الدرس في كتاب الطهارة 33، ألقاها
يتناول شرح حديث عبد الله بن مسعود حول استنجاء النبي واستخدام الأحجار، واختلاف الفقهاء حول عدد الأحجار. يُبين آراء المذاهب الفقهية المختلفة حول هذا الموضوع.
يجب الاستنجاء بثلاثة أحجار ولا يكتفى بأقل من ذلك، ويمكن الزيادة إذا احتاج الإنسان لذلك. لا يجوز الاستنجاء بالعظم أو الروث لما فيهما من النجاسة وكونهما طعام الجن.
يجب على المسلم أن يتنزه من البول ولا يتساهل في إزالته إذا أصاب بدنه أو ثوبه. عدم الاستنزاه من البول يعد من كبائر الذنوب ويسبب العذاب في القبر.
يشير إلى انتهاء الحديث ويتضمن الصلاة على النبي محمد وآله وصحبه. يُعتبر هذا الختام دعاءً وتأكيداً على أهمية النبي في الإسلام.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشهر الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الحافظ بن حجر رحمه الله في كتابه بلوغ المرام، في كتاب الطهارة، في باب آداب قضاء الحاجة. وعلى بن مسعود رضي الله عنه قال: أتى النبي صلى الله عليه وسلم الغائط، فأمرني أن آتيه بثلاثة أحجار، فوجدت حجرين ولم أجد ثالثا، فأتيته بروثة، فأخذ الحجرين وألقى الروثة، وقال: «هذا رجس أو ركس». أخرجه البخاري، وزاد أحمد والدارقطني: «ائتني بغيرها». هذا الحديث حديث المسعود رضي الله تعالى عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام أتى الغائط، فأمره أن يأتي بحجرين أو بثلاثة أحجار، فوجد حجرين ولم يجد ثالثا، فأتى له بروثة، أي رجيع دواب، فأخذ النبي صلى الله عليه وسلم الحجرين وألقى الروثة، وقال: «إنها ركس أو رجس». رواه البخاري. وأخرجه البخاري رحمه الله بصحيحه، قال: حدثنا أبو نعيم، قال: حدثنا الزهري، عن أبي إسحاق، قال: ليس أبو عبيدة ذكره، ولكن عبد الرحمن بن الأسود، عن أبيه، أنه سمع عبد الله بذكر الحديث. وقول أبي إسحاق: «ليس أبو عبيدة ذكره»، يريد بأبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود؛ لأنه لم يسمع من أبيه، وأراد أن هذه الرواية أي رواها عن عبد الرحمن بن الأسود. ثم ذكر البخاري بعد ذكر الحديث قال إبراهيم يوسف، وقال إبراهيم يوسف، عن أبي إسحاق، قال: حدثني عبد الرحمن بن الأسود. وهذه الطريق هي تصريح أبي إسحاق بالتحديث؛ لأن أبا إسحاق مدلس، فالرواية الأولى ليس فيها تصريح بالسماع أو التحديث، لكن في الرواية الأخرى أو طريق الأخرى فيها التصريح بالتحديث. والزيادة التي زاد أحمد والدارقطني، وقوله: «ائتني بغيرها»، أخرجها الإمام أحمد والدارقطني، كلاهما من طريق أبي إسحاق، عن علقمة بن قيس، ولم يسمع أبو إسحاق منه كما قال أبو حاتم وأبو زرعة، فهي منقطعة. لكن الإمام أحمد رواها بلفظ «ائتني بحجر»، ودارقطني أخرجها بلفظ «ائتني بغيرها»، وأيضا بلفظ «ائتني بحجر». فـ«هذا الحديث» استدل به أهل العلم على أنه لا بد من ثلاثة أحجار في الاستنجاء بالحجر، إذا أراد المسلم أن يستنجي بحجر، فلا بد من أن يستنجي بثلاثة أحجار، ولا يستنجي بأقل من ذلك. وذهب جماعة من أهل العلم إلى أنه يجزئ الاستنجاء بأقل من ثلاثة أحجار، وهو قول الحنفية والمالكية، قالوا: يجزئ الاستنجاء بأقل من ثلاثة أحجار. واستدلوا بهذا الحديث المسعود، قالوا: لأن النبي عليه الصلاة والسلام أخذ الحجرين وألقى الروثة، وقال: «إنها ركس»، ومعنى ركس يعني أنها نجسة أو قدرة، فقالوا: لم يأت أنه أمره أن يأتي له بحجر ثالث، قالوا: فدل هذا على أنه يجزئ الاستنجاء بأقل من ثلاثة أحجار. وذهب الشافعية والحنابلة إلى أنه لا بد من ثلاثة أحجار، وذلك بالأدلة الموجبة لذلك، كما مر بنا في حديث سلمان، قال: «ونهانا أن نستنجي بأقل من ثلاثة أحجار». وهكذا أيضا حديث عائشة رضي الله عنها في السنن، أنها قالت: «إذا خرج أحدكم إلى الغائط فليستطب بثلاثة أحجار؛ فإنها تجزئ عنه». والحديث أخرجه أبو داود والنسائي. وأما هذا الحديث، فقالوا: بأن النبي عليه الصلاة والسلام لما رمى هذه الروثة، قال: «ائتني بغيرها»، أمره أن يأتي له بغيرها. لكن علمنا أن هذه الزيادة منقطعة، فالجواب عن ذلك كما قال بعض أهل العلم: وهو أن ابن مسعود رضي الله عنه اكتفى بالأمر الأول، اكتفى بالأمر الأول حين أمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يأتيه بثلاثة أحجار، فلما أتى له بحجرين وروثة وألقى الروثة، علم أنه يحتاج إلى حجر ثالث، فعل أنه أتى له بحجر ثالث. أو كذلك ربما أن النبي عليه الصلاة والسلام وجد حجرا بجانبه فأخذه واستنجى به وأكمله الثلاثة، فالحديث ليس صريحا يعني الاكتفاء بحجرين، لكن الاستدلال به استدلال في احتمال. وإذا كان الأمر كذلك، فلا ندع الأحاديث الصريحة التي فيها الأمر بالاستنجاء بثلاثة أحجار، والنهي عن الاستنجاء بأقل من ذلك، لأجل حديث ليس بصريح بذلك، مع كونه في احتمالات كما ذكرنا: أنه ربما اكتفى بالأمر الأول، أو أخذ حجرا قريبا منه فاستنجى به. ولهذا القول الصحيح: أنه لا بد في الاستنجاء بالحجر من الاستنجاء بثلاثة أحجار، لا يكتفي بأقل من ذلك، لا يكتفي بأقل من ذلك. فإن احتاج إلى الزيادة على الثلاث، فلا بأس يزيد رابعة، فإذا حصل الإنقاء بالرابعة زاد خامسة حتى يختم على وتر، بقول النبي عليه الصلاة والسلام: «من استجمر فليوتر». ولا يستنجي بأقل من ثلاثة أحجار. وفيه كذلك أيضا ما مر في الدروس السابقة في صحيح سلمان: أنه لا يجوز الاستنجاء بالروث؛ وذلك لأنه نجس، إن كانت من روث حيوان لا يوكل لحمه. وإن كانت من حيوان يوكل لحمه؛ فلأنها طعام الجن كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم. قال رحمه الله: وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: «إن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى أن يستنجى بعظم أو روث»، وقال: «إنهما لا يطهران». رواه الدارقطني وصححه. فهذا الحديث رواه الدارقطني في سننه، وقال: إسناده صحيح. قال: إسناده صحيح. وهذا الحديث لأبي هريرة في نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن الاستنجاء بعظم أو روث، أخرجه من طريق سلم بن رجاء، عن الحسن بن فرات، عن أبيه، عن أبي حازم الأشجعي، عن أبي هريرة به. وسلم بن رجاء مختلف فيه، فالإمام النسائي رحمه الله يقول: ضعيف. ومن معين يقول: ليس بشيء. وأبو زرعة قال فيه: صدوق. وأبو حاتم قال: ما بحديثه بأس. فأقل الأحوال أن يكون حسن الحديث. ويبقى الحسن بن فرات، قال فيه الحافظ: صدوق يهم. وذكر الدارقطني رحمه الله في العلل: أن هذا الحديث وهم فيه الحسن بن فرات، بقوله: «إنهما لا يطهران»، أما النهي عن الاستنجاء بالعظم والروث، فهذا ثابت بالأحاديث الصحيحة في حديث سلمان وحديث مسعود وغيرها من الأحاديث. وعلمنا أن العلة في النهي عن الاستنجاء بالعظم: أنه طعام الجن، كما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام في حديث جابر بن عبد الله، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لكل عظم ذكر اسم الله عليه أن تجدوه أوفر ما يكون لحما». والحديث في مسلم. وذكر علماء أيضا علة أخرى: أن العظم لا يحصل به الاستنجاء وإزالة النجاسة، لا يحصل به التطهير؛ لأنه أملس، لأنه أملس فلا يزيل النجاسة. وأما الروث فكما سمعنا، فهذا ثابت، نهى عن الاستنجاء بالعظم والروث، ثابت بالأحاديث الصحيحة. وقوله: «إنهما لا يطهران»، هذه الزيادة كما علمنا أنها واهية، وهي ما فيها الحسن بن فرات. لكن أيضا معناها صحيح، معناها صحيح. فإذا استنجى الإنسان بعظم أو روث، فلا يحصل له طهارة بذلك، حتى يطهر بالماء أو بالحجر، حتى يطهر بالماء أو بالحجر. وكذلك أيضا علمنا أن الأشياء التي لها حرمة، فإنه كذلك لا يجوز الاستنجاء بها. قال رحمه الله: عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «استنزهوا من البول؛ فإن عامة عذاب القبر منه». رواه الدارقطني. هذا الحديث أخرجه الدارقطني رحمه الله من طريق محمد بن الصباح، قال: أخبرنا أزهر بن سعد السمان، عن ابن عون، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة. وسنده ضعيف؛ محمد بن الصباح، قال الذهب في الميزان: لا يعرف، خبره منكر، لا يعرف خبره منكر، فالحديث ضعيف. لكن قوله: «استنزهوا من البول»، هذا المعنى ثابت، ويدل عليه حديث ابن عباس في الصحيحين، حين مر النبي صلى الله عليه وسلم بقبرين، فقال: «إنهما ليعذبان، وما يعذبان في كبير»، أما أحدهما فكان لا يستنزه من البول، أما أحدهما فكان لا يستنزه من البول. والحديث أو المعنى: أنه كان لا يزيل البول إذا أصاب بدنه، ويتساهل في ذلك، رغم أنه إذا بال يأتي رشاش البول في بدنه، فيتركه ولا يغسله، فعذب بسبب ذلك. فيدل حديث ابن عباس على أنه يجب الاستنزاه من البول، وأن الإنسان إذا أصابه شيء من البول أن يزيله ويغسله، ولا يتساهل في ذلك، لا يتساهل في ذلك؛ لأن ذلك سبب لحصول العذاب. ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «وما يعذبان في كبير». وفي رواية: «وإنه لكبير»، يعني: ما يعذبان في شيء كبير، يتركه الإنسان، ليس بكبير عليه أن يستنزه من البول، أو يترك النميمة، لكنه ما تساهل في ذلك، ووقع في كبيرة من كبائر الذنوب. لهذا عد أهل العلم عدم الاستنزاه من البول من كبائر الذنوب، من كبائر الذنوب. وقد ذكر ذلك الحافظ ابن حجر رحمه الله، وكذلك الإمام الذهبي في كتاب الكبائر: أن عدم الاستنزاه من البول من كبائر الذنوب. وقوله: «فإن عامة عذاب القبر منه»، هذا لا يصح بهذا الحديث، لكن دل حديث ابن عباس على أن عدم الاستنزاه من البول من أسباب عذاب القبر، عدم الاستنزاه من البول من أسباب عذاب القبر. فيدل هذا على أنه يجب على المسلم أن يتنزه من البول، ولا يتساهل في ذلك، سواء كان بول إنسان، أنه قال في الحديث: «من بوله»، سواء كان بوله أو بول غيره من الناس. وأما الحيوان، فإن كان من حيوان لا يؤكل لحمه، فهو نجس يجب عليه أن يستنزه منه. وإن كان مما يؤكل لحمه، فهو طاهر لا يضر. قال: وللحاكم: «أكثر عذاب القبر من البول»، وهو صحيح الإسناد. نعم، هذا الحديث وهذه الرواية سندهما صحيح، فقد أخرجها الحاكم، وكذلك الدارقطني، كذلك من طريق عفان المسلم، قال: أخبرنا أبو عوان، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة. وهذا سند صحيح. لكن أعل الحديث بالوقف، قال الإمام أبو حاتم رحمه الله في العلل: رفعه باطل، قال: رفعه باطل. والدارقطني كذلك في العلل، قال: يشبه أن يكون الموقوف أصح، يشبه أن يكون الموقوف أصح. فعلى هذا، فلا يصح أيضا هذا الحديث: «أكثر عذاب القبر من البول». لكن كما سمعنا: أن كون التساهل في البول وعدم غسله من بدن الإنسان أو ثوبه، سبب للعذاب، هذا ثابت في حديث ابن عباس في الصحيحين. قال رحمه الله: عن سراقة بن مالك رضي الله عنه قال: «علمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في الخلاء أن نقعد على اليسرى وننصب اليمنى». رواه البيهقي بسند ضعيف. نعم، هذا الحديث لسراقة بن مالك، كما قال: رواه البيهقي بسند ضعيف، هو من طريق محمد بن عبد الرحمن، عن رجل من بني مدلج، عن أبيه، قال: قدم علينا سراقة وذكر الحديث. وقوله: «عن رجل من بني مدلج»، هذا مبهم غير معروف، فهو مجهول. وكذلك أيضا أبوه كذلك مجهول، فالسند لا يصح. وهذا الحديث فيه يعني استحباب هذه الجلسة عند الخلاء، إذا أراد الإنسان يقضي حاجته، أن يقعد على اليسرى، أن يتكئ على القدم اليسرى وينصب اليمنى، يرفع القدم اليمنى، وأن ذلك أيسر وأسهل في خروج الغائط. لكن هذا الحديث كما سمعنا لا يصح، لكن ثبت كما ذكر بعض أهل العلم، عن بعض أهل الطب: أن هذه الجلسة مفيدة، أن هذه الجلسة مفيدة للإنسان إذا أراد أن يقضي حاجته، فإنها أنفع وأيسر في خروج الغائط. فإذا كان الأمر كذلك، فتجوز وتفضل من حيث الطب، أما من حيث كونها سنة ثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم، فهذا لم يثبت. وإذا جلس بغير هذه الجلسة، فلا بأس، الأمر واسع. لكن إن فعل هذا من باب أنه أفضل وأسهل وأيسر لخروج ما يتيسر خروجه، فلا بأس. وبهذا القدر إلى هنا، صلى الله عليه وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين.