الدرس في كتاب التفسير من صحيح البخاري 61، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يشرح المقطع لقاء آدم وموسى عليهما السلام، مبيناً أن احتجاج آدم بالقدر كان على المصيبة لا على الذنب، وأن قوله تعالى "واصطنعتك لنفسي" يعني اصطفاء موسى للرسالة والكلام. كما يؤكد أن هذا الحديث لا يُعد حجة للجبرية لأن الاحتجاج وقع على المقدور لا على المعصية.
يوضح المقطع أن ذنب آدم كان مكتوباً في القدر، لكنه تاب ورجع إلى الله، وأن احتجاج آدم بالقدر اقتصر على المصيبة (الخروج من الجنة) لا على الذنب نفسه. ويشير إلى أن القدر لا يُحتج به لإباحة المعصية لأن للعبد مشيئة واختيار، والتوبة تمحو الذنب.
يبين المقطع بطلان احتجاج المشركين والقدرية الجبرية بالقدر لتبرير الشرك والمعاصي، مستدلاً بقوله تعالى: ﴿فَهَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا﴾. ويؤكد أن العبد يرتكب الذنوب بمشيئته واختياره، بدليل أن الناس يدفعون الظلم عن أنفسهم ولا يقبلون حجة القدر، كما أن التوبة دليل على قدرة العبد على الترك والفعل.
يذكر المفسرون أن من أرادوا ارتكاب الفاحشة تذكروا الله فانصرفوا عنها وتابوا إليه. وهذا يدل على أن ذكر الله يدفع العبد إلى ترك المعصية والرجوع إلى الطاعة.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه، أما بعد: قال الإمام البخاري رحمه الله تعالى: باب "واصطنعتك لنفسك". قال: حدثنا الصلت بن محمد، وهو أبو همام الخاركي، والبصري، خارك: هذه منطقة في ساحل البصرة. قال: حدثنا مهدي بن ميمون، وهو أيضا كذلك بصري، كان ثقة ثقة كما قال الإمام أحمد. قال: حدثنا محمد بن سيرين، وهو أبو بكر، بصري، الإمام، مولى أنس بن مالك، وله إخوة كلهم من أهل الحديث، وأيضا منهم حفصة أخت ابن سيرين، وكانت عالمة محدثة فقيهة. قال: عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه قال: «التقى آدم وموسى، فقال موسى لآدم: أنت الذي أشقيت الناس وأخرجتهم من الجنة. قال له آدم: أنت الذي اصطفاك الله برسالته، واصطفاك لنفسه، وأنزل عليك التوراة. قال: نعم. قال: فوجدتها كتب علي قبل أن يخلقني؟ قال: نعم. فحج آدم موسى». قال: اليم البحر، فهنا أراد أن يفسر هذه الآية "واصطنعتك لنفسي" بهذا الحديث. "واصطفاك لنفسه" فـ "واصطنعتك لنفسي" أي: اصطفاه وجعله رسولا له سبحانه وتعالى، كما قال جل وعلا: ﴿ يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلامِي ﴾ [طه: 13-14]، ﴿ إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلامِي فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ ﴾ [الأعراف: 144]. فاصطفى الله عز وجل موسى عليه السلام، اصطفاه بالرسالة، واصطفاه أن جعله كليمه، كلمه الله عز وجل عند الشجرة بالطور. فهذا الحديث قد ذكره المؤلف رحمه الله في عدة مواضع، وهنا ذكره بهذه الرواية، وأراد وجه الشاهد: "واصطفاك لنفسه". وهذا الحديث قد يشكل على بعض الناس، وخاصة الذين أو بعضها البدع الذين يقولون بالجبر، كالجهمية والأشاعرة، فإنهم يقولون بالجبر، فظنوا أن هذا الحديث لهم. لما قال آدم عليه السلام: أنت موسى الذي اصطفاك الله برسالته، وأنزل عليك التوراة، وكتب لك التوراة بيده، قال: نعم. قال: فوجدتها كتب علي قبل أن يخلقني؟ أنا، هل وجدت فيما كتب عليك أن هذا الذنب قد كتب علي قبل أن يخلقني؟ قال: نعم. فحج آدم موسى. وليس هذا في احتجاج بالقدر أبدا، لأن آدم عليه الصلاة والسلام إنما احتج بالقدر في المصيبة التي حصلت له، وليس احتج بالذنب. فالذنب هو معترف به، معترف أنه أذنب، ولهذا تاب إلى الله ورجع إلى الله واستغفر الله. وأما الذي قد كتب عليه هي المصيبة التي هي خروجه من الجنة بسبب هذا الذنب، فهذا مكتوب عند الله جل وعلا. وأيضا كذلك حتى ذنبه مكتوب، لكن ليس معنى ذلك أنه لم يفعله باختياره، بل فعله باختياره. لكن هو احتج في القدر على المصيبة التي أصابته، أو التي أصيبت، أو التي معنى التي جعلها الله عز وجل بسبب هذا الذنب أنه أخرجه من الجنة هو وذريته. فموسى عليه السلام يعاتب أباه آدم، فيقول: أنت الذي أشقيت الناس وأخرجتهم من الجنة، أنا لولا أنك فعلت هذا الذنب لما أخرجتهم. فجاء أن آدم قال لموسى: تعيرني بذنب قد كتبه الله عز وجل علي؟ فأراد بالمصيبة أن شيء كتبه الله عز وجل علي، أي: المصيبة التي أصابته بخروجه من الجنة هو بسبب الذنب، وليس المراد أنه يحتج بالذنب. وأيضا كذلك ليس فيه حتى ولو احتج بالذنب فليس فيه أيضا كذلك دليل لهم، لأن الذي يحتج بالذنب بعد التوبة وبعد أن يرجع وينيب إلى الله ليس فيه شيء، أنا يقول: هذا ذنب كتبه الله علي، أنا هذا الفعل كتبه الله علي، لكني أنا تائب. فهنا يريد أنه مكتوب أصلا عند الله عز وجل أنه سيفعل هذا، لكن ليس أنه يحتج بهذا القدر على الإثم. وكذلك الذي ينكر هو الاحتجاج بالقدر، الاحتجاج بالقدر هو الذي ينكر أنه يحتج بالقدر على فعل الذنب. لكن نبينا آدم أو نبي آدم عليه، أبانا آدم عليه السلام لم يحتج بالقدر على ذلك، وإنما فقط ذكر أن هذا كتبه الله عز وجل عليه، لكنه تاب منه ورجع. فلهذا قالوا: لا بأس أن الإنسان يذكر ذنبه وأنه كتبه الله عليه، وأنه استغفر منه وتاب. أنا يقول: أنا فعلت هذا، وهذا شيء مكتوب عليه، لكن ليس معنى ذلك يجعله حجة فيستمر في ذنبه، وإنما يقول: هو مكتوب عليه، لكن بحمد الله وفقني الله عز وجل للتوبة والرجوع إليه سبحانه. فلهذا فليس لهؤلاء حجة أبدا، لأن أولا كما ذكرنا أن العبد له مشيئة في فعله. ولهذا لما قال الله عز وجل: ﴿ وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ ﴾ [الأنعام: 148]، كذلك قال الذين من قبله، مثل قولهم. فهؤلاء كذلك فعل الذين من قبلهم، فهؤلاء احتجوا بالقدر، أهل الشرك احتجوا، قالوا: أنه لولا أن الله عز وجل كتب عليهم الشرك لما أشركوا. وهذا كلام باطل، وهذا كلام باطل. فلهذا ربنا جل وعلا لم يقبل قولهم، وقال: ﴿ فَهَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ ﴾ [الأنعام: 148]، وقالوا: لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من شيء. فلهذا فقولهم هذا غير صحيح. واحتجت القدرية، قالوا مثلهم، قالوا: القدرية مثلهم، أي: القدرية الجبرية، أن هذه الذنوب لا يفعلها العبد باختياره، وإنما هي من الله، وأن العبد إنما كالريشة في مهب الريح. فإذا كان كذلك فلماذا يعاقب الله عز وجل عباده إذا كان هذا الذنب يفعله الشخص، أو أن هذا الأمر يخلقه الله، وأيضا كذلك هو من فعل الله، وأن العبد ليس له مشيئة ولا إرادة في ذلك، فلماذا يعذبه الله ويعاقبه؟ فهذا يرد عليهم كذلك. بل استدل أو حجاجهم شيخ الإسلام وغيره من الأئمة أنه إذا كان هكذا قولكم، فإذا جاء إنسان وضرب هذا الشخص، ضربه أو أعطاه مثلا لكم في رأسي، أو كذا، أو صفعه صفعة في وجهه، فإذا قال له: هذا كتبه الله علي، هل هل سيخضع لهذا ويقول: هذا صحيح؟ لا شك أنه سيقوم ويدافع ويرد الذي كان عليه. فلهذا فالذي يفعل الذنب يفعل بمشيئته وإرادته، جعل الله له مشيئة وإرادة. وإلا لو شاء لما فعله بمشيئته، لو شاء هذا الشخص لما فعل هذا الذنب، وتاب إلى الله ورجع إلى الله. وتذكر كم من إنسان كان سيفعل ذنبا ثم ترك هذا الذنب ورجع إلى الله. قد ذكر النبي صلى الله عليه وسلم بالثلاثة الذين كانوا في الغار، أحدهم كان سيفعل الذنب ثم ترك، هو وتاب. وهكذا كثير من الناس. وذكر النبي صلى الله عليه وسلم مثل هذه الحالة. وأيضا قال الله عز وجل: ﴿ وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ ﴾ [آل عمران: 135]. ذكر بعض المفسرين أنهم إذا فعلوا فاحشة، أي: أرادوا أن يفعلوا الفاحشة، تذكروا الله فخرجوا من هذا الأمر، وكابوا إلى الله جل وعلا. طيب، هذا إن شاء الله ما يذكر. الله تعالى عالمه ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر