الدرس في كتاب التفسير من صحيح البخاري 305، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يروي المقطع كيف لجأ عبد الرحمن بن زيد بن أسلم إلى الصلاة طلباً للرزق، فاستجاب الله له عبر تاجر تمر أعطاه ثلاثين ألف درهم له ولأبيه ولأبي حازم ومحمد بن المنكدر. تُظهر القصة بركة الدعاء والكرم الإلهي في تيسير الأرزاق.
يسرد المقطع قصة تواضع وتكافل بين علماء السلف كمحمد بن المنكدر وأبي حازم في تقاسم المال تبرعاً وإيثاراً. ثم يبين حديث النبي صلى الله عليه وسلم عن الحمر أن لا زكاة فيها خاصة، لكن من استعمل أي مباح في الخير أُجر، ومن استعمله في الشر وزر، ويُطبق ذلك على وسائل الإعلام الحديثة ك الإذاعة.
يحذر المقطع من أن من ينشر الشر أو الكذب عبر وسائل التواصل يتحمل وزره ووزر من عمل به إلى يوم القيامة. بينما من ينشر خيراً كآية أو حديث أو فائدة علمية يحصل على أجره وأجر من نشره وعمل به، لذا على المسلم أن يتقي الله ولا ينشر إلا ما ينفع.
المتحدث ينهي حديثه مكتفياً بما ذكر، مستعيناً بالله، ويوجه الشكر للحضور. بذلك تُختتم المحاضرة بدعاء بالتوفيق والقبول.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. قال الإمام البخاري رحمه الله: «باب: من يعمل مثقال ذرة خيراً يرى». وقال: «ومن يعمل مثقال ذرة شراً يرى». حدثنا يحيى بن سليمان، وهو البخاري، وهو المصري. قال: حدثني ابن وهب، وهو عبد الله بن وهب، كان يسمى بديوان العلم، وهو مصري، نقل مذهب مالك إلى مصر، وكان حافظاً من حفاظ الحديث. قال: أخبرني مالك عن زيد بن أسلم. مالك هو أبو عبد الله مالك بن أنس، إمام دار الهجرة. قال: عن أبي صَالح عن زيد بن أسلم. وزيد من فقهاء المدينة، وأسلم هو مولى عمر. عن أبيه أسلم مولى عمر، وقال: إنه من أرمينيا. وكان زيد من الفقهاء الزهاد، وأكثر ما كان يجالسه الفقهاء، كمحمد بن عجلان، أقصد محمد بن المنكدر، وكذلك حميد الطويل، أو أقصد حميد الأعرج، وغيرهم من فقهاء المدينة. فكانوا يجلسون، حتى قال زيد: كنا نجلس... أو قال: أقصد أبو سلمة، أو سلمة بن دينار. سلمة بن دينار قال: كنا نجلس إلى زيد بن أسلم أربعين فقيهاً، لا يرى أحدنا أن له حقاً فيما يكون معه، أو كما قال رحمه الله. فيقول أبو سلمة، أو سلمة بن دينار، الذي يروي عن سهل بن سعد دائماً، هو يُكنى بأبي حازم. أبو حازم سلمة بن دينار المدني، كان من فقهاء المدينة. قال: كنا نجلس عند زيد بن أسلم، فكان لا يكون لأحدنا حق فيما يكون معه، عن أنه كان كل واحد يواسي الآخر، كل واحد يواسي الآخر. وذكرنا تلك القصة التي ذكرها عبد الرحمن بن أسلم، عبد الرحمن بن زيد بن أسلم رحمه الله، وأنه مرة أصابهم جوع فلم يأكلوا ثلاثة أيام. فقال: فقلت... قال عبد الرحمن بن زيد: فقلت لأمي: لما لا تكلمي أبي على ذلك؟ وكلمته، فصلى ركعتين، فصلى ركعتين ثم سلم. فقالت أم عبد الرحمن: قالت: يا عبد الرحمن، أخرج، فهذا دأب أبيك. أنا إذا أراد أن يطلب من الله شيئاً من الرزق وغيره يصلي ركعتين. فقال: فخرج. قال: فخرجت، فأول ما خرجت فإذا صاحبنا رجل تمار يبيع التمر، فقال: يا عبد الرحمن، تعال معين، وزع هذا التمر على أهل المدينة. قال: فوزعت معه هذا التمر على أهل المدينة. قال: ثم أعطاني تمراً، وقال: هذا لكم. ثم قال: تعال، فجئت معه، فأعطاني كيساً فيه ثلاثون ألف درهم، وأعطاني كيساً آخر لأبي حازم فيه ثلاثون ألف درهم، وأعطاني كيساً ثالثاً لمحمد بن المنكدر فيه ثلاثون ألف درهم. قال: فأخذت هذه الأكياس ووزعتها، ثم أعطيت أبي... فقال: فأعطيت محمد بن المنكدر، قال: يا عبد الرحمن، يقول لعبد الرحمن: لو تنتظر لحظة فأعدها، فأخرج عشرة من الثلاثين، وقال: هذه أعطيها أباك. وأخرج عشرة أيضاً ثانية، وقال: هذه أعطيها لأبي حازم. قال: فقلت له: إن الرجل قد أعطى لأبي وأعطى لأبي حازم. قال: ثم ذهبت لأبي حازم وأعطيته الكيس، قال: فانتظر، فأخرج عشرة، وقال: هذه أعطيها لأبي. وأخرج أيضاً عشرة، وقال: أعطيها لمحمد بن المنكدر. فقال له عبد الرحمن: قد أعطاهم الرجل مثل ما أعطاك. قال: ثم أتيت إلى أبي وأعطيته الثلاثين درهماً، فقال: يا عبد الرحمن، انتظر، فأخرج عشرة لزيد أو لأبي حازم، وعشرة لمحمد بن المنكدر. قال: فقلت: يا أبي، قد أعطاهما الرجل مثل ما أعطاك. فانظر كيف يواسي بعضهم بعضاً، يعني ما عندهم شيء، وما عندهم طعام، وكان حرصهم أنهم يتقاسمون هذا المال. عن زيد بن أسلم، عن نبي صالح السمان، ذكوان، عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، أنه سئل النبي عليه الصلاة والسلام عن الحمر: هل فيها زكاة، أو هل فيها أجر؟ فقال: «لم ينزل علي فيها شيء إلا هذه الآية الجامعة الفاذة: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾». ومعنى ذلك ما تقدم: أن هذه الحمر لم ينزل فيها شيء، لأنها ليست غالباً تستعمل في الحرب، وتستعمل في الجهات. أما الخيل فهي تستعمل في الجهات، فممكن أن الإنسان يوقفها في سبيل الله. لكن الحمر غالباً لا تستعمل، لكن أحياناً يحتاج لها في نقل ماء، أو نقل بعض الأشياء. وأيضاً كذلك ممكن أن الإنسان يعمل بها الخير، فينقل بها مثلاً أشياء للناس، أو أشياء لناس عجزة، أو نساء، أو غيرها من هذه الأمور التي يكون فيها الخير. فأراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يبين أنه من عمل خيراً بكل شيء، من مركوبات، من ملبوسات، من أيضاً كذلك شيء من ما يسمع، أو من غيره، فإن استعمله في الخير ونشر به الخير، يؤجر على ذلك. ومن نشر به الشر يأثم. مثل عندك الآن هذه الإذاعات، الراديو، وكذا. فمن نشر فيها الخير والمحاضرات والقرآن، بثه عند الناس، فإنه لا شك أنه يؤجر بذلك. وأما من استعمل هذه الإذاعات في نشر الأغاني، ونشر الأشياء، ونشر الرذائل، ونشر الأفكار الهدامة، والأفكار أيضاً الخبيثة، وأيضاً الأفكار التي تكون ضد الإسلام، فإنه لا شك أنه يوزر، ويتحمل وزر من قرأ ذلك، أو من سمع ذلك من الناس، كما قال الله عز وجل: ﴿لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُم بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾. ليس فقط وزره، وزره يأخذه كاملاً ويتحمله كاملاً، بل يوضع فيه وزر من أضله، يوضع فيه وزر من أضله كذلك. وكما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «من دل على خير فله أجره وأجر من عمل به إلى يوم القيامة، لا ينقص من أجورهم شيئاً. ومن دل على شر، أو على وزر، كان له وزره...» أو: «من دل على شر فله، أو فعليه وزره، ووزر من عمل به، لا ينقص من أوزارهم شيئاً». بل أوزارهم كاملة، ويحط فوقهم أيضاً أوزار هؤلاء الذين عملوا بهذا الشر، أو نشروه مرة أخرى. فالذي ينشر الشر، فإن الأول يتحصل على وزر كل من نشره. لهذا، مثل هذه الآن الجوالات، لا ينبغي للإنسان إلا أن ينشر فيها خيراً. أحياناً قد يقول الإنسان: أنا وحدي هنا، ولا أحد يراني، ومع أن الله عز وجل يراه، فتجده ينشر أشياء قد تضر، بل قد يكون من الرذائل والخبائل، فيظن أنه بهذا سلم، أو أنه أراد أن يغرّ ناس بمثل هذا المنشور. فتجد أن هذا المنشور ينتشر، وكلما انتشر كلما زاد في وزره. كلما انتشر زاد في وزره. لهذا، ذاك الرجل الذي رآه النبي صلى الله عليه وسلم، الذي رآه أنه شرشر شدقيه حتى يرجع إلى القفاء، فهذا وعينه وفمه. فهذا الرجل يكذب الكذبة فتبلغ الآفاق. وهذا الآن موجود، هذا الآن موجود بكثرة. الرجل يخرج رسالة صغيرة في هذا الواتس أو كذا، فيخرج هذه الرسالة وهي كذب، فتنتشر في الآفاق، تنتشر إلى من يكون مثلاً في دول بعيدة، في دول أوروبا، أو في دول أمريكا، أو في دول أستراليا، أو غيرها، كلهم يصلهم هذا الكذب. فلا شك أن هذا كذب بلغت الآفاق. فلينتبه المسلم لمثل هذه الأمور، فإنه لا ينشر إلا خيراً. الآن أنت إذا نشرت الخير، نشرت فائدة، حديث، آية، من كلام أهل العلم، فائدة من كلام أهل العلم مما يستنبط من الأدلة، أو مسألة فقهية، أو مسألة اعتقادية، فتجد أن لك الأجر أولاً بنشر هذه الفائدة، وكل من نشرها يرجع الأجر لك. أنت ستتحصل على أجور عظيمة، تحصل على أجور عظيمة. فما بالك مثلاً لو أن الرجل ينشر فوائد دائماً؟ فكل يوم سيتحصل على هذه الأجور العظيمة، فتكون له حسنات كثيرة. بخلاف الذي ينشر الشر في مثل هذه ما يسمونها بوسائل التواصل. فهذا كما قلنا: فأي عمل يعمله المسلم يجد جزاء، إن خيراً فخير، وإن شراً فشر. وكما قال الله عز وجل في الحديث القدسي: «إنما هي أعمالكم، أحصيها لكم، ثم أوفيكم إياكم. فمن وجد خيراً فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه». فأكتفي بهذا، والله تعالى أعلم. شكراً لكم، شكراً لكم.