الدرس في كتاب الاعتصام من صحيح البخاري 11، ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة
يستعرض هذا المحور أحاديث تحديد مواقيت الإحرام لأهل نجد والشام والمدينة واليمن والعراق، ويوضح قصة أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالصلاة في وادي العقيق المبارك وقوله عمرة في حجة. كما يسرد سبب نزول آية ليس لك من الأمر شيء إثر دعاء النبي على بعض المشركين في صلاة الفجر.
يشرح المحور الفرق بين السبط وهو ابن البنت والحفيد وهو ابن الابن، ويذكر حديث زيارة النبي صلى الله عليه وسلم لعلي وفاطمة ليلاً وقوله ألا تصلون. ثم يسرد قصة دعوة النبي لليهود في المدينة للإسلام وردهم عليه وإجلاء قبائلهم الثلاث بسبب خيانتهم ونقضهم العهود وصولاً إلى إجلاء عمر لليهود من خيبر.
يفسر المحور قوله تعالى وكذلك جعلناكم أمة وسطا مبيناً أن الوسطية تعني العدل والخيرية، ويستعرض قصة نوح عليه السلام مع قومه يوم القيامة وشهادة هذه الأمة على الأمم السابقة. ثم ينتقل إلى حديث النهي عن الربا في بيع التمر بالتمر وغيره من الأصناف الربوية مؤكداً وجوب المثل بالمثل يداً بيد ويختم بأهمية الاعتصام بالكتاب والسنة للنجاة من الفتن والضلال.
يختتم المتحدث بدعاء يسأل الله فيه العصمة بالكتاب والسنة والنجاة من الضلال، ويصلي على النبي محمد وآله. ويختم بالحمد لله رب العالمين مع الإشارة إلى أن الترجمة من إعداد نانسي قنقر.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على من أرسله ربه رحمة للعالمين بشيرا ونذيرا وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا. أما بعد، قال الإمام أبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري رحمه الله تعالى في كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة من صحيحه، ونحن نقرأ في باب ما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم وحض على اتفاق أهل العلم، وما أجمع عليه الحرمين: مكة والمدينة، وما كان بها من مشاهد النبي صلى الله عليه وسلم والمهاجرين والأنصار، ومصلى النبي صلى الله عليه وسلم، والمنبر، والقبر. قال رحمه الله تعالى في تتمة أحاديث هذا الباب: قال رحمه الله تعالى: حدثنا سعيد بن الربيع، قال: حدثنا علي بن المبارك، عن يحيى بن أبي كثير، قال: حدثني عكرمة، قال: حدثني ابن عباس، أن عمر رضي الله عنه حدثه، قال: حدثني النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «أتاني الليلة آت من ربي وهو بالعقيق: أن صَلِّ في هذا الوادي المبارك، وقل: عمرة وحجة». وقال هارون بن إسماعيل: قال: حدثنا علي، قال: حدثنا علي: «عمرة في حجة»، أي: قل: عمرة في حجة. والعقيق وادٍ مبارك يقع خارج المدينة في ميقات أهل المدينة الذي يسمى بذي الحليفة. قال رحمه الله تعالى: قال: حدثنا محمد بن يوسف، قال: حدثنا سفيان، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر، قال: وقت النبي صلى الله عليه وسلم قَرَنًا لأهل نجد، أي: قرن المنازل، ويسمى بقرن الثعالب، ميقات أهل نجد. وقال: والجحفة لأهل الشام، وذي الحليفة لأهل المدينة. قال: سمعت هذا من النبي صلى الله عليه وسلم، وبلغني أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ولأهل اليمن يَلَمْلَم». قال: وذكر العراق، فقال: «لم يكن عراق يومئذ»، وجاء بعد ذلك أنه وقت لأهل العراق ذات عرق، يعني: ميقاتا لهم في الحج والعمرة. وفي خلافة عمر، لما جاء أهل العراق إلى عمر يطلبون منه أن يحدد لهم ميقاتا، اجتهد عمر فوافق اجتهاده ما كان حدده النبي صلى الله عليه وسلم، وهو ذات عرق. قال رحمه الله تعالى: قال: حدثنا عبد الرحمن بن المبارك، قال: حدثنا الفضيل، قال: حدثنا موسى بن عقبة، قال: حدثنا سالم بن عبد الله، وسالم هو ابن عبد الله بن عمر، أحد فقهاء المدينة السبعة، قال: عن أبيه، أي: عبد الله بن عمر، قال: عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أُرِيَ وهو في معرسه بذي الحليفة، فقيل له: «إنك ببطحاء مباركة». والتعريس هو النوم ليلا، ويكون ذلك في سفر ونحوه. وبات تلك الليلة في ذي الحليفة، وقيل له: «ماذا هذا الوادي المبارك»؟ يعني به وادي العقيق. قال رحمه الله تعالى: قال: باب قول الله تعالى: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾. قال: حدثنا أحمد بن محمد، قال: أخبرنا عبد الله، قال: أخبرنا معمر، عن الزهري، عن سالم، عن ابن عمر، أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول في صلاة الفجر، ورفع رأسه من الركوع، قال: «اللهم ربنا ولك الحمد»، في الأخيرة، أي: في الركعة الأخيرة. قال: ثم قال: «اللهم العن فلانا وفلانا». قال: فأنزل الله عز وجل: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾. قال رحمه الله تعالى: قال: باب قوله تعالى: ﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا﴾، وقوله تعالى: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾. قال رحمه الله تعالى: قال: حدثنا أبو اليمان، قال: أخبرنا شعيب، عن الزهري، قال: حا، أي: تحويل السند. قال: حا: حدثني محمد بن سلام، قال: أخبرنا عتاب بن بشير، عن إسحاق، عن الزهري، قال: أخبرني علي بن حسين، أن حسين بن علي، وهو الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنهما، سبط رسول الله صلى الله عليه وسلم. وما هو المقصود بالسبط؟ ما هو المقصود بسبط؟ الحسن والحسين سبطا رسول الله صلى الله عليه وسلم، حفيذه، يعني: ابن من ابن من ابنته. فابن البنت يقال له: سبط، وابن الابن يقال له: حفيد. ابن الابن يقال له: حفيد، وابن البنت يقال له: سبط. قال: أخبره أن علي بن أبي طالب قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم طَرَقَهُ وفاطمة عليها السلام بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال لهما: «ألا تصلون»؟ فقال علي: فقلت: يا رسول الله، إنما أنفسنا بيد الله، فإذا شاء أن يبعثها... أن يبعثها... قال: فانصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قال له ذلك، ولم يرجع إليه شيئا. قال: ثم سمعه وهو مدبر يضرب فخذه، وهو يقول: «وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا، وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا». قال أبو عبد الله، يعني البخاري: يُقال: ما أتاك ليلا فهو طارق، ويقال: الطارق النجم، والثاقب المضيء. يُقال: أثقب نارك للموقد. فقوله: «إن رسول الله صلى الله عليه وسلم طرقه وفاطمة»، أي: أنه أتاهما ليلا، أتاهما ليلا. قال رحمه الله تعالى: قال: حدثنا قتيبة، قال: حدثنا الليث، عن سعيد، عن أبيه، عن أبي هريرة، قال: بَيْنَا، وبَيْنَمَا بمعنى بينما. قال: نحن في المسجد، خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: «انطلقوا إلى يهود». قال: فخرجنا معه حتى جئنا إلى بيت المدراس، فقام النبي صلى الله عليه وسلم فناداهم، أي: نادى اليهود، فقال: «يا معشر يهود، أسلموا تسلموا». فقالوا: قد بلغت يا أبا القاسم. وأبو القاسم كنية النبي صلى الله عليه وسلم، وكان عليه الصلاة والسلام يقول: «تسموا باسمي، ولا تكنوا بكنيتي». قالوا: قد بلغت يا أبا القاسم. قال: فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ذلك أريد، أسلموا تسلموا». فقالوا: قد بلغت يا أبا القاسم. فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ذلك أريد». ثم قال: «ها الثالفة»؟ فقال: أي: النبي صلى الله عليه وسلم: «فاعلموا أنما الأرض لله ورسوله، وأني أريد أن أجليكم من هذه الأرض، فمن وجد منكم بماله شيئا فليبلغه، وإلا فاعلموا أنما الأرض لله ورسوله». ومما ينبغي أن يعلم: أن النبي صلى الله عليه وسلم لما هاجر من مكة إلى المدينة، كان بالمدينة ثلاث قبائل من اليهود: بنو قريظة، وبنو النضير، وبنو قينقاع. وكانوا يحيكون المؤامرات، ويزرعون الدسائس والفتن، وكانوا يشعلون نيران الحروب. كلما أوقدوا نارا للحرب أطفأها الله، ويسعون في الأرض فسادا، والله لا يحب المفسدون. هكذا كانوا، وهم لا يزالون على ذلك. الحروب التي تقوم هنا وهناك، جلها إن لم يكن كلها، اليهود هم الذين يثيرون نيرانها. فبسبب خيانتهم، وبسبب مكرهم ومفتعلاتهم بالمدينة، أجل النبي صلى الله عليه وسلم أول هذه القبائل بعد غزوة بدر، وكانت قبيلة بني قينقاع. ثم بعد غزوة أحد كان إجلاء بني النضير. وبعد الخندق كان الحكم في يهود بني قريظة الذين خانوا ونقضوا العهود، وكان الحكم فيهم: حكم فيهم سعد، أو سعد بن معاذ، أن من كان بالغا مقاتلا تضرب عنقه، والنساء والذراري الذين لم يبلغوا هؤلاء يكونون سبيا للمسلمين. فأزيل اليهود من المدينة، وبقوا في خيبر، وفدك، وتيماء، ووادي القرى، وغيرها من المناطق. فكان بعد ذلك فتح خيبر، وكان في خلافة عمر إجلاء اليهود من خيبر. قال رحمه الله تعالى: قال: باب قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾، ووسطا: أي: عدولا وخيارا. قال: وما أمر النبي صلى الله عليه وسلم بلزوم الجماعة، قال: وهم أهل العلم، وهم أهل العلم. قال: حدثنا إسحاق بن منصور، قال: حدثنا أبو أسامة، قال: حدثنا الأعمش. ما اسمه الأعمش؟ الأعمش: ما اسمه؟ سليمان بن مهران، أبو محمد الكوفي، كان يلقب بالمصحف لقوة حفظه. وهكذا لقبه الأعمش لشيء في عينيه، لشيء في عينيه. قال: حدثنا أبو صالح، عن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يجاء بنوح يوم القيامة، فيقال له: هل بلغت؟» يؤتى بنوح يوم القيامة، فيقال له: هل بلغت؟ قال: فيقول: نعم يا رب. قال: فتسأل أمته: هل بلغكم؟ فيقولون: ما جاءنا من نذير. انظر إلى الجحود والنكران. كم لبث نوح يدعو قومه؟ كم سنة بقي نوح يدعو قومه؟ نعم، ألف سنة إلا خمسين عاما، وهو يدعو قومه ليلا ونهارا، سرا وجهارا. انظر النهاية. قالوا: ما جاءنا بالنذير. قال: فيقولون: ما جاءنا من نذير. فيقول: من شهودك؟ الله عز وجل يقول لنوح: من شهودك؟ أي: أنك بلغت قومك. قال: فيقول: محمد وأمته. قال: فيجاء بكم فتشهدون. ومن أين علمنا أن نوحا بلغ؟ هل حضرنا ذلك؟ لم نحضر، لكن من أين؟ من الوحي، من القرآن، أن نوحا بلغ قومه، ولكنهم عاندوا وعارضوا وأصروا واستكبروا استكبارا. قال: فتشهدون. ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾، قال: عدلا، قال: عدلا، ﴿لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾. قال: وعن جعفر بن عون، قال: حدثنا الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي سعيد الخدري، عن النبي صلى الله عليه وسلم بهذا. قال: قال رحمه الله تعالى: قال: باب إذا اجتهد العامل أو الحاكم فأخطأ، خلافا للرسول، من غير علم. قال: فحكمه مردود، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد».كذا جاء في رواية مسلم من حديث أمنا عائشة رضي الله عنها. قال رحمه الله تعالى: قال: حدثنا إسماعيل، عن أخيه، عن سليمان بن بلال، عن عبد المجيد بن سهيل بن عبد الرحمن بن عوف، أنه سمع سعيد بن المسيب يحدث، أن أبا سعيد الخدري وأبا هريرة حدثاه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث أخا بني عدي الأنصاري، واستعمله على خيبر. قال: فقدم بتمر جنيب، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أكل ثمر خيبر هكذا»؟ قال: لا والله يا رسول الله، إنا لنشتري الصاع بالصاعين من الجمعي. فقال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تفعلوا، ولكن مثلا بمثل، أو بيعوا هذا واشتروا بثمنه من هذا». وكذلك الميزان. وهذا فيه أن التمر من الأصناف الربوية: التمر بالتمر، وهكذا البر بالبر، والشعير بالشعير، والزبيب، والملح بالملح. قال: يدا بيد، مثلا بمثل. فما يجوز بين هذه الأصناف التي هي من جنس واحد المفاضلة، وإنما كيلو بكيلو، وصاع بصاع. ماذا كانوا يفعلون؟ يبيع... ماذا يبيعوا؟ مثلا: صاعين من التمر القديم بصاع واحد من التمر الجديد. فنهاهم النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «لا تفعلوا، ولكن مثلا بمثل»، يعني: صاع بصاع. قال: «أو بيعوا هذا واشتروا بثمنه من هذا». قال: وكذلك الميزان. وكذلك الميزان. طيب، نقف هنا. وبفضل الله عز وجل ومنته، أتينا على أحاديث كثيرة تتعلق بكتاب الاعتصام بالكتاب والسنة. وكما سبق يا إخوان، هذا وغيره كثير يدل على أهمية أن يعتصم المسلم بحبل الله عز وجل، بكتابه العزيز، وبسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، لكي ينجو من الفتن، وينجو من الضلال، وينجو من الهلاك. فأسأل المولى تبارك وتعالى أن يعصمنا جميعا بكتابه وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وأن يجنبنا الضلال والهلاك، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى اللهم على نبينا محمد، وعلى آله، والحمد لله رب العالمين، والله تعالى أعلم. ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر