الدرس في كتاب الصلاة 66، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
درس يتناول صيغ التشهد المختلفة وسبب اختلافها واختيار الأئمة لها. يشرح المقطع اختلاف صيغ التشهد وسبب اختلافها.
يتناول اختلاف العلماء في أفضلية صيغ التشهد، حيث يرى بعضهم جواز التنويع بين الصيغ. يرى شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله أن التنويع هو الأفضل.
يتناول شرح صيغة السلام على النبي في التشهد، ويبين أن الأفضل التمسك بالصيغة الواردة في السنة. يشير إلى تفضيل الأئمة للصيغة المأثورة.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. ما بعد، فأخذنا في الدرس الذي مضى بعض مسائل التشهد، كيفية الجلوس، وكذلك أيضا أخذنا حكم التشهد الأخير. نأخذ في هذا الدرس، إن شاء الله وتعالى، نستغل الوقت في مسألتين: المسألة الأولى صيغ التشهد، والمسألة الثانية في قولي في التشهد "السلام عليك أيها النبي". فصيغ التشهد جاءت عن النبي عليه الصلاة والسلام بعدة صيغ، وأكثرها متقاربة، لكن تجد فيها بعض الكلمات تختلف. ولهذا الأئمة، تجد أنه من طريقة الأئمة رحمهم الله أنهم يختارون صيغة من هذه الصيغ، يستحبون أن تكون هي المقدمة. وهذا تجد في أذكار الصلوات، فيه أيضا كذلك صيغة التشهد، وصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام. والأصل أن هذا من الاختلاف التنوعي، كما ذكر الشيخ الإسلام ابن تيمية وغيره، الذي ليس فيه إنكار. فالمذاهب تجد أنه كل مذهب من الأئمة أخذ بحديث. فعند مالك رحمه الله أخذ بحديث عمر، تشهد عمر. فقد روى مالك عن يحيى بن سعيد، عن عبد الرحمن بن عبد القاري، أن عمر كان يعلم الناس على المنبر التشهد، فيقول: "التحيات لله، الزاكيات، الصلوات الطيبات، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته" إلى آخر التشهد. فزاد هنا كلمة "الزاكيات". وكان عمر يعلمهم هذا على المنبر، والحديث لم يذكر فيه أنه عن النبي عليه الصلاة والسلام. لكن أخذ العلماء أن عمر رضي الله عنه لما علم الناس لا بد أنه أخذه من رسول الله صلى الله عليه وسلم، لما يعلم عنه رضي الله عنه من شدة اتباعه للنبي عليه الصلاة والسلام، ولأن هذا ذكر غالبا ما سيأتي به إلا أنه من النبي عليه الصلاة والسلام. فقال مالك رحمه الله: وقد كان عمر يعلم الناس هذا التشهد وبحضور الصحابة رضي الله عنه، ففهم بعض أصحابه - أي أصحاب المذهب - أن مالكا يوجب أن يتشهد المرء بهذا التشهد. ولكن كما بيّن بعض الأئمة كالحافظ ابن رجب والحافظ ابن حجر وغيرهم، أن هذا ليس مراد مالك، وليس قصد الوجوب، وإنما قصد الاختيار، أن هذا أفضل. واختار الإمام الشافعي رحمه الله حديث ابن عباس، أو الصيغة التي جاءت في حديث ابن عباس: "التحيات المباركات الصلوات الطيبات لله، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا رسول الله". فهذا جاء أن ابن عباس أخرجه أحمد وابن داود وغيرهم. وفي هذا الحديث زيادة "المباركات" "التحيات المباركات الصلوات الطيبات لله". فقال الشافعي رحمه الله: أحب إلي هذا الحديث لابن عباس؛ لأنه أجمع، فنزداد فيه كلمة "مباركات". وأما الإمام أحمد رحمه الله فقد اختار حديث عبد الله بن مسعود الذي في الصحيحين، ذكره عنه علقمة والأسود عبد الرحمن بن الأسود وغيرهم من أصحابه. وصيغته أنه قال: "كنا نقول السلام على الله، والسلام على فلان". فقال النبي عليه الصلاة والسلام: "إذا قعد أحدكم في التشهد فليقل: التحيات لله، الصلوات الطيبات، السلام عليك أيها النبي، رحمة الله، بركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين". قال عليه الصلاة والسلام: "فإن قلتم ذلك فقد سلمتم على كل عبد صالح في السماء والأرض". ثم قال: "أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله". فهذا أيضا جاء في الصيغة التي اختارها الإمام أحمد، صيغة عبد الله بن مسعود؛ لأنه أصح حديثا. أنا اختاره أحمد لأنه أصح. ولا يحضر الآن ما اختاره الحنفية. لكن الصحيح في هذا أن هذه الاختيارات بسبب معناه، كل واحد اختار حديثا لسبب، إما لجمعه، وإما كما اختار مالك لأجل أن عمر علم الناس. لكن الصحيح الذي اختاره بعض الأئمة أن هذا لا بأس أن الإنسان يأتي بهذا تارة، وهذا تارة، وهذا تارة. وقد جنح إلى ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، على أنه أفضل. هذا أنه ليس المراد الالتزام بنوع، وأنه لا إنكار في هذا. ولهذا ذكر النووي وغيره إجماع علماء على جواز أن يأتي الرجل بأي صيغة من هذه الصيغ، بأي صيغة من صيغة التشهد يأتي بها فهي جائزة، فهي سنة عن النبي عليه الصلاة والسلام. إلا أنه كما قلنا بعض المالكية ادعى أن مالكا أوجب هذا، وليس بصحيح، بل إنه رأى أن هذا أفضل فقط. وإلا فكل الأئمة يرون جواز أنه يجوز أن يأتي بهذا وهذا، كلها ثابتة عن النبي عليه الصلاة والسلام. وما ثبت أيضا في هذا يثبت في هذا. ولهذا كان ابن عمر إذا جاء بالتشهد يقول: "أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن لا إله إلا الله". قال: وفي بعضها ويقول: "وسمعت بعضا عن النبي صلى الله عليه وسلم يقول وحده لا شريك له". أنا كأنه يريد أن يميز أنه لم يسمعه من النبي صلى الله عليه وسلم، لكن سمعها من صحابة آخرين. جاء ذلك بحديث عائشة: "أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله". فدل على أن الإنسان يأتي بأي صيغة ثبتت عن النبي عليه الصلاة والسلام، وكله جائز. والأفضل كما ذكر بعض الأئمة، ورجحه الشيخ الألباني، أنه الأفضل يأتي بهذا وهذا معنى. وهذا من التنويع في السنة. طيب، أما المسألة الثانية، وهي مسألة ما جاء في الصحيحين في حديث عبد الله بن مسعود، لما ذكر التشهد قال: "فلما مات رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قلنا السلام على رسول الله". على صيغة الغائب "السلام على رسول الله". معنى ما أتى به على صيغة المخاطبة "السلام عليك أيها النبي". وإنما قال "السلام على النبي". قال: "فلما مات - أي النبي عليه الصلاة والسلام - قلنا السلام على النبي". وهذا ثابت كما قلنا في الصحيحين عن عبد الله بن مسعود. وقوله "قلنا" هذا معنى فيه أنه ليس وحده، وإنما هناك من الصحابة من يقول هذا. وقد ثبت ذلك أيضا عن عائشة رضي الله عنها أنها تقول أيضا "السلام على النبي". واختار ذلك بعض السلف. لكن الأكثر على ما جاء عن النبي عليه الصلاة والسلام. أنا في المذاهب الأربعة وغيرهم يأتون بما جاء عن النبي عليه الصلاة والسلام "السلام عليك أيها النبي". ورأى الإمام أنه ليس فيه محذور؛ لأن هذا ذكر، والنبي عليه الصلاة والسلام يبلغه السلام. يبلغه السلام. والسلام على النبي صلى الله عليه وسلم في الصلاة مثل ما جاء في الصحيحين في حديث كعب بن عجرة، أن بشير بن سعد الأنصاري رضي الله عنه قال للنبي عليه الصلاة والسلام: "يا رسول الله، قد علمنا كيف نسلم عليك - أي في التشهد - فكيف نصلي عليك؟". فكيف نصلي عليك؟ فهنا السلام الذي قصده بشير بن سعد هو السلام الذي في التشهد "السلام عليك أيها النبي". وتبين أن النبي صلى الله عليه وسلم علمهم هذا "السلام عليك أيها النبي". ومعلوم كما قلنا أن السلام يصل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. ولهذا قال كثير من العلماء أن عمر رضي الله عنه كان يعلم الناس وهو على المنبر يعلمهم التشهد، وكان يقول: "السلام عليك أيها النبي". فلو كان هذا إجماعا من الصحابة كما قاله بعض العلماء أن هذا يعتبر إجماعا؛ لأن ابن مسعود يقول "كنا"، لكن الصحيح أنه ليس هناك إجماع. قد يكون ابن مسعود يريد به هو ومن يعرفه من كان في الكوفة من الصحابة. لكن عمر كان يعلم الناس على المنبر بعد موت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان يقول لهم قولوا: "التحيات لله، الزاكيات، الصلوات الطيبات لله، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين". فلهذا فالأفضل أن المسلم يقف عند اللفظ الذي جاء به الشرع. وقد يكون هذا اجتهادا من الصحابة؛ لأنهم رأوا أن هذا خطاب. لكن لو قال القائل مثلا: هذا الخطاب سواء كان النبي عليه الصلاة والسلام حاضرا أو قد مات عليه الصلاة والسلام؛ لأنهم يقولوا الشخص في صلاته فهو يقوله في غيبة. في معنى قد يكون في مكان بعيد ليس في المدينة، وقد يكون في المدينة وهو في المسجد مثلا، أو في مسجد قباء بعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم. فهذا أيضا يكون في غيبته. فالمهم أن الأفضل والأولى، وهو قول أكثر الأئمة، على أنه يأتي به الوارد "السلام عليك أيها النبي"؛ لأن هذا الذي ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام، ولم يأت معنى يزيح ذلك. والأمر الثاني أن السلام أصلا يبلغ النبي عليه الصلاة والسلام، يبلغ النبي عليه الصلاة والسلام. فلهذا لو قال: "اللهم صل عليه يا رسول الله"، ما في شيء. فهو الآن ليس مخاطبا للنبي عليه الصلاة والسلام، وإنما يصلي على النبي عليه الصلاة والسلام، وهو يعلم أن هذا السلام يصله. ولهذا كان عبد الله بن عمر إذا جاء من سفر فيأتي إلى قبر النبي عليه الصلاة والسلام ويقول: "السلام عليك يا رسول الله، السلام عليك يا أبا بكر، السلام عليك يا أبت". فهذا يدل على أنه خطاب، لكن هذا الأفضل أنه لا يكون إلا إذا كان ذكرا في الصلاة. معنى يجعله على صيغة الخطاب؛ لأنه ثبت هكذا في السنة، ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام، وقد تداوله الصحابة، وقد كان عمر يعلم الناس على هذا. وكذلك هو قول أكثر الأئمة على هذا. فالأمر سهل إن شاء الله تعالى، لكن الأفضل والأحوط أن يأتي بما جاء في الذكر. وتغيير الأذكار كما هو معروف أنه ليس بمرغوب. وأيضا كذلك قد جاء عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه لما قال البراء بن عازب في حديث المناولة في الاضطجاع في النوم، فقال: "اللهم أسلمت وجهي إليك، وفوضت أمري إليك، وألجأت ظهري إليك، رغبة ورهبة إليك، آمنت بكتابك الذي أنزلت، وبنبيك الذي أرسلت". فلما عاده البراء قال: "وبرسولك الذي أرسلت". فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: "لا، وبنبيك الذي أرسلت". فدل على أن ألفاظ الأذكار توقيفية، يعني يأتي بما جاء عن النبي عليه الصلاة والسلام. فلهذا فيقول "السلام عليك أيها النبي"، ولا يقول "السلام على النبي". فهذا خلاصة هذه المسألة. فإن شاء الله تعالى نكمل بهذه والله تعالى.