الدرس في كتاب الصلاة 64، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
تناول آراء الفقهاء حول التشهد الأول وجلوسه في الصلاة، حيث اختلفوا بين وجوب التشهد والجلوس وبين استحبابهما. استعرض أدلة كل فريق من القرآن والسنة النبوية.
يناقش أدلة وجوب التشهد الأول في الصلاة، مستشهدا بحديث عبد الله بن بحينة وأحاديث أخرى. هذه الأدلة تشير إلى أهمية التشهد الأول ووجوبه، وأن تركه يستوجب سجود السهو.
التشهد واجب من واجبات الصلاة، وقد اختلف العلماء في حكمه، ولكن الراجح أنه واجب. الخلاصة أن حكم التشهد هو الوجوب.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. قال المؤلف رحمه الله في مزيد النعمة: قال واختلفوا في التشهد الأول وجلوسه، فقال الثلاثة: التشهد الأول مستحب، وقال أحمد: واجب. فهذه المسألة مسألة التشهد الأول، وأيضا جلوسه، معنا هاتان مسألتان يتعلق بعضهما ببعض، لأن التشهد ظرفه الجلوس، مكانه الجلوس، فلهذا فحكمهما عند أكثر العلماء واحد، ولم يفرق إلا بعض المالكية، فرقوا بين حكم الجلوس والتشهد، فقالوا: إن الجلوس واجب، والتشهد سنة، لكن هذا الكلام غير صحيح، لأن الأدلة أكثرها في التشهد، وليس في الجلوس. كما قال المؤلف: إن الثلاثة قالوا: التشهد الأول مستحب، لكن هذا خطأ، أبو حنيفة ومذهب حنيفة، والذي عليه عامة أصحابه: أنه واجب، أنهما واجبان، التشهد والجلوس واجبان. وهناك من الحنابلة من يقول: إن التشهد والجلوس ركنان، وهي رواية تذكر عن أحمد. والظاهر أن هذا إنما ذكره بعضهم، لأن أحمد يقول في رواية عنه: بأنه إذا ترك التشهد الأول بطلت صلاته، وهذا قول إسحاق بن إبراهيم على أنها تبطل صلاة إذا تركه تعمدا. ولعل لهذا القول قالوا: إنه قال ركنا، وإلا المشهور عنه، والمشهور في المذهب: أنه واجب وليس بركن، لكن أيضا المشهور في المذهب عندهم: أنه إذا تركه تعمدا بطلت صلاة، عندهم الواجب إذا ترك تعمدا بطلت صلاة، وهذا كما قلنا قول إسحاق بن إبراهيم في جميع الواجبات التي في الصلاة. هناك مسألة قد ذكرناها قبل مسألة الواجبات والمستحبات، وإن شاء الله لعلنا إن جاءت فرصة نعيدها في آخر الصلاة. الآن هذه المسألة التشهد الأول ومسألة جلوسه، فذكر المؤلف هنا هذه الأقوال بالوجوب، وكذلك بالاستحباب. والأدلة جاءت معنا، جاءت أدلة في التشهد تفيد الوجوب. من هذه الأدلة مثلا ما جاء في البخاري ومسلم من حديث الأعمش عن أبي وائل عن عبد الله بن مسعود، ورواه كذلك منصور عن إبراهيم عن أبي وائل عن عبد الله بن مسعود، أن عبد الله بن مسعود قال: كنا نقول في الصلاة السلام على فلان، السلام على الله، السلام على فلان، السلام، قال: فسمعنا النبي صلى الله عليه وسلم فقال: لا تقولوا سلام على الله، فإن الله هو السلام، ولكن قولوا: التحيات لله، الصلوات، الطيبات، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين. قال عليه الصلاة والسلام: فإذا قلتم ذلك أصابت كل عبد صالح في السماء والأرض، أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله إلى آخر الحديث، ثم قال: يتخير من الدعاء ما شاء. فهذا الحديث قال العلماء: يفيد الوجوب، لأنه قال: قولوا، ولكن قولوا التحيات. لكن الشافعية وغيرهم لما قالوا بالسنة، قالوا: هذا الحديث إن لم يأت به النبي صلى الله عليه وسلم ابتداعا، وإنما أراد أن يعلمهم ماذا يقولون، فقال: لكن قولوا في هذا، فليس هو أمر ابتداء، فلهذا قالوا: لا يدل على الوجوب. وأيضا النبي صلى الله عليه وسلم قال: ثم ليتخير من الدعاء ما شاء، ولم يوجب أحد هذا الأمر إلا ابن حزم. الدعاء في التشهد الأول أكثر العلماء يقولون: الشافعية والحنفية والمالكية كذلك يقولون: إنه لا يشرع، وكذلك هو أيضا مذهب الشافعية، ورواية عن أحمد أنه يقول: يشرع الدعاء، لكن ما يقول بالوجوب، قال بالوجوب وبالفرضية ابن حزم استدلالا بهذا الحديث، فلهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: ثم ليتخير من الدعاء ما شاء. لكن يقال: إنه لم يأت به الأمر، وإنما الأمر جاء في التحيات، قولوا: التحيات لله، وبعد هذا قال: ثم ليتخير من الدعاء ما شاء، له كأنه لام هنا جاءت لام المشيئة، فلهذا فليس هو بالأمر. وهناك أيضا حديث آخر أخرجه أيضا البخاري ومسلم، حديث حطان الرقاشي، رواه قتادة عن حطان الرقاشي عن أبي موسى الأشعري، والحديث طويل، وفيه أيضا أنه قال: وقولوا التحيات لله، مباركات الطيبات الزاكيات إلى آخر الحديث، ففيه أيضا كذلك الأمر. واستدل كثير من أهل العلم بوجوب خاصة الحنابلة بوجوب التشهد بما جاء في صحيح البخاري ومسلم، رواه عن ابن عباس طاوس، ورواه أبو الزبير وسعيد بن جبير عن طاوس عن ابن عباس أنه قال: كان النبي عليه الصلاة والسلام يعلمنا التشهد كما يعلمنا السورة من القرآن، فكان يقول: إذا قعدتم فقولوا التحيات لله إلى آخر الحديث. التحيات لله المباركات الطيبات، وهذا الذي اختاره الإمام الشافعي رحمه الله في التشهد وتقديم المباركات بعد التحيات، فهذا الحديث قال: كان يعلمنا التشهد كما يعلمنا السورة من القرآن، فهذا يدل على أنه واجب مثل السورة مثل الفاتحة. لكن هذا الاستدلال فيه ضعف، لأن في حديث جابر في الصحيحين في تعليم الاستخارة قال: كان يعلمنا الاستخارة كما يعلمنا سورة من القرآن. وأيضا في حديث أبي هريرة الذي رواه مسلم، حديث العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة أنه قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يعلمنا التشهد كما يعلمنا السورة من القرآن. فهذا لا يدل على الوجوب، وإنما فقط على حرص النبي عليه الصلاة والسلام على هذا. في حديث أيضا حديث الأعمش عن إبراهيم رواية عن عبد الله بن مسعود في خطبة الحاجة، كان يعلمنا خطبة الحاجة كما يعلمنا السورة من القرآن، فهذا كله لا يدل على الوجوب، وإنما يدل على الاهتمام النبي صلى الله عليه وسلم بتعليمهم لفظ التشهد. هناك رواية استدل بها كثير من أهل العلم على الوجوب، رواية جاءت عند النسائي من طريق إسحاق بن إبراهيم السبيعي، رواها عن الأسود أو عن أبي وائل عن عبد الله بن مسعود، فهذه الرواية فيها قال النبي عليه الصلاة والسلام: إذا قعدتم في التشهد فقولوا التحيات، إذا قعدتم في التشهد فقولوا التحيات، فهذا صريح على أنه أمر ابتداء. ثم قالوا هناك في مناقشة الأحاديث، قالوا: هذه الأحاديث ليست ابتداء في الأمر، وإنما قاله بعد أن بيّن أن القول السلام على الله خطأ. وهنا قالوا: إن بعض المحدثين قال: هذا اختصار من إسحاق، الأعمش رواه وإبراهيم وجماعة رووه بالقصة التي ذكرها في حديث الأعمش أنه كانوا يقولون كذا وكذا ثم قال. والظاهر أن إسحاق اختصر الحديث، اختصر الحديث وجاء بالشاهد، وهو قولهم: قولوا التحيات، فالأمر شاهد. لكن هذه الصيغة تدل على الوجود، لو لم تقل على الوجود، مثلا لو صار من كلام النبي صلى الله عليه وسلم: لا حرج أن تقولوا كذا، أنا إذا كان المراد أنها مستحب وكذا، لكن جاء على طريقة الأمر، فالأصل أنها واجبة. وأما الذين قالوا بعدم الوجوب استدلوا بحديث معنا حديث أبي هريرة المعروف في الذي لم يحسن صلاته، أو المسيء صلاته، لأن بعض العلماء كما قلنا يقول: الذي لم يحسن صلاته، وبعضهم يقول: المسيء لأن المسيء بعضهم رأى أن هذا فيه شيء من الطعن في الصحابة، فلهذا قالوا: الأفضل أن يقال: الذي لم يحسن صلاته. في الرجل الذي لم يحسن صلاته لأنه قال: والله يا رسول الله ما أحسن غيرها، فعلمني. فهذا الحديث المهم جاء لم يذكر فيه التشهد الأول ولا التشهد الأخير، سيأتي إن شاء الله تعالى معنا الكلام على التشهد الأخير، فقالوا: هذا يدل على عدم الوجوب. لكن هذا الاستدلال كما يقال: يتيم، لو دل على عدم الوجوب لدل أيضا على عدم وجوب التشهد الأخير، وغالب الأوامر التي جاءت في هذا وفي هذا، ولهذا سيأتي إن شاء الله تعالى معنا بعض كلام العلماء من الحنابلة قال: إن التشهد الأخير واجب مثل التشهد الأول. وكذلك أيضا من الأدلة التي جاءت في هذا حديث عبد الله بن بحينة في الصحيحين، حديث عبد الله بن مالك بن بحينة، فهذا الحديث النبي صلى الله عليه وسلم لما نسى التشهد الأول وقام فلم يرجع، فقال العلماء: لو كان واجبا لرجع، ولو كان ركنا لرجع وجبره بالسجود. وجاء كذلك عن جمع من الصحابة عن عدي بن حاتم، عن المغيرة بن شعبة، وعن أنس، وجاء عن جماعة أنهم ذكروا عن النبي صلى الله عليه وسلم هذا، أنه كان إذا قام حتى جاء في حديث عدي والمغيرة: أن العبد إذا قام من الصلاة إذا استوى فلا يجلس، معنى إذا استوى قائما لا يجلس، وإن لم يستوي فيجلس، معنى إذا ذكر أو ذكر وهو لم يستوي بعد فإنه يجلس، ولا سجود عليه، وإذا استوى لا يرجع يستمر في صلاته ثم يسجد سجود السهو. هذه سنة كما جاء في حديث عدي أنها سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهذا الحديث هل هو يدل على عدم الركنية وعدم الوجوب؟ فاستدل به شافعية وغيرهم على أن هذا الحديث يدل على عدم الوجوب، فقيل لما سجد قالوا: السجود حتى على السنة. لكن هذا الحديث لا يدل على ذلك، بل يدل على أهميته، والنبي صلى الله عليه وسلم كان مواظبا عليه، ولما تركه سجد للسهو، ولما تركه سجد للسهو، فهذا يدل على أنه ليس فقط سنة، شافعية يقولون: إنه سنة مؤكدة، ويسجد للسهو لهذا. الشافعية عندهم الأفعال الملتصقة بالصلاة فإن لم تكن ركنا فهي يقولون: سنة مؤكدة، معنا ما يسمونها واجب، سمونها سنة مؤكدة، ولهذا عندهم السنة المؤكدة في المذهب معناه في الصحيح المذهب: أنه متى تركت السنة المؤكدة سواء كان عمدا أو سهوا يسجد للسهو. لهذا تجد الشافعية إذا ترك الإنسان القنوت مثلا عندهم القنوت والتشهد الأول إذا ترك القنوت متعمدا يسجد للسهو، وإذا تركه سهوا يسجد للسهو، وكذلك أيضا التشهد الأول عندهم إذا ترك سواء كان متعمدا أو ساهيا ساهيا فإنه يسجد للسهو ولا يؤثر على الصلاة. فخلاصة الأمر أن هذا الحديث لا يدل على عدم السجود أو عدم الوجوب، ولا يدل كذلك على الوجوب، لكن أخذنا الوجوب من الأدلة التي تقدمت. وهناك أيضا دليل يستدل به كثير من الحنابلة ويستدل به ابن حزم على الفرضية، وهو أن كل شيء مواظب عليه النبي عليه الصلاة والسلام في الصلاة فإنه يكون من الواجبات. كل شيء مواظب عليه النبي عليه الصلاة والسلام ولو لم يأمر به ولو لم يأمر به فهو من الواجبات لقول النبي عليه الصلاة والسلام: صلوا كما رأيتموني أصلي، هذه القاعدة عند الحنابلة في المشهور في المذهب عندهم، وكذلك عند ابن حزم، لكن ابن حزم يقول: فرض، ابن حزم يقول: كل ما مواظب عليه النبي صلى الله عليه وسلم فهو ركن في الصلاة، من تركه بطلت صلاته، وهذا لا دليل عليه. لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يعلم هذا الرجل الذي جاء ودخل وصل لم يعلمه هذه الأشياء، فدل على أنها ليست أركانا، لكن قد تكون واجبات، لأن حديث حديث أبي هريرة في الذي دخل ولم يحسن صلاته فإنه علمه الأركان، ولهذا اتفق العلماء أهل المذاهب جميعا أن ما جاء في حديث أبي هريرة خاصة ليس حديث الرفاع بن رافع، ما جاء في حديث أبي هريرة في هذا الحديث الذي علمه النبي صلى الله عليه وسلم من الصلاة هو ركن. كل ما جاء فيه أركان، كل ما جاء فيه أركان اتفقوا على هذا إلا بعض العلماء من بعض المذاهب. فخلاصة ما يذكر في هذا الباب أن الصحيح أن التشهد والجلوس له من الواجبات من واجبات الصلاة، فإن تركه سهوا أجبر بالسجود. والصحيح أنه لا يرجع كما سيأتي إن شاء الله تعالى معنا في المسائل التي نذكرها في التشهد، لكن هنا هذه المسألة مسألة حكم التشهد، والصحيح أنه واجب من واجبات الصلاة، فهذا خلاصة ما يذكر في هذه المسألة، ونكتفي بهذا والله تعالى أعلم.