الدرس في كتاب الصلاة 67، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
اختلف العلماء في حكم الصلاة على النبي في التشهد الأخير بين فرضة وواجبة وسنة. استعرض المقطع آراء أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد في هذه المسألة.
استعرضت الأدلة من الأحاديث النبوية على وجوب الصلاة على النبي في الصلاة، مستشهدا بروايات البخاري ومسلم وأحمد وأبي داود. وأكد أن العلماء اتفقوا على أن موضعها يكون بعد التشهد.
استدل بعض العلماء بحديث فضالة بن عبيد على وجوب الصلاة على النبي في التشهد الأخير. الصحيح أنها واجبة في الصلاة، واختلفوا في حكم تركها عمدا أو سهوا.
يجوز اختصار الصلاة الإبراهيمية لكن الأفضل إتمامها كما ورد عن النبي. أفضل صيغة لها ما جاء في حديث كعب بن عجرة، وتذكر في حديث عائشة وفي رواية مسلم.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاهما، بعد. قال المؤلف رحمه الله تعالى: والصلاة على النبي صلى الله عليه وآله وسلم في التشهد الأخير سنة عند أبي حنيفة أو مالك، وقال الشافعي فرض، وقال أحمد: إن تركها بطلت صلاة. فأيضا من مسائل التشهد الصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام في التشهد الأخير، والتشهد الأول نأخذ إن شاء الله تعالى ما ذكره هنا المؤلف التشهد الأخير. فالصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام قد أمر الله عز وجل بها، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾، فالصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام موجبة بالأمر بها. ولهذا ذكر الإمام الشافعي رحمه الله في الأمر أن هذه الآية جاءت بالأمر بالصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام، وأعظم المواضع التي يكون فيها يتمثل هذا الأمر ويمتثل هذا الأمر هو في الصلاة، هكذا قال الإمام الشافعي رحمه الله. ولهذا عند الشافعي أنها فرض، وأن ركن من أركان الصلاة أن تركها بطلت صلاة، وهو قول أحمد أيضا فيما رجع إليه. وإلا كان قول أحمد -لما قيل له كما ذكر أبو عبد الله المروزي- قيل له: إن إسحاق بن إبراهيم يقول: إن من لم يصل على النبي عليه الصلاة والسلام في التشهد الأخير صلاته باطلة، فقال أحمد: «ما اجترأ على هذا»، قال: «ما اجترأ على هذا». ثم إنه رحمه الله قال في رواية أخرى: «فبينت ذلك، فرأيت أنه من تركها بطلت صلاة». فلهذا جاءت ثلاثة أقوال عن أحمد: أنه سنة مثل قول أبي حنيفة ومالك، وأنه ركن تبطل الصلاة بتركه، وأنه واجب إن تركه عمدا بطلت الصلاة، وإن تركه سهوا يسجد للسهو. فهذا الذي اختاره من أصحابه الخرقي صاحب المختصر، وكذلك أبو البركات بن تيمية على أنها واجبة وليست ركنا. وأما المشهور في مذهب الحنابلة أنها ركن، المشهور عند الحنابلة أنها ركن. طيب، الأدلة التي جاءت في فرضية الصلاة لم يأت دليل صريح إلا الآية، والآية كما قلنا وجهها الإمام الشافعي إلى هذا. لكن اعترض عليه جماعة من أهل العلم من المالكية وغيرهم، وأن هذا فيه تخصيص للعام والتقييد للمطلق، القاعدة المعروفة أن العام لا يخصص إلا بدليل، وأيضا كذلك المطلق لا يقيد إلا بدليل. لكن الإمام الشافعي هنا قيده بالمعنى، وهذه قاعدة مختلفة فيها، معنى هل يقيد اللفظ العام واللفظ المطلق بالمعنى؟ ولهذا فالإمام الشافعي هنا ذهب إلى هذا. وجاءت الأدلة معنى في الصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام، ومن أصح هذه الأدلة ما جاء في الصحيحين فيما رواه البخاري من طريق آدم بن أبي إياس العسقلاني، ورواه شعبة، ورواه مسلم من طريق شعبة، كلاهما عن الحكم، عن ابن أبي ليلى، عبد الرحمن بن أبي ليلى، أنه قال: «لقيني كعب بن عجرة رضي الله عنه، فقال لي: ألا أهدي لك هدية؟! فإن النبي عليه الصلاة والسلام خرج علينا، فسأله رجل منا، فقال: يا رسول الله، قد علمنا السلام عليك، فكيف الصلاة عليك؟ -أي في التشهد- فكيف الصلاة عليك؟ قال النبي عليه الصلاة والسلام: «قولوا: اللهم صل على محمد، وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم، وآل إبراهيم، إنك حميد مجيد، وبارك على محمد، وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم، وآل إبراهيم، إنك حميد مجيد». وجاء أيضا عند مسلم أن في حديث عقبة بن عمرو، وفي حديث أبي مسعود الأنصاري رضي الله عنه، رواه الإمام مسلم من طريق محمد بن إبراهيم، عن أبي مسعود البدري الأنصاري، أنه قال: «جاءنا النبي عليه الصلاة والسلام، فقال له بشير بن سعد: يا رسول الله، قد علمنا السلام عليك، فكيف نصلي عليك؟ قال: «قولوا: اللهم صل على محمد، وآل محمد»». وذكر صلاة على النبي عليه الصلاة والسلام، وذكرها في صحيح مسلم. وفي رواية عند أحمد، بل جاءت حتى عند أبي داود أنه قال: «قال: إذا صليتم فقولوا»، قال: «إذا صليتم فقولوا». فهنا إذا صليتم، أي: هل هو الصلاة هذه أم المراد إذا صليتم أي عليه؟ إذا صليتم عليه. فبعضهم حملها على هذا على الوجوب، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا صليتم فقولوا: اللهم صل على محمد، وعلى آل محمد». وجاءت رواية عند أحمد، رواها من طريق ابن إسحاق، محمد بن إسحاق بن يسار صاحب السيرة، فقال: حدثني محمد بن إبراهيم، أن أباه، عن أبي مسعود البدري، وفيه قال: «قالوا: يا رسول الله، كيف نصلي عليك إذا نحن صلينا؟ كيف نصلي عليك إذا نحن صلينا؟ قال: «قولوا: اللهم صل على محمد، وآل محمد»». فهذه الزيادة التي زادها ابن إسحاق لم يزدها غيره، لكن المعنى يقتضيها، معنى الحديث يقتضي أن المراد به الصلاة؛ لأنه قالوا: قد علمنا السلام عليك، فكيف نصلي عليك؟ فمعنى ذلك أي في التشهد وفي الصلاة. فلهذا دلت هذه الأحاديث على وجوب الصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام في الصلاة. لكن اتفق العلماء على أن موضع الصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام بعد التشهد، بعد التشهد. ولم يأت دليل صريح يدل على ذلك، ليس هناك دليل صريح يدل على أن الصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام بعد التشهد. وجاء عند أحمد وأبي داود من حديث فضالة بن عبيد رضي الله عنه، أنه قال: «أن النبي عليه الصلاة والسلام سمع رجلا يصلي، فلم يحمد الله ولم يصل على النبي عليه الصلاة والسلام، فقال عليه الصلاة والسلام: «عجل هذا!» ثم قال: «ثم ناداه، فقال له: إذا صلى أحدكم فليبدأ بتحميد ربه، ثم ليصل عليه». فدل هذا الحديث على وجوب الصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام؛ لأنه أمره به. لكن لم يدل على الفرضية؛ لأنه لم يأمره بإعادة الصلاة، لم يأمره بإعادة الصلاة. وهذا مما استدل به من قال بالوجوب، وهي رواية عن أحمد، وقول إسحاق بن إبراهيم، وقول بعض أصحاب أحمد، كما قلنا: الخرقي، وابن قدامة، وجماعة من أصحابه، فاستدل بهذا على وجوب الصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام، لكنها ليست فرض؛ لأنه لو كانت فرضا لأمره بإعادة الصلاة. فقال بعض الشافعية: قالوا: كيف يعيد الصلاة وهو لا يعلم أصلا بمشروعيتها؟ لكن هذا الجواب ليس بصحيح؛ لأنه لا زال الوقت، والنبي عليه الصلاة والسلام لما دخل ذاك الرجل وصلى ولم يحسن الصلاة، قال: «صل؛ فإنك لم تصلي»، وهو لا يعلم إلا هذه الصلاة التي يصليها. فلهذا ما دام أنه وقت، لو كانت الصلاة غير صحيحة لأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يعيد الصلاة. فلهذا فالقول الصحيح في هذه المسألة أنه يقال: إنه واجب، وهو الذي رجحه الشيخ الألباني رحمه الله عليه في صفة الصلاة، أنه يقال: إنها واجب الصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام. لكن على الخلاف الموجود، إذا تركها عمدا، فعند إسحاق أنها تبطل صلاته، وهو أيضا رواية عن أحمد. وعند أحمد في رواية أنها لا تبطل. ومن تركها سهوا فيسجد للسهو، وأن يجبر ذلك بسجود سهو. فهذا خلاصة ما يذكر في الصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام في التشهد الأخير. فالصحيح أنها واجبة في الصلاة. ولهذا لو قال قائل: إنه واجبة في الصلاة من جاء بها في التشهد الأول والتشهد الأخير لما أبعد. لكن الله أعلم هل أحد يقول بهذا القول؟ لكن المعروف أنهم يقولون: في التشهد الأول مستحبة، وأما في التشهد الأخير سيأتي إن شاء الله. أقصد في التشهد الأخير، وأما الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في التشهد الأول سيأتي إن شاء الله تعالى ذكرها؛ لأنه أكثر العلماء لا يرون استحبابها فضلا عن وجوبها. فهذا خلاصة إن شاء الله تعالى ما يذكر في الصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام. وأما الصلاة على الآل، فجمهور العلماء على أنها ليست بواجب، وهو الصحيح. صحيح أن الصيغ التي جاءت كلها في الآل، لكنه لم يأمر بالآل نفسها. ولهذا يجوز أن يختصر الإنسان، لكن الأفضل أن يأتي بما جاء عن النبي عليه الصلاة والسلام، وخاصة في الصلاة يأتي بالصلاة المشروعة. وأفضلها ما جاء في حديث كعب بن عجرة: «اللهم صل على محمد، وآل محمد، كما صليت على إبراهيم، وآل إبراهيم، إنك حميد مجيد، وبارك على محمد، وآل محمد، كما باركت على إبراهيم، وآل إبراهيم، إنك حميد مجيد». وأما في العالمين، هذه جاءت في رواية مسلم، ليس في هذا الحديث، وإنما في حديث عائشة.