كتاب التفسير من صحيح البخاري 65

كتاب التفسير من صحيح البخاري 65

الدرس في كتاب التفسير من صحيح البخاري 65، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

صفة الحشر يوم القيامة: حفاة عراة غرلا

يشرح المقطع حديث ابن عباس في صفة الحشر حيث يُبعث الناس حفاة عراة غرلا كما بدأ الله الخلق الأول، مستدلاً بقوله تعالى: «كما بدأنا أول خلق نعيده». ويوضح النبي ﷺ أن شدة هول الموقف تُنسي الناس النظر إلى بعضهم البعض.

أحوال الناس وأول من يكسى وموقع الحوض من الصراط

يصف المقطع حال الناس يوم القيامة حيث تشخص الأبصار وتكون الأفئدة هواءً من شدة الخوف، فينشغل كل إنسان بنفسه. ويذكر أن أول من يكسى هو إبراهيم عليه السلام، ويستعرض خلاف العلماء في موقع الحوض بالنسبة للصراط استناداً لحديث الرجال يؤخذ بهم ذات الشمال.

الصراط والحوض وفتنة الردة ودور أبي بكر الصديق

يتناول المقطع حال المنافقين على الصراط حيث ينطفئ نورهم، وطرد المبدلين والمرتدين من حوض النبي ﷺ مع استشهاده بعيسى عليه السلام. ثم ينتقل لذكر الردة العامة بعد وفاة النبي ﷺ، ومقارنة موقف أبي بكر الصديق في إخمادها بموقف الإمام أحمد في محنة خلق القرآن.

ثبات الإمام أحمد بن حنبل في محنة خلق القرآن

يسلط المقطع الضوء على محنة خلق القرآن حيث أجاب أكثر أصحاب الإمام أحمد كعلي بن المديني وغيرهم للمحنة، بينما وقف الإمام أحمد ثابتاً وجاهد وناظر حتى أبان الله الحق على يديه.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، ومن والاه من بعد. قال الإمام البخاري رحمه الله تعالى: «باب: كما بدأنا أول خلق نعيده، وعداً علينا إنا كنا فاعلين». قال رحمه الله: حدثنا سليمان بن حرب، وهو الأزدي الواسطي البصري، قال: حدثنا شعبة، عن الحجاج، عن المنهال بن عمرو، عن المغيرة بن النعمان، شيخ من النخع، أنا من قبيلة النخع، وكانوا بالكوفة، ومنهم أصحاب عبد الله: المسعود، والأسود، وعلقمة، وعبد الرحمن بن الأسود، وعبد الرحمن بن يزيد، هؤلاء كلهم من النخع، وكذلك بعدهم إبراهيم بن يزيد النخعي. قال: عن سعيد بن جبير، هو أبو محمد الكوفي، يرحمه الله، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: خطب النبي عليه الصلاة والسلام فقال: «إنكم محشورون إلى الله حفاةً عراةً غرلاً، كما بدأنا أول خلق نعيده، وعداً علينا إنا كنا فاعلين». قال: «ثم إن أول من يكسى يوم القيامة إبراهيم، ثم يجاء برجال من أمتي فيؤخذ بهم ذات الشمال، فأقول: يا ربي أصحابي، فيقال: لا تدري ما أحدثوا بعدك، فأقول: كما قال العبد الصالح، وكنت عليهم شهيداً ما دمت فيهم، فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم، وأنت على كل شيء شهيد، فيقال: إن هؤلاء لم يزالوا مرتدين على أعقابهم منذ فارقتهم». فهذا الحديث ذكره هنا المؤلف عند قول الله جل وعلا: ﴿كما بدأنا أول خلق نعيده وعداً علينا إنا كنا فاعلين﴾. ذكر هذا الحديث عن ابن عباس، وفي الباب أيضاً حديث عائشة رضي الله عنها بنحو حديث ابن عباس. فقال ابن عباس: حتى والنبي عليه الصلاة والسلام فقال: «إنكم محشورون إلى الله عفاةً» أي: بدون نعل، «عراةً» أي: بدون ثياب، «غرلاً» أي: غير مختونين، ﴿كما بدأنا أول خلق نعيده﴾. أنا الله عز وجل يحشر العباد مثل ما خلقهم؛ الطفل يخرج من بطن أمه بدون ثياب، بدون نعل أيضاً، غير مختون، فكذلك أيضاً يحشرون يوم القيامة، يحشرهم الله عز وجل حفاةً عراةً غرلاً، مثل ما بدأهم الله عز وجل. وهذا الحشر العظيم إنما يحشرون إلى الله سبحانه وتعالى. في حديث عائشة قالت: «الرجال والنساء ينظر بعضهم إلى بعض»، لأنها قالت: «عراةً»، فكيف؟ قالت عائشة رضي الله عنها تلك المرأة العفيفة الطاهرة: «كيف ينظر الرجال والنساء؟» فقال رسول الله: «إن الأمر أشد من أن يهمهم ذلك». إن الأمر أشد من أن يهمهم ذلك، لا ينظرون إلى مثل هذه الأشياء لأنهم يشهدون شيئاً أعظم، لأن الناس في ذلك المكان في ذلك الوقت كل واحد ينظر إلى نفسه: أين سيكون؟ هل هو سيكون من أهل الجنة من السعداء، أم أنه سيكون من أهل النار الأشقياء؟ فيفكر ماذا سيفعل به، ولهذا عقله ليس في قلبه لهذا. قال الله عز وجل في حشر الظالمين: ﴿ولا تحسبن الله غافلاً عما يعمل الظالمون إنما يؤخرهم ليوم تشخص فيه الأبصار﴾. «تشخص» معناه: تفتح فلا تغمر، ﴿مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لَا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ﴾. وأفئدتهم هواء على قلوبهم، وما يدرون ماذا يفعل بهم، وأفئدتهم هواء. فلهذا فهم لا يستطيعون أن ينظر بعضهم إلى بعض، وأنهم مشغولون، وأفئدتهم وقلوبهم تنظر ماذا يفعل بها. فقال النبي عليه الصلاة والسلام بعد ذلك: «وإن أول من يكسى يوم القيامة إبراهيم»، نبي الله، خليل الله، هو أول من يكسى، يكسوه الله عز وجل، هو هذا النبي الكريم، لأنه إمام التوحيد، وأعظم ما يكسى الشخص ويلبسه الشخص هو لباس العقيدة الصحيح، كما قال الله عز وجل: ﴿وتزودوا فإن خير الزاد التقوى﴾. قال جل وعلا: ﴿يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباساً يواري سوآتكم وريشاً ولباس التقوى ذلك خير﴾. وأعظم التقوى: أن يتقي الله، أن يتقي عقيدته ربه جل وعلا، فيوحده ولا يشرك به شيئاً، لا يشرك به شيئاً، ويوحد الله عز وجل، هذا أعظم التقوى. فلهذا إمام التوحيد إبراهيم، وإبراهيم إمام التوحيد، فهو أول من يكسى يوم القيامة. قال: «ثم يجاء برجال من أمتي فيؤخذ بهم ذات الشمال، فأقول: يا ربي أصحابي». وهذا يدل على أن هذا الأمر يكون بعد الحشر، واستدل به كثير من العلماء على أن الحوض يكون قبل الصراط. استدل به أهل العلم على أن الحوض قبل الصراط، لأن النبي عليه الصلاة والسلام ذكر هنا ذكر طرد هولاء وإخراجهم بعد الحشر. وقال بعض العلماء: لا يلزم هذا، لا يلزم أنه يطردون من الحوض أنه يكون بعد الحشر، وممكن يكون بعد الصراط، بعدما يمرون من الصراط. لكن غالباً أن المنافقين والمرتدين لا يمرون الصراط، بل تخدشهم الكلاليب حتى تطرحهم، وكذلك أهل النفاق، ما يكون معهم نور، وكذلك أهل النفاق والمرتدين ما يكون معهم شيء من النور، فكيف يستطيعون أن يمر ذلك الجسر الذي هو في ظلمة ليس فيها شيء من النور؟ الجسر أبوحا في ظلمة على شفير جهنم. قال أبو سعيد الخدري: إنه حد من السيف، وأدق من الشعرة، فكيف سيمر فيه من ليس معه ضوء؟ فالمنافقون ينطفئ عنهم الضوء إذا دخلوا الصراط، يوم يقول المنافقون والمنافقات للذين آمنوا: ﴿انظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا﴾، فلا يكون لهم شيء من النور، ولا أيضاً يمكنهم الله عز وجل شيء من النور، إذا رجعوا إلى المكان الذي أخذوا منه النور يجدون أنه لا نور في ذلك المكان. فلهذا يدل هذا على أن هذا العرض يكون بعد الحشر، هذا الحشر يأتون إلى الحوض، فمن شرب من حوض النبي عليه الصلاة والسلام لم يظمأ بعدها أبداً. وهذا الحديث الظاهر أنه عند الحوض، لأن أكثر الروايات التي جاءت في هذا الحديث أنهم يطردون من الحوض، ﴿ثم يجاء برجال من أمتي فيؤخذ بهم ذات الشمال﴾، لا يمكن لهم من القيام مع الناس في الحوض، يخرجون، فأقول: يا ربي أصحابي، وفي رواية: يا ربي أمتي، أن النبي صلى الله عليه وسلم يعرفهم لأنهم فيهم أعلمهم، أنا بآثار، فيقال: لا تدري ما أحدثوا بعدك، فيقال: إن هؤلاء لم يزالوا مرتدين على أعقابهم منذ فارقتهم، على أن هؤلاء يرتدون. ولهذا أورد العلماء هذا الحديث على المرتدين، وحمله ابن عبد البر أيضاً على المبدلين، المغيرين، المبدلين الذين يبتدعون البدع، ليس الذي يقلد، ومن أدخلهم قمعاً لأنهم غيروا وبدلوا، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «فأقول: سحقاً سحقاً، بعداً لمن غير وبدل». وفي هذا المحشر أيضاً قال النبي عليه الصلاة والسلام: «فأقول: كما قال العبد الصالح»، أي عيسى ابن مريم عليه السلام: ﴿كُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً مَّا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾. ولهذا هذه الردة العامة التي حصلت بعد موت النبي عليه الصلاة والسلام، لكن قيض الله عز وجل لها ذلك الصديق حتى أنهاها، رضي الله عنه، فما مات رضي الله عنه وما لقي ربه حتى أنها هذه الفترة، تلك الفترة العظيمة، فترة الردة. كان علي بن المديني يقول: رجلان قاما في مقاب، لم يكن أحد مثلهما: أبو بكر الصديق يوم الردة، وأحمد بن حنبل يوم المحنة، في خلق القرآن. فقاموا موقفاً عظيماً، وقد خالفهما كثير من الناس. أبو بكر خالفه عمر في بداية الأمر، حتى شرح الله عز وجل صدر عمر رضي الله عنه لمختار أبي بكر رضي الله عنه. وكذلك لما وحبت، فإن أكثر أصحابه الذين كانوا معه أجابوه، كعلي، وعلي بن المديني، وأخيه المعين، وعفان، وغيرهم، لمن كان في منزل أو قريب منه أجابوه. وفي هذا لكن وقف أحمد رحمه الله وجاهد وناظر حتى أبان الله عز وجل الحق. طيب، شاء الله وتعالى، لك الحمد والشكر.