كتاب التفسير من صحيح البخاري 63

كتاب التفسير من صحيح البخاري 63

الدرس في كتاب التفسير من صحيح البخاري 63، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

احتجاج آدم على موسى وتفسير آية فلا يخرجنكما

يروي الحديث احتجاج آدم على موسى عندما لامه على إخراج الناس من الجنة، فيرد آدم بأن الله قدر ذلك عليه قبل خلقه، فيحج آدم موسى. ويفسر المقطع الآية بأنها تعني الشقاء بعد الخروج من الجنة، وينقل قول بعض العلماء بأن جنة آدم كانت في الأرض لأن الله أخبر الملائكة بجعل خليفة فيها.

رجحان كون الجنة جنة الخلد الدائمة

يرجح ابن القيم أن الجنة التي أخرج منها آدم هي جنة الخلد الدائمة وليست جنة أخرى، مستدلاً بتعريفها بأل التعريف ووصفها بأنها برئت من النصب والجوع والعطش. ويذكر حوار موسى وآدم حيث احتج موسى على آدم بإخراج الناس من الجنة، فحجه آدم بالقدر.

حجة آدم على موسى وعاقبة الأكل من الشجرة

يذكر المقطع حجة آدم على موسى بأن مصيبته مقدرة من الله، ثم يوضح قصة أكل آدم من الشجرة ونسيانه، وإخراجه من الجنة عارياً، وتحذير الله لبني آدم من اتباع الشيطان، مع بيان أن التوبة والهداية تلحقان بالعصيان.

شقاء آدم وتعب الإنسان بعد الخروج من الجنة

يوضح المقطع أن شقاء آدم يتمثل في جهده لتوفير الطعام والرعاية لزوجته بعد خروجه من الجنة، حيث كان كل شيء متاحاً بلا تعب. ويُعرّف الشقاء هنا بأنه التعب والمشقة التي يلاقيها الإنسان، ولا سيما الرجل، في كسب العيش.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. قال المؤلف رحمه الله تعالى: «إمام البخاري، باب: {فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى}». قال: «حدثنا قتيبة بن سعيد، قال: حدثنا أيوب بن النجار، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلامة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: "حاج آدم موسى، فقال له: أنت الذي أخرجت الناس من الجنة بذنبك وأشقيتهم". قال: قال آدم: يا موسى، أنت الذي اصطفاك الله برسالاته وبكلامه، أتلومني على أمر كتبه الله علي قبل أن يخلقني، أو قدره علي قبل أن يخلقني؟ قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "فحج آدم موسى"». طيب، هذا الحديث قد ذكره الإمام البخاري في الأبواب السابقة، وهنا ذكره في تفسير هذه الآية: {فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى}، أي: يصيبك الشقاء. وأما الجنة فهي فيها النعيم، فيها الراحة وغيرها، وفيها الشقاء. وربنا جل وعلا قبل أن يخلق آدم أخبر الملائكة بذلك، وأنه سيجعل خليفة في الأرض، قالوا: {أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك}. أنه أخبرهم أنه سيجعل خلقًا في الأرض، فلذا قال بعض العلم: إن الجنة التي أخرج منها آدم هي في الأرض، لأن الله عز وجل قد أخبر الملائكة أنه سيجعل هناك بشرًا وخلقًا، أو سيجعل خلقًا في الأرض، فلذا قال بعض العلم: إن الجنة التي كان فيها آدم هي جنة في الأرض. وأكثر العلم على أنها جنة الخلد، وقد بحث هذه المسألة الإمام ابن القيم رحمه الله في كتابه الفذ، الكتاب الذي ألفه في وصف الجنة: «حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح»، فذكر أدلة هؤلاء وأدلة هؤلاء، ورجح أنها جنة الخلد، عن الجنة المعروفة التي خلقها الله عز وجل. فهذه الجنة هي التي أخرج منها آدم، وليس هناك جنة أخرى، لأن الله عز وجل يذكرها بأل التعريف التي تبين أن هذه الجنة هي هذه الجنة المعروفة، بأل التعريف عن هذه الجنة التي تعرف أنها جنة الخلد وجنة الفردوس، وغيرها مما سماها الله عز وجل: جنات عدن. فلذا فالجنة هي جنة الخلد التي أخرج منها آدم، أخرج إلى الشقاء، أخرج إلى الدنيا التي فيها المصائب والأحزان، وفيها أيضًا كذلك الأفراح، لكن غُلبت هذه الدنيا، وأيضًا جعل الله عز وجل فيها هذه الأمور: المشقة، ألوان الابتلاءات، الأحزان، الغموم، الهموم. وأما جنة الخلد فقد برأها الله عز وجل من هذا: {إن لك فيها ألا تجوع ولا تعرى، وأنك لا تظمأ فيها ولا تضحى}. وقال الله عز وجل: {لا يمسهم فيها نصب وما هم منها بمخرجين}. أي: الجنة لا يمسهم فيها نصب، أي تعب ومشقة. ليس هناك في الجنة مشقة ولا تعب، وإنما في الدنيا. فلذا قال الله عز وجل: {لا يمسهم فيها نصب}، أي: هذه الجنة إذا أدخلوا فيها لا يمسهم ذلك. وأما المشقة والتعب ففي دار الدنيا، وأما الجنة فبرأها الله عز وجل من هذه الأمور، بل هي نعيم وسرور وراحة ونعيم أبدي. طيب، قال: «أنت الذي أخرجت الناس من الجنة بذنبك وأشقيتهم»، فحج موسى، أو: حج موسى آدم، حجه بهذا الأمر. وجاء في رواية في الصحيحين أنه قال: «فحج موسى»، أو: «فحج آدم موسى». فحج آدم موسى، حجه بهذا الكلام الذي قال: «أتلومني على أمر كتبه الله علي قبل أن يخلقني». أن هذا الأمر وهو المصيبة التي أصابته قد قدرها الله عز وجل، وأنه سيخرج آدم من الجنة إلى الأرض، سيخرج آدم من الجنة إلى الأرض، وهذا الذي حصل. لكن جعل الله عز وجل سببًا حتى يبين ربنا جل وعلا ما يكون عليه بنو آدم. فإن آدم نسي، فنسيت ذريته. فلما نسى ما أخبره الله عز وجل عما نهاه الله عز وجل عن تلك الشجرة أن يأكلها، نسي آدم، فنسيت ذريته. فإنما النسيان حصل من آدم أولًا، فنسيت بعد ذلك ذريته. فأخرج من الجنة بدون ثياب، حتى الله عز وجل لم يجعل له ثيابًا، لا ثياب الجنة، فطفق يخصفان عليهما من ورق الجنة. أو لما أكل منها طفق يخصفان عليهما من ورق الجنة، وناداهما ربهما: {ألم أنهكما عن هذه الشجرة وأقول لكما إن الشيطان لكما عدو مبين}. فأزلهم الشيطان عنها، وأخرجهما مما كان فيه. وقال الله عز وجل محذرًا آدم أنه يتبع أو يطيع هذا الشيطان، فقال: {يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباسًا يواري سوآتكم وريشًا، ولباس التقوى ذلك خير}. بعدما ذكر أن الشيطان هو الذي أغوى آدم حتى جعله الله عز وجل، أو قال: {ليريهما سوآتهما}. عنى: جعل الله عز وجل جعلهما بدون ثياب، لأجل -كما قال بعض العلم- أنهما لا يأخذان من ثياب الجنة، فأعراهما بسبب الزلل. ثم إنه فطفق يخصفان من ورق الجنة. {وعصى آدم ربه فغوى، ثم اجتباه ربه فتاب عليه وهدى}. قلنا: إن الأمر أن آدم عليه السلام لما أكل من الشجرة عاقبه الله عز وجل أن أخرجه من جنة الخلد إلى الأرض، إلى أرض الشقاء والحزن، وأيضًا كذلك المتاعب. فلذا قال: {فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى}. عن آدم هو الذي سيشقى، لأنه سيحاول أن يحفظ امرأته ويأتي لها بالطعام ويأتي لها بكذا، بخلاف ما كانوا في الجنة، فإنه كله يأتيهم. فصارت الشقاء من هذا العمر. المراد هنا بالشقاء: أي التعب الذي يصاب به الإنسان، وخاصة الذكر أو الرجل. طيب، إن شاء الله هذا ما يذكر، والله تعالى أعلم.