الدرس في من حوارات القرآن والسنة 10، الدرس العاشر: ( الحوار الذي دار بين نبينا محمد عليه الصلاة والسلام وأبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه وهما في الغار ). ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يسرد المقطع نماذج من الأنبياء والصالحين كإبراهيم وموسى ויونس والنبي محمد وأبو بكر ممن تجلى فيهم اليقين بالله عند الشدائد. ويؤكد أن من توكل على الله حق التوكل كفاه الله ونجاه وفرج عنه.
يضرب المقطع المثل بسعي هاجر بين الصفا والمروة وثبات الصحابة في الأحزاب ثم ينتقد تبرير الكسب الحرام بالكذب والربا. ويدعو إلى تحقيق اليقين بوعد الله بأن من يتقيه يجعل له مخرجاً ويرزقه من حيث لا يحتسب.
يبيّن المقطع خطورة ضعف اليقين الذي يدفع الناس للسحرة والكهنة والربا والغش بحجة الرزق أو الشفاء. ويؤكد أن الشفاء والرزق بيد الله وحده مستدلاً بقصة الرجل الذي رزقه الله بدعاء زوجته الصالحة.
يكرر الداعي طلب الله أن يكفيه بحلاله عن حرامه مؤكداً قدرة الله على كل شيء. ويختتم المحاضرة بالصلاة والسلام على النبي محمد وآله وصحبه.
بسم الله والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. أما بعد: فحوار درسنا لهذا اليوم، والحوار الذي دار بين نبينا محمد عليه الصلاة والسلام وأبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنهما، وهما في الغار. قال جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةَ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾. إنها الثقة بوعد الله جل وعلا، إنه اليقين بالله جل وعلا، إنه التوكل الحق العظيم على الله سبحانه وتعالى. المشركون على باب الغار، والنبي عليه الصلاة والسلام وأبو بكر الصديق داخل الغار. يقول أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه للنبي عليه الصلاة والسلام، كما في الصحيحين: «يا رسول الله، لو نظر أحدهم إلى موضع قدميه لأبصرنا». فيجيب النبي عليه الصلاة والسلام إجابة الموقن بربه، الموقن بالله، المتوكل على الله: «يا أبا بكر، ما ظنك باثنين الله ثالثهما»؟ في القرآن: ﴿لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾. أبو بكر رضي الله تعالى عنه كان يخاف على النبي عليه الصلاة والسلام، لا يخاف على نفسه، خاف على هذا الدين، على حامل هذه الرسالة عليه الصلاة والسلام. وهكذا كما مر معنا في الصحيحين، حين أخذ ذلك الأعرابي سيف رسول الله عليه الصلاة والسلام وجعله عليه صلتة، قال: «من يمنعك مني»؟ قال النبي عليه الصلاة والسلام: «الله، الله، الله»، قالها ثلاثاً عليه الصلاة والسلام، يقيناً بوعد الله وثقة. وهذا إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام يقول كلمة عظيمة تتضمن اليقين بالله والثقة بوعد الله جل وعلا، مع ما كان عليه من شدة وكربة. قالوا: ﴿حَرِّقُوهُ وَانصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِن كُنتُمْ فَاعِلِينَ﴾. ﴿قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾. ﴿وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ﴾. ماذا قال إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام وهو في النار؟ قال: «حسبي الله ونعم الوكيل». ثقة بالله، ويقين، وتوكل، كما قال ابن عباس: قال إبراهيم وهو في النار: «حسبي الله ونعم الوكيل». وهذا موسى عليه الصلاة والسلام، يأمره ربنا عز وجل بأن يأخذ بني إسرائيل، يخرج بهم جهة البحر، فيخرج بهم عليه الصلاة والسلام، فيتبعه فرعون وجنوده. لكن الثقة بالله واليقين بوعد الله جل وعلا: ﴿فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ * قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ * فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِب بِّعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ * وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الْآخَرِينَ * وَأَنجَيْنَا مُوسَى وَمَن مَّعَهُ أَجْمَعِينَ * ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ﴾. الفرج من رب العالمين جل وعلا لمن كان عنده يقين بوعده سبحانه وتعالى، وكانت عنده ثقة بالله جل وعلا، وكان عنده توكل حق بالله سبحانه وتعالى. لن يضيع ربنا جل وعلا عبده الذي امتثل أمره، والذي استجاب لأمره سبحانه وتعالى. وهذا يونس عليه الصلاة والسلام، ثقة بوعد الله ويقين، مع تلك الشدة التي كان فيها، وهو في بطن الحوت. وهو في بطن الحوت يسبح ربه جل وعلا. إنه اليقين والثقة بوعد الله جل وعلا. ﴿وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ * إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ * فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ * فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ * فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ * لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ * فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ سَقِيمٌ * وَأَنبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِّن يَقْطِينٍ﴾. ماذا قال؟ ﴿سُبْحَانَكَ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنتَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾. اعترف وأناب، يقيناً وثقة بالله سبحانه وتعالى. ترك قومه، ذهب مغاضباً، ﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَن لَّا إِلَهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾. كان في ظلمات: ظلمة الحوت، ظلمة بطن الحوت، وظلمة البحر. شدة عظيمة. ترك قومه، فركب تلك السفينة، فهاجت بهم الأمواج، فأرادوا أن يلقوا ببعض من في السفينة في البحر حتى ينجو الآخرون، فجعلوا قرعة، فساهم، فكان من المُبْحَضِينَ. نزلت القرعة على نبي الله يونس عليه الصلاة والسلام. ذكروا أنها ثلاث مرات، كما في خبر بني إسرائيل. فألقي بيونس عليه الصلاة والسلام، فأرسل الله جل وعلا حوتاً عظيماً، ابتلع يونس عليه الصلاة والسلام ابتلاعاً لا أذى معه ولا ضرر، فلم يكسر له عظماً، ولم يهشم له لحماً، ابتلعه ابتلاعاً. لكن اليقين بوعد الله، والثقة بالله، والتوكل: ﴿سُبْحَانَكَ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنتَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾. ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾. وهكذا، كذلك ذكر ربنا جل وعلا بعد الصالحين في كتابه، وكيف كانت ثقتهم بربهم جل وعلا، ويقينهم بوعده سبحانه وتعالى. فهذه أم موسى، هذه المرأة تؤمر بأن تلقي بابنها، فلذة كبدها، في البحر. لكنه اليقين بالله والثقة بوعد الله. فعلت ذلك استجابة لأمر الله جل وعلا. ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾. ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَغْدِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَأَغْدِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِّي وَعَدُوٌّ لَّهُ﴾. يقين بالله وبوعد الله، وثقة عظيمة، لأن الله جل وعلا لا يضيعها، ولا يضيع ابنها. بل كما بشرها بهاتين البشارتين العظيمتين: أنه سيردها إليها، ويجعله من المرسلين. وكان كما ذكر ربنا عز وجل، فوعده حق، ووعده الصدق. ﴿فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾. وهذه أم إسماعيل رضي الله تعالى عنها. إبراهيم أمر أن يترك ذريته بوادٍ غير ذي زرع، عند البيت. فاستجاب إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام لأمر ربه، فأخذ زوجته أم إسماعيل وابنه، ووضعهما في ذلك الوادي الذي لا إنس فيه، ولا شيء، ولا زرع. ترك عند زوجته وابنه جراباً فيه تمر، وسقاء فيه ماء، ثم انصرف عليه الصلاة والسلام. فتبعته أم إسماعيل، فقالت له: «يا إبراهيم، لمن تتركنا في هذا المكان»؟ كما جاء في البخاري عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: «لمن تتركنا في هذا المكان الذي لا إنس فيه ولا شيء»؟ فكان لا يجيبها، ولا يلتفت إليها، حتى كررت مراراً: «يا إبراهيم، لمن تتركنا في هذا المكان الذي لا إنس فيه ولا شيء»؟ وهو لا يلتفت ولا يجيب، حتى قالت له: «آلله أمرك بهذا»؟ قال: «نعم». قالت: «إذن لن يضيعنا». ثقة بوعد الله، مادام أمر بهذا، فإنه لن يضيع عبده المستجيب له، الممتثل لأمره. فذهب إبراهيم حتى كان عند الثنية، قابِلَ البيت، ودعا ربه جل وعلا: ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ﴾. وانطلق إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام. صارت أم إسماعيل ترضع ولدها، وتأكل من ذلك التمر، وتشرب من ذلك الماء، حتى نفد. فعطشت، وعطش ولدها، عطشاً عظيماً. فنظرت، فإذا الصفا أقرب جبل لها، فصعدت الصفا، ونظرت في الوادي، لعلها تجد شيئاً أو تجد أحداً، ولا أحد. نزلت مسرعة، وعليها الجهد، حتى جاءت المروة، ونظرت، ولم تجد أحداً، ولم تجد شيئاً. هكذا فعلت سبع مرات. وهذا هو سعي الناس اليوم بين الصفا والمروة، كما أخبر عبد الله بن عباس، أخبر الله عنهما، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم. إنه سعي تلك المرأة الصالحة، الموقنة بربها جل وعلا، التي بلغت ثقتها بالله جل وعلا مبلغاً عظيماً. صار سنة إلى يوم القيامة. يفعل الصفا، السعي بين الصفا والمروة، من شعائر، من الشعائر العظيمة عند أهل الإسلام في العمرة والحج. ثم سمعت صوتاً، فقالت: «صَهْ» تعني نفسها، ثم قالت: «قد أسمعت، فهل عندك من غياث»؟ فرأت ملكاً، فحفر ذلك الملك بعقبه -وبجناحه في رواية- الأرض، فنبع الماء، ماء زمزم، الذي جعله الله جل وعلا طعام طعم، وشفاء سقم، لكثير من الأمراض، بل لأي مرض يستخدم علاجاً. هذا من ثمار يقين، يقين تلك المرأة بربها جل وعلا، ومن ثمار ثقة تلك المرأة بربها سبحانه وتعالى، واستجابتها لأمر الله جل وعلا. حتى أنها كانت تحوض الماء، كان ينبع، تحوضه وتغرف، حتى قال النبي عليه الصلاة والسلام: «رحم الله أم إسماعيل، لو لم تحوضه ولم تغرف منه، لكان زمزم ماء معينا». فهكذا كان يقين هذه المرأة بالله، وثقتها، وثقتها بالله سبحانه وتعالى. ما ضيعها الله جل وعلا، ولم يضيع ابنها، بل صارت تلك البلاد بلاد الأمن، وبلاد الخيرات، وبلاد البركات، يهوي الناس من شرق البلاد وغربها إلى هذه البلاد. ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ * لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾. هكذا عباد الله، الثقة واليقين. هؤلاء أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام، يقينهم عظيم بالله جل وعلا، وثقتهم بالله سبحانه وتعالى عظيمة، وتوكلهم على الله جل وعلا عظيم. لما خرجوا للجهاد في سبيل الله، خوفهم الناس بكثرة عدد المشركين، وكثرة عتادهم وسلاحهم. لكنه اليقين بالله، والثقة بوعد الله سبحانه وتعالى، ونصره. لم يؤثر عليهم ذلك الكلام، ولا تلك التهويلات، ولا ذلك الكلام المضخم، ولا ذلك الخوف الذي خوفوهم به، لأنهم على يقين بالله جل وعلا أنه سينصرهم، وأن الأمر إنما هو بقضاء الله جل وعلا وقدره. ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ * فَانقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ﴾. ما رجعوا، وما تقاعسوا، وما تخلفوا، لأنهم على يقين بالله، وثقة بالله سبحانه وتعالى. وهكذا قال ربنا جل وعلا عنهم: ﴿وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا﴾. تحزب عليهم الناس، أحزاباً وجماعات، لكنه اليقين بالله، والثقة بوعد الله سبحانه وتعالى. ما زادهم ذلك إلا إيماناً وتسليماً لأمر الله، وتصديقاً بوعده سبحانه وتعالى، وثقة كذلك به سبحانه وتعالى. هكذا كان أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام، وهكذا كان الصالحون. فإن نحن يا عباد الله، من اليقين بوعد الله، وإن نحن أيها المسلمون، من الثقة بوعد الله سبحانه وتعالى. تأتي للشخص، تقول له: «يا فلان، اتق الله، تكذب في بيعك وشرائك». قال: «إذا لم أكذب، لن أستطيع نعيش». سبحان الله! إذا لم أكذب، لا أستطيع نعيش، لا أستطيع أعمل إلا بالكذب، لا أستطيع أن أتجر إلا بالغش، بالرشاوي، بالحيل، بالمكر. ما أستطيع. أحد يقول: «أن يعيش اليوم إلا إذا كذب». لا، أبداً. تكذب على مديرك، على مسؤولك، على المشتري. ما في عيش إلا بالكذب. إذا تريد أن تعيش، فاكذب. إذا لم تكذب، فلن تعيش. هل هذا يقين بوعد الله؟ أين الثقة بقول الله جل وعلا: ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾؟ أين اليقين والثقة بقول الله جل وعلا: ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا﴾؟ أين اليقين بهذه النصوص؟ من قال هذا الكلام؟ فلان بن فلان، الملك الفلاني؟ أبداً. قال ذلك رب العالمين جل وعلا. ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا﴾. ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا﴾. أين اليقين، عباد الله؟ تأتي لآخر، تقول له: «يا فلان، اتق الله، تعمل في الربا، الربا حرام، كيف تتعامل بالربا، وكيف تعمل بالربا»؟ يقول: «ما استطيع نعيش إلا بالربا». تأتي لأصحاب الذهب، الذين يشتغلون في الذهب، تقول: «يا أيها الناس، اتقوا الله، كيف تعملون بالذهب»؟ لا، أبداً، تعاملوا بالطرق الشرعية. قالوا: «ما نستطيع أن نعمل في الذهب إلا بالربا». من أراد أن يعمل بالذهب، فلا، أبداً، يتعامل بالربا، وإلا فلا يعمل في الربا. سبحان الله! ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾. ما في عمل في الذهب إلا عن طريق الربا، إلا عن طريق الحرام. ما سوا يعمل في الذهب إلا بالربا، إلا بالحرام. أين اليقين بقول النبي عليه الصلاة والسلام: «من روح القدس نَفَثَ في رُوعِي أَنَّ نَفْسًا لَنْ تَمُوتَ حَتَّى تَسْتَكْمِلَ رِزْقَهَا وَأَجَلَهَا، فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَجْمِلُوا فِي الطَّلَبِ، وَاعْلَمُوا أَنَّ مَا عِنْدَ اللَّهِ لَا يُنَالُ بِالْحَرَامِ»؟ ما عند الله من خير ورزق لا ينال بالحرام. فكيف أنت تجعل الرزق لا ينال إلا بالحرام؟ تعكس قول النبي عليه الصلاة والسلام. الرسول عليه الصلاة والسلام يقول: «ما عند الله لا ينال بالحرام»، وأنت تقول: «رزق الله لا ينال إلا بالحرام». سبحان الله! آخر يفعل ويفعل، يبيع المحرمات في دكان، عنده من الطيبات، يبيع الأرز، يبيع التمر، يبيع الملح، يبيع كذا وكذا، لكن يبيع الدخان، يبيع ربما الأجهزة الهدامة، الدشوش، والآلات المعينة للدشوش، وغيرها من هذه الآلات الفاسدة. تقول: «يا فلان، الحمد لله، نعم الله جل وعلا عليك بهذه الطيبات في بيعك وشرائك، ماذا تريد بهذا»؟ قال: «هذه لابد، لابد من وجود هذه، ما يأتيني الناس إذا كان فقط عندي فقط الأرز وكذا وكذا، لكن لابد من الدخان في بقالتي وفي دكاني، ولا بد من هذه الأجهزة. إذا كان يبيع الأجهزة، من أجهزة مباحة، لا، أدخل هذه الأجهزة، لابد أن تكمل المعرض، ولا بد أن تكمل الدكان من كل نوع، لا بد أن تماشي الناس، ولو بالحرام. إذا لم تماشي الناس، ما تستطيع أن تمشي في تجارتك، ما تستطيع أن تواصل في عملك». هل هذا هو اليقين بوعد الله؟ هل هذه الثقة بالله سبحانه وتعالى؟ آخر يذهب إلى الكهنة والمشعوذين والمنجمين، يريد الشفاء لابنه، يريد الشفاء لابنه. «يا فلان، اتق الله، أنه من أتى كاهناً أو عرافاً فصدقه بما يقول، فقد كفر بما أنزل على محمد، فسأله لن تقبل له صلاة أربعين ليلة». يقول: «لا بد أن أذهب، ما سيشفى الولد إلا إذا ذهبت عند هؤلاء». هل الشفاء عند هؤلاء؟ من الذي يشفي؟ ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾. أين اليقين بقول الله جل وعلا: ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾؟ تذهب إلى هؤلاء؟ لماذا لا تتعالج بالقرآن؟ ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ﴾. أين اليقين بأن القرآن شفاء، بأن القرآن جعله الله جل وعلا شفاء؟ تذهب إلى الكهنة، إلى المشعوذين، إلى هؤلاء السحرة، لأجل تحصيل الشفاء. هذا هو يقينك بالله؟ هذه ثقتك بالله سبحانه وتعالى، التي تعلمتها من كتاب الله، ومن سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام؟ الشفاء من عند الله جل وعلا. «اللهم رب الناس، أذهب الباس، اشف أنت الشافي، لا شفاء إلا شفاؤك، شفاء لا يغادر سقماً». هكذا كان النبي عليه الصلاة والسلام يقول ويخبر. آخر يذهب إلى الكهنة وإلى السحرة، ليعملوا له الصروف. لماذا؟ قال: «لا يأتي الصيد إلا بالصروف. إذا ما ذهبت إلى الساحر وإلى الكاهن، وأعطاني صرفاً، وذهبت إلى البحر لأصيد، ما يأتي الصيد، لا يأتي الثمد، ولا يأتي الشرو، ولا يأتي ما يأتي فلان وفلان، يأتيه الصيد، ما شاء الله، يخرج معبأ، أنا ما يأتي الصيد». هذا يذهب عند الساحر، يأتيه الصرف، فيتأتى يأتي الصيد إليه. «وإذا لم أستخدم هذه الصروف، ما سأستطيع نعيش، ما سأجد رزقاً». سبحان الله! وأين ثقتك بالله؟ وأين يقينك بالله جل وعلا؟ ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا﴾. الرزق ما يأتي إلا بالكفر بالله، إلا بهذا الصرف، الذي فيه كفر بالله جل وعلا، وسب لدين الله، والسحرة والسحرة، إلى آخر ذلك من هذه الأمور الكفرية، التي يعملها هؤلاء السحرة. لأجل ماذا؟ لأجل كذا وكذا من الحوت من البحر، أو الصيد من البحر. تكفر بالله جل وعلا، وتعين هذا الساحر الكافر. هذا من ضعف اليقين، والثقة بوعد الله جل وعلا. وكلهم، ماذا يريدون؟ لماذا يفعلون هذا؟ كما سمعتم: هذا يقول: «ما أستطيع نعيش»، هذا يقول: «ما يمكن أن يأتي الرزق». وهذا سبحان الله، من الذي أتى بالرزق إلى مريم، وهي امرأة طفلة؟ كلما دخل عليها زكريا المحراب، وجد عندها رزقاً. قال: ﴿يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾. من الذي فجر تحتها، من تحتها نهراً؟ ﴿لَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا * وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا﴾. من الذي أتى بهذا الرزق؟ السحرة، الكهنة، المشعوذون؟ رب العالمين جل وعلا. ومن الذي فجر زمزم لأم إسماعيل، حتى صارت عيناً معينة؟ لو لم تغترف، لكانت عيناً معينة. في الصحيح، عند الطبراني، والبزار، والبيهقي في الدلائل، وأحمد في المسند، من حديث أبي هريرة، وصححه العلامة الألباني، والعلامة الوادعي في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين. ذكر النبي عليه الصلاة والسلام قصة عظيمة، فيها بيان أن الرزق من عند الله، ولا يضيع الله جل وعلا عباده. جاء رجل إلى بيته، فدخل على امرأته، فلم يجد في بيتها شيئاً. نظر إلى أهله، وهم على حال من الجوع وشدة، حتى أنه ما استطاع أن يجلس في البيت لشدة حاجة أهله، ما استطاع أن ينظر إليهم. خرج من بيته. خرج إلى أين؟ يسرق؟ يخرج إلى أين يغش؟ يكذب؟ يذهب إلى ساحر؟ إلى كاهن؟ يقول: «ما في البيت رزق، أهلي سيموتون جوعاً». أبداً. ذهب يبحث الرزق، لعله يجد شيئاً. فخرج، لم يجد شيئاً. رجع إلى البيت. رجع إلى البيت، وهو يعلم حالة أهله في بيته، وقد تركهم، لأن النظر لا يستطيع أن ينظر إليهم، شدة الفاقة التي كانت بهم. فرجع إلى أهله. فلما خرج هذا الرجل، دعت المرأة، هذه الصالحة، ربها جل وعلا، قالت: «اللهم أرزقنا عجيناً نأكل منه، نعتجن وخبزاً». دعت ربها جل وعلا. قال النبي عليه الصلاة والسلام: «فدارت الرحى عندهم، رحى تطحن الطعام». وانظروا، حتى في العهد السابق، كانت عندهم وسائل، وسائل طحن وغير ذلك. فدارت هذه الرحى تطحن الطعام، وتطحن الحب، والتنور مليء بالشواء، وقدت النار فيه، فإذا هو قد انتلى بالشواء. سبحان الله! فرجع هذا الرجل إلى بيته، فإذا بالتنور قد ملئ بالشواء، وهذه الرحى تطحن الحب. فقال: «هل عندكم الرزق»؟ قالت: «نعم، رزق الله، رزق الله». فصارت هذا الرجل يأخذ هذا الحب، وهذا الطحين، عند هذه الرحى، وأخذ هذه الرحى. قال النبي عليه الصلاة والسلام: «لو تركها لطحنت إلى يوم القيامة، لو تركها لطحنت إلى يوم القيامة». سبحان الله! من الذي رزق هذا الرجل وهذه المرأة على الحالة؟ هل حالتك أنت يا عبد الله اليوم، صارت مثل حالة هؤلاء؟ هل دخلت بيتك يوماً، ولم تجد به طعاماً ولا شراباً، وقد وجدت أهلك قد شارفوا على الهلاك، حتى أنك صرت لا تستطيع أن تنظر إليهم لشدة الفاقة التي بهم، فخرجت تسرق، وتفعل، وتفعل؟ فلما قيل لك: «لماذا فعلت هذا»؟ قلت: «تركت أهلي، سيموتون إذا لم أسرق»؟ لا. هؤلاء الذين يسرقون، وهؤلاء الذين يكذبون، وهؤلاء الذين يغشون، وهؤلاء الذين يتعاملون بالربا، ويفعلون، ويفعلون، ويفعلون، بحجة: «تحصل الرزق». عندهم الطعام في البيوت، وعندهم الرزق، بل وعندهم الأثاث، وعندهم، وعندهم، وعندهم. لكن ما الذي ليس عندهم؟ الذي ليس عندهم: اليقين والثقة بوعد الله سبحانه وتعالى. أولئك، حقاً، ليس عندهم هذه الأمور، لكن عندهم اليقين والثقة بوعد الله سبحانه وتعالى. فلذلك، عباد الله، علينا أن نتقي الله جل وعلا، وأن نوقن بوعد الله، وأن نثق بوعد الله جل وعلا. لا يغرنا الشيطان بمثل هذه الأقاويل: «ما تستطيع أن تعيش إلا أن تماشي الناس، ما تستطيع أن ترزق إلا بالحرام، إلا بالكذب، إلا باللف والدوران، وإلا، وإلا، وإلا». كله كلام باطل، من وحي الشيطان. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا من الموقنين به جل وعلا، وأن يقوي اليقين في قلوبنا. اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك، اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك، اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك، إنك على كل شيء قدير، بالجواب الجدير. صلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.