الدرس في كتاب المفلس 1، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يُعرّف المفلس بأنه من يكون دينه أكثر من ماله، ويجوز لأهل الدين أخذ ما يجدونه معه بعد التحقق من إفلاسه بشهادة عدول. يُحجر عليه ولا يُحبَس.
يوزع مال المفلس على الغرماء بنسبة ديونهم، وإذا وجد الغريم ماله بعينه ولم يتغير، فهو أحق به. يُحافظ على حقوق الغرماء في استرداد ديونهم.
الحجر على المفلس والسفيه يهدف لحماية أموال الغير من الضياع، وقد وردت آيات قرآنية تدعم الحجر على السفيه. يجب على الولي التصرف بحكمة في مال اليتيم.
يجوز للولي أكل مال اليتيم بالمعروف وبما يحتاج إليه، ويجب عليه الحفاظ على المال وعدم الإسراف فيه. يُشدد على ضرورة حسن إدارة مال اليتيم.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله، وآله وصحبه ومن والاه. ما بعد: قال الإمام الشوكان رحمه الله: كتاب المفلس. قال: يجوز لأهل الدين أن يأخذوا جميع ما يجدان معه إلا ما كان لا يستغني عنه، وهو المنزل، والساتر للعورة، وما يقيه البرد، ويسد رمقه. طيب، هذا كتاب المفلس، ويسمى أيضا كتاب الحجر، أنا يسميه بعضهم كتاب الحجر؛ لأنه من أحكام المفلس أنه يحجر عليه، لا يمكن من التصرف في ماله، فبعض الفقهاء يسميه كتاب الحجر، وبعضهم يسميه كتاب المفلس. والمراد بالمفلس: والذي يكون دينه أكثر من ماله. المفلس هنا عند الفقهاء: والذي يكون دينه أكثر من ماله الموجود معه، أنا أكثر من ماله الموجود، فهذا يسمى مفلسا. فإن كان معه مثل دينه، فهذا ليس بمفلس، أنا معه ما يسد دينه. وكيف يثبت هذا الإفلاس؟ أنا يشهد عليه شهود، فالمشهور في مذهب أحمد: أنه يشهد شاهدين عدل على أنه أفلس، وذهب -أو في رواية عن أحمد- وهو قول بعض الشافعية، وهو أيضا ما يرجحه القيم: أنه لا بد من ثلاثة شهود، لا بد من ثلاثة شهود. وأخذوا هذا من حديث قبيصة في المعدم، لما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «يا قبيصة، فإنها لا تحل المسألة إلا لثلاثة»، وذكر منهم: رجل أصابته فاقة، أنا فقر، وشهد ثلاثة من قومه من ذوي الحجة. هنا النبي صلى الله عليه وسلم ذكر ثلاثة، والمسألة متقاربة، فثلاثة هؤلاء الذين يشهدون له أنه أصابته فاقة، ما عنده شيء، معدم، معنى أصابته فقر. وكذلك أيضا المعسر أو المفلس يشهد له ثلاثة: أنه مفلس، وأنه ما عنده المال الذي يقضي به دينه، فدينه أكثر من ماله الموجود، فهذا يعتبر مفلسا. قال: يجوز لأهل الدين أن يأخذوا جميع ما يجدونه معه إلا ما كان لا يستغني عنه. ففي صحيح مسلم عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن رجلا أصيب على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم في ثمار ابتاعها، أنا اشترى ثمارا، أنا اشترى الظاهر ثمارا كثيرة، لكنه لم يستطع أن يبيع هذه الثمار بالمال الذي اشترى، فكثر دينه، فكثر دينه، فأمر النبي عليه الصلاة والسلام غرماءه: «خذوا ما وجدتم، وليس لكم إلا ذلك». الذي موجود عنده خذوا، وليس لكم إلا ذلك، ليس لكم أن تأخذوا أكثر مما وجدتم. والمراد هنا: يأخذون ما كان فاضلا عن الأشياء الضرورية. الأشياء الضرورية مثلا بيت يسكنه، عنده مثلا سيارة يستخدمها للعمل، أما إن كانت سيارة يستخدمها ليس للعمل، وإنما لمشاويره وكذا، فهذا تباع أيضا. كذلك إذا كان لباسه ولباس أولاده، والأشياء الضرورية التي تكون في البيت، فهذا لا يأخذونه. وإذا كان مثلا عنده شيء من هذه الضرورات، لكنه فوق الحاجة، مثلا عنده بيت كبير، عنده فلة؛ لأنه كان تاجرا ثم أفلس، فعنده فلة كبيرة، فهنا تباع هذه الفلة، أو يباع هذا البيت الكبير، ويشترى له بيتا صغيرا، عنده مثلا سيارة فارهة، تباع هذه السيارة الفارهة، ويشترى له سيارة صغيرة أو كذا، المهم أنها تقوم بالذي يريده. فالأشياء الضرورية لا يأخذونها، ويأخذون ما يجدونه في بيته. قال رحمه الله: ومن يعول، ومن وجد ماله عنده بعينه فهو حق به. الذي يجد ماله بعينه يأخذه، وهذا إذا لم يكن معسرا، أما إذا كان معسرا فإنه لا يجوز أن يحجر عليه، لا يحجر عليه الحاكم؛ لأنه رجل معسر، ما عنده. إن تسرى له المال، اشترى له بأشياء التي هي ضرورية مثل الطعام وكذا، فمثل هذا لا يحجر عليه. ولهذا النبي صلى الله عليه وسلم قال لهم: «خذوا ما وجدتم، وليس لكم إلا ذلك». وأما إذا أعسر فإنه لا يطالب بشيء. أعسر فيه وقد جاء في حديث -حديث أبي هريرة- الذي عنده أبي داود وأحمد: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لي الواجد ظلم يحل عرضه وعقوبته». لي الواجد ظلم، من الذي هو ظلم؟ هو الواجد الذي يجد المال ولا يسدد ديون الناس، هذا ظلم. وهذا الذي يحل عرضه وعقوبته. ومفهوم هذا الحديث: أن المعسر من أعسر فإنه لا يحل أن يتكلم فيه. وأيضا لا يحل أن الحاكم يحبسه؛ لأن المراد هنا الحبس، كما قال سفيان بن عينة: أنا ذكر البخاري هذا الحديث تعليقا، ثم ذكر عن سفيان بن عينة أنه قال: يحل عرضه أن يتكلم فيه، وعقوبته أي بالحبس أن يحبس. فإذا كان معسرا لا يحبس ولا يعاقب؛ لأنه معسر ما عنده شيء، لكن ينظر ما سبب عساره. وأيضا كذلك هذه المسألة مسألة العسار مثل كما تقدم الإفلاس يشهد عليه ثلاثة من ذوي الحجة من قومه على أنه رجل معسر، يشهدون على أنه ما عنده مال يسدد به. وأما كان عنده المال ولا يسدد فهو يدخل في الظلم. فإن كان مثلا عنده مال، لكنه لا يفي بديون الناس، فأولا يحجر عليه، يحجر عليه، يوقف أنه لا يتصرف في ماله، ثم يعطى الناس أموالهم. فمن وجد شيئا بعينه فهو حق به، من وجد شيئا عند المفلس بعينه فهو أحق به، كما جاء في الصحيحين في حديث أبي هريرة: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من أدرك ماله بعينه عند رجل أفلس -أو إنسان قد أفلس- فهو حق به من غيره». وجاء في لفظ في مسند الإمام محمد: «أيما رجل أفلس، فوجد رجل عنده ماله، ولم يكن اقتطع من ماله شيئا»، معنى ما غير من ماله شيئا، فهو له. فلهذا إذا وجد الإنسان ماله بعينه لم يغيره، مثلا اشترى من عنده ثلاجة بالدين، فلما كثرت عليه الديون وجاء الأجل لم يجد، لكن هذه ثلاجة جاء بها وطرحها لم يستعملها بعد، فهذه يأخذها صاحبه. لكن إن وجدها قد استعملها، فإن كان لم يغير فيها شيء، وصاحبه هذا أراد أن يأخذها، يأخذها. لكن إن كان مثلا قد غير فيها شيئا، فهي تكون أسوة الغرماء، على مثل الغرماء، يأخذ مثل ما يأخذ الغرماء. فإذا كان مثلا عنده هذا المال كما سيأتي: أنه يكون كل غريم أسوة بغيره، يعني كلهم يعطون على حسب ديونهم. ثم قال: وإذا نقص مال المفلس عن الوفاء بجميع دين، كان الموجود أسوة الغرماء. كيف الموجود أسوة الغرماء؟ مثلا عنده الدين الذي عنده مليون، والمال الذي معه ثمانمائة، المال الذي معه ثمانمائة لا يفي بديون الناس كلها، والغرماء مثلا خمسة أو أربعة، مثلا أربعة، لكل واحد منهم مائتان وخمسون، أخذ من هذا مائتين وخمسين، وهذا مائتين وخمسين، وهذا، فطالبه الناس قال: ما عندي إلا ثمانمائة، كيف يفعل؟ يكون معناه قال: أسوة الغرماء، المراد أسوة الغرماء: أي أنهم كلهم سواء على حسب النسبة، فيعطى بدلا يعطى كل واحد مائتين وخمسين، يعطى كل واحد مائتين. طيب إذا كان واحد مثلا له نصف، مثلا منهم ثلاثة أحدهم له خمسون ألفا أو خمسمائة ألف، والآخر عنده مثلا مائتان وخمسون، فكيف يفعل؟ أيضا يعطون بالنسبة، مثلا معه ثمانمائة، صاحب الخمسمائة يعطى أربعمائة، يعطى أربعمائة، صاحب المائتين يعطى مائتين، وهذا مائتين، وهكذا بحسب النسبة التي تكون موجودة، فيكون أسوة إذا نقص مال المفلس، كان الموجود أسوة الغرماء. ولأنه كما معلوم أن الدين أو الديون اللازمة مستوية، وقد حصل أيضا هذا في عهد عمر رضي الله عنه، ففعل ذلك. ثم قال: ولا يجوز حبس المفلس إذا تبين إفلاسه؛ لأن الله عز وجل أمر بإنظاره، «وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة»، وهذا أمر واجب، يجب أنه إن كان معسرا قد شهد على عساره ثلاثة من قومه على أنه معسر، ما يجد المال، قد لا يجد حتى طعاما لأهله، فكيف يسدد هذا الدين؟ فإن كان شهد عليه أنه مفلس وتبين إفلاسه، فهنا لا يجوز أن يطالب، وكذلك لا يجوز لهؤلاء الغرماء أن يحبسوه، أو كذلك الحاكم لا يحبسه؛ لأنه رجل مفلس ما عنده شيء، والذي يحبسه هو الواجد، «لي الواجد ظلم يحل عرضه وعقوبته». قال: ويجوز للحاكم أن يحجر على المفلس عن التصرف في ماله. فلحجره صلى الله عليه وسلم على معاذ كما تقدم حديث معاذ، حديث كعب بن مالك مرسلا لم يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم موصولا، والراجح فيه الإرسال، لكن أكثر العلماء أخذوا به. أكثرهم أخذوا بهذا الحديث على أن من أفلس وطالبه الغرماء فإنه يحجر عليه. أولا معنى الحجر: الحاكم يوقف أمواله، إن كانت مثلا في بنوك أو في صرافة مثلا وكذا، يوقف هذا، لا يجعله يتصرف في ماله، ثم ينوب من يقوم على ماله ويعطي الغرماء أموالهم. كما قلنا: يأخذ الأشياء الفاضلة، وأما الأشياء الضرورية فتترك له. وهذا فيه جواز الحجر على المفلس، وهذا الذي سميه العلماء الحجر، الحجر من أجل الغير، يعني يحجر على الشخص لأمرين: إما لأجل نفسه، كالحجر على الصبي، هذا لأجل مصلحة نفسه، يعني لأجل مصلحة مال الصبي يحجر عليه، أو السفيه كذلك. وحجر يكون لمصلحة الغير، وهو الحجر على المفلس، إنه يحجر عليه لأجل أموال الناس، لا يضيعها، أن بعض الناس تجدوا لا يبالي بأموال الناس، المهم أنه يتصرف هو في المال، وهذا خطأ، فلهذا الحاكم يحجر عليه، ثم يعطى الناس أموالهم. قال: ويجوز الحجر على المبذر، وما لا يحسن التصرف، لقول الله عز وجل: «ولا تؤتوا السفهاء أموالكم». أي أموالهم التي عندكم. فلهذا لا يعطى ماله السفيه أيضا، يحجر عليه على قول أكثر العلماء. والمراد بالسفيه: هو الذي يبذر المال، لا يضعه في حقه، معناه أنه يتصرف في المال بما لا نفع له فيه، لا في الدنيا ولا في الآخرة، فهذا يسمى تبذيرا، يأخذ مثلا من الطعام ما يكون أكثر مما يأكله، يشتري من اللباس الكثير، يشتري كذا، يشتري أيضا أشياء لا يحتاجها، أو يذهب بهذا المال في اللعب، فهذا كله يعتبر سفيها، معنى السفيه الذي لا يستطيع تدبير ماله، أو أنه ينفق ماله فيما لا فائدة فيه، فهذا السفيه يحجر عليه كذلك عند جمهور العلماء، لقول الله عز وجل: «ولا تؤتوا السفهاء أموالكم». فالسفهاء هم المبذرون لأموالهم. والمراد كما قلنا: أموالكم، أي أموالهم التي عندك. قال: «ولا يمكِّن اليتيم من ماله حتى يؤنس منه الرشد». إذا كان كافل اليتيم أو ناظر اليتيم، فإنه لا يعطى اليتيم ماله حتى يستأنس منه الرشد. «ولا تؤتوا سفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قياما». قال عز وجل: «وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح، فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم». فهذا الآية جاءت بشرطين، معنى متى يدفع الولي المال اليتيم؟ بشرطين، أولا إذا بلغ، الشرط الأول إذا بلغ، والشرط الثاني إذا رشد. مثلا إذا بلغ ولا زال سفيها يبذر بالأموال ويضيعها، فهذا لا يعطى ماله، لماذا؟ لأنه مبذر، وإنما يعطى من رشد. فقال الله عز وجل: «وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح، فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم، ولا تأكلوها إسرافا وبدارا أن يكبر». ومن كان غنيا فليستعفف، ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف. ولهذا يحفظ مال اليتيم، ولا بأس أنه يضعه في المصالح، مثلا يتاجر به، لا بأس أنه يتاجر به، كما قال الله عز وجل: «ويسألونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير، وإن تخالطوهم فإخوانكم، والله يعلم المفسد من المصلح». فقوله جل وعلا: «في إصلاح لهم خير»، أي إصلاح لأموالهم. وإن كان هناك إصلاح لأموالهم في تجارة أو في مشروع أو في كذا، فلا بأس بذلك حتى تنمو أموالهم، يعني يجوز للولي أن يصرف في مثل هذا، لكن لا ينبغي له أن يضيع مال اليتامى في أشياء ليست مثلا مقطوعة أو ليست مضمونة، كلما سمع أن إنسانا عنده مشروع وكذا قام وشارك بدون دراسة، بدون كذا لا، لا بد أن يحافظ على مال اليتيم. ولهذا قال الله عز وجل: «والله يعلم المفسد من المصلح»، معنى من أراد الإصلاح يعلمه الله، ومن أراد الإفساد في المال يعلمه الله جل وعلا، وهو عالم بالنيات جل وعلا. قال: ويجوز للولي أن يأكل من مال يتيم بالمعروف. المعروف هنا فسر بالمتعارف عليه، المتعارف عليه ما اضطر إليه الشخص. وإن كان غنيا فالأولى له أن يستعفف؛ لأنه حتى يحفظ مال اليتيم. فقال الله عز وجل: «ومن كان غنيا فليستعفف، ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف». من كان غنيا فليستعفف، هذا ينبغي عليه أنه لا يأخذ من مال اليتيم شيئا، إلا إذا كان يحتاج إلى شيء من المال فلأجل قوامته ولعدل نظارته على هذا المال، فإنه يعطى، فإنه يأخذ، لكن بالمعروف، لا يأخذ المال كله ويقول هذا بالمعروف، لا، هذا ليس صحيحا، يعني يأكل المال كله، وكل يوم يأخذ له أو كل شهر يأخذ له مبلغا من هذا المال حتى يفنى هذا المال، لا، هذا ليس صحيحا. معنى إن كان المال قليلا فليحافظ عليه، فلا يأخذ إلا ما اضطر إليه. وأما أنه يأخذ من هذا المال حتى يفنيه، فهذا ليس صحيحا. قال المؤلف هنا: ويجوز للولي أن يأكل من مال يتيم بالمعروف. طيب، إن شاء الله، تعالى انتهينا من هذا، سنكتفي بهذا، والله تعالى أعلم.