيمة، لأن هذه المهنة وهذا العمل أجره عظيم عند الله سبحانه وتعالى لمن احتسب ذلك وعرف أمانة هذا العمل العظيم الذي يقوم به. أين الأمانة في وسائل الإعلام عند القائمين على وسائل الإعلام المسلمين؟ من وسائل مسموعة أو مرئية أو مقروءة أو صحافة. ماذا ينشر فيها؟ هل الذي ينشر فيها من أداء الأمانة؟ هل الذي ينشر فيها فيه نفع لأهل الإسلام، ينتفعون به في دينهم ودنياهم؟ إن أكثر ما يبث في هذه الوسائل للأسف الشديد: الفحشاء والخناء والرذيلة والكلام الذي لا ينفع. صحف ومجلات تشترى، وهكذا في هذه الشاشات وهذه الأجهزة، وهكذا وسائل الإعلام الأخرى. أين الأمناء؟ أين من يقوم على هذه الدور وعلى هذه الوسائل؟ نذكرهم بالأمانة التي استودعهم الله جل وعلا إياها: ماذا عملوا فيها، وماذا قاموا اتجاهها؟ أين الأمانة عند من يقوم على الطرق البرية والبحرية والمنافذ البرية والبحرية لحماية ممتلكات المسلمين ومنع دخول المدمرات وما يضر أهل الإسلام؟ أين هؤلاء من هذه الأمانة التي استودعوا إياها؟ يبيع الإنسان أمانته ويبيع دينه بدولارات. هذا يدخل المخدرات والعياذ بالله، يسمح بدخول المخدرات إلى بلاد أهل الإسلام من هذه المنافذ ومن هذه كذلك الطرق، فدمر أهل الإسلام بدخول هذه المدمرات الفتاكة. وآخر ربما أدخل الخمور، وآخر أدخل المجلات، وآخر أدخل وأدخل وأدخل. أين الأمانة عباد الله عند هؤلاء الذين يقومون بحراسة هذه المنافذ التي يحمون من خلالها ممتلكات أهل الإسلام ويمنعون دخول ما يضر أهل الإسلام؟ أين الأمانة عند من يتعرض للمستأمنين الذين دخلوا بلاد الإسلام بأمان؟ والله جل وعلا يقول بكتابه الكريم: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّىٰ يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ﴾. والنبي عليه الصلاة والسلام يقول: «قد أجرنا من أجرت يا أم هانئ، قد أجرنا من أجرت يا أم هانئ». هؤلاء مستأمنون دخلوا بلاد الإسلام بأمان، أعطوا الأمان أن لا يتعرض لأموالهم وأن لا يتعرض لأعراضهم. أين الأمانة عند هؤلاء الذين يسفكون دماء هؤلاء المستأمنين المعاهدين الذميين؟ وأين الأمانة عند هؤلاء الذين يفجرون هؤلاء بهذه العبوات الناسفة وغير ذلك؟ هل أمرنا ديننا بهذا؟ هل هذا من الأمانة؟ ليس من الأمانة. هؤلاء ما داموا ليسوا حربيين، فالله جل وعلا أمرنا أن نبر بهم وأن نقسط إليهم، فضلًا عن أن نتعرض لدمائهم أو لأموالهم أو لأعراضهم. لكنه ضياع الأمانة، عباد الله. أين الأمانة عند من يجمع أموال المسلمين من زكوات وصدقات؟ هل يضعها في مواضعها لمستحق لها، أم أن الأمور صارت على حساب حزبيات ضيقة، ونطاقات ونطاقات قبلية والعياذ بالله؟ صار توزيع الزكوات وتوزيع الأموال على حساب البطاقات: أنت معي في حزبي فأعطيك من هذه الزكاة ومن هذا المال، ولو كنت من غير المستحقين، ولو وجد غيرك من هو أولى منك، لكن أنت معي وأنت تناصرني وأنت كذلك تدافع عني. والآخر الذي ليس في حزبه وليس في جمعيته وليس في مؤسسته، لم يعطونه شيئًا لأنه ليس معهم. أهذه الأمانة؟ أكل أموال الناس بالباطل في هذه الزكوات. من هؤلاء من أخبرنا أنهم إذا جاء وقت الزكاة ووقت هذه الأموال، ذهبًا، يأخذوا أشياء ليس بحاجة إليها. هذا يشتري بيتًا وسجله عليه دينًا، وآخر اشترى السيارة وسجلها عليه دينًا، ثم تقدم وقال: أنا من الغارمين، هذه أوراق عندي كذا وكذا، مئة ألف، مئة ألف، كذا وكذا، فأنا من الغارمين، من المستحقين لهذه الزكاة. قد تقولون: أنت تبالغ، وأنت تتهم الناس، هؤلاء وقالوا وقالوا. يا عباد الله، نحن سمعناها من أشخاص عملوها بأنفسهم، عملوها بأنفسهم. ما جئنا بهذا من عند أنفسنا. هم حدثوا عن أنفسهم، ورأوا مثل هذه الأمور بأعينهم، يحدثون عنها. حين نتكلم في بعض الدروس عما يتعلق بالعاملين عليها، وأن بعض الناس نصب نفسه من العاملين عليها، وصار يأخذ. فقال: أنت مسكين، أنت في بحر، لا زلت في بحرك، هذا صار هينًا، وربما لا يستحق أن يذكر. لماذا؟ قال: الأمر أعظم وأعظم. وصل الحال إلى أن بعض هؤلاء يستدين الأموال قرب وقت مجيء هذه الأموال وهذه الزكوات، فإذا جاءت قال: أنا من الغارمين. سبحان الله! أين الأمانة؟ أين الدين؟ أنت دخلت في هذا الدين، أنت استقمت، أنت التزمت في شرع الله جل وعلا. ربما أرقت الزنا، أرقت الفواحش، أرقت المحرمات، فتؤتى من هذا الباب، فتؤتى من هذا الباب. والصدق: المسلم يقول: «إن لكل أمة فتنة، وإن فتنة أمتي المال». المال الذي أسقط كثيرًا من الجبال، وكانوا جبالًا، أسقطتهم الأموال والعياذ بالله. صاروا لا يبالون في جمعها، ولا يتورعون في أخذها. نص الله العافية والسلامة. أين الأمانة؟ عباد الله، عند من يتولى أمور المسلمين في الإمامة وفي الأذان، ويتولى أمورهم كذلك في أمورهم المهمة التي يحتاجون إليها. إذا نظرنا عباد الله وتفقدنا مثل هذه الأمانات، وجدنا أنها قد ضيعت، وقد ضيعها أصحابها. يا عباد الله، لكن ما هو الحل؟ ما هو الحل يا عباد الله؟ الحل: التوبة، والحل: الأمانة. كثير من الناس يحمل المسؤولية أشخاصًا وأفرادًا. هذا يحملها الرئيس، ويقول: السبب هو الرئيس، هو الرئيس الذي تسبب في حصول هذه الأمور التي حلت بأهل الإسلام. وآخر يحملها رئيس الوزراء، وآخر يحملها المحافظ، وآخر يحملها المأمور، وآخر يحملها عقال الحارات، وآخر وآخر وآخر. وهذه ليست الحقيقة يا عباد الله. الحقيقة، وإن كانت مرة على كثير من الناس ولا يريدون أن يتجرعوها، لكن هي الحقيقة يا عباد الله: الذنب قد اشترك فيه طوائف من أهل الإسلام. كل من ضيع في الأمانة، سواء كان أبًا في بيته، أو بايعًا في سوقه، أو عاملًا في متجره، أو هكذا قائمًا بشيء من هذه الأمانات، فهو مشارك فيما هو حاصل في أهل الإسلام من هذه الأوضاع المتردية وهذا المأزق. ولا تغير يا عباد الله إلا بتغير. لا تغير إلا بتغير: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾. أما أن نحمل الأمر على كواهل أناس من الناس، فهذه أنانية، هالي أنانية يا عباد الله. إذا كان يوسف عليه الصلاة والسلام يقول: ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾، فماذا نحن نقول يا عباد الله؟ هل نبرئ أنفسنا؟ هل نبرئ أنفسنا مما حل بأهل الإسلام، ونحمل هذا طوائف من أهل الإسلام أو أفرادًا معينين؟ نعم، عباد الله، الذين هم في مباشرة هذه الأمانات، الأمانة على كواهلهم عظيمة، وعلى عواتقهم عظيمة. الذي هو على ولاية المسلمين جميعًا، الأمانة عظيمة في حقه. وهذا من تولى المناصب، ليس كذلك البايع، وليس كذلك كذلك الصانع. الأمانة في حقهم عظيمة، فتفريطهم فيها إثمهم أعظم. تفريط أرباب الأمانات وأرباب المسؤوليات من رؤساء ووزراء ومحافظين ومأمورين ومدراء وعقال حارات وغيرهم ممن استودعهم الله جل وعلا وأمنهم الناس هذه الأمانات في دينهم ودنياهم ومصالحهم، الأمانة في حقهم عظيمة، وتقصيرهم فيها إثمهم أعظم من غيرهم، والفساد الذي يحصل من تضييعهم لهذه الأمانات أعظم وأكثر من الفساد الذي يحصل من غيرهم، ممن ضيع في هذه الأمانات. هذه حقائق تقال. لكن لا يقال: هذا بسبب أشخاص فقط، ونبرئ أنفسنا، ونقول: إنما هو من جهة هؤلاء فقط. هذا ليس من الإنصاف بشيء، وهذا ليس من الأمانة في الحكم وفي وضع الأمور في مواضعها. فلذلك يا عباد الله، علينا أن نتقي الله في أماناتنا. يا أيها الرئيس، ويا أيها المحافظ، ويا أيها الوزير، ويا أيها العامل، ويا أيها الأب في بيته، ويا أيها المرأة، ويا أيها السائق، ويا أيها غيره من أهل الإسلام: الكل مؤتمن، الكل مؤتمن ومستأمن في أداء هذه الأمانات. إذا أردنا النجاح والفلاح لأمة أهل الإسلام، على كل واحد منا أن ينظر في الأمانات التي استودعها، فيقوم بها حق القيام، ويخلص فيها إخلاصًا عظيمًا، لعل الله جل وعلا أن يجعلنا من المكنين ومن المستخلفين، وأن يرفع عنا الوباء والبلاء. اللهم، اللهم اجعلنا من الأمناء. اللهم ارزقنا الأمانة يا رب العالمين. اللهم وفق ولاة أمورنا لما تحب وترضى. اللهم أعنهم على أداء الأمانات. اللهم يسر لهم البطانة الصالحة التي تعينهم وتخوّفهم على أداء هذه الأمانات، ليصلحوا شعوبهم، ويكونوا نماذج خير وأسوة، يشهد لهم التاريخ على مر السنين والأزمان. نسألك ربنا جل وعلا، وأنت مجيب الدعاء، وعلى كل شيء قدير، وبالإجابة جدير. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. والموضوع يتعلق له تعلق بذم الخيانة، وذكر صور من الخيانة، بقي المقام بذكرها، فلعل درسنا القادم إن شاء الله يكون في ذم الخيانة، وما جاء في النصوص في ذمها، وذكر صور من الخيانة. نسأل الله جل وعلا أن يعيننا وإياكم لما يحب ويرضى. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. شكرًا.