الدرس في كتاب الحج 16، ألقاها
اتفق المسلمون على دفع النبي صلى الله عليه وسلم من مزدلفة قبل طلوع الشمس، واختلفوا في التفاصيل حول جواز أو وجوب البقاء حتى طلوع الفجر أو الدفع قبله.
المبيت بمزدلفة واجب على غير أصحاب الأعذار حتى بعد صلاة الفجر، بينما يمكن لأصحاب الأعذار مثل النساء والضعفاء والصغار الانصراف بعد غروب القمر.
يتناول أحكام المبيت مثل صلاة الوتر وسنة الفجر، واستحباب الإسراع في وادي محسر، واستمرار التلبية حتى رمي جمرة العقبة.
اختلف أهل العلم في وقت قطع التلبية في الحج، فمنهم من قال عند الشروع في رمي الجمرات، ومنهم من قال عند الانتهاء من الرمي، بينما ذهب بعض السلف إلى قطعها يوم عرفة عند زوال الشمس.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله حمدا كثيرا مباركا فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. ثم أما بعد، ها هنا مسألة، وهي تتمة لمسائل المبيت بمزدلفة، وهي: متى يشرع الحاج الدفع من مزدلفة؟ اتفق المسلمون على أن النبي صلى الله عليه وسلم وقف بالمشعر الحرام، وهي مزدلفة، بعدما صلى الفجر، ثم دفع منها قبل طلوع الشمس إلى منى، وأنه في هذا اليوم، وهو يوم النحر، رمى جمرة العقبة من بعد طلوع الشمس، كما جاء في حديث جابر بن عبد الله في صحيح مسلم في صفة حج النبي صلى الله عليه وسلم. وجاء كذلك في حديث الفضل بن عباس، وجاء في حديث طائفة من الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم. كما سمعتم أن هذا الأمر متفق عليه. قال ابن قدامة رحمه الله: "لا نعلم خلافا في أن السنة الدفع قبل طلوع الشمس، وذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم فعله". وقال عمر بن الخطاب: "إن المشركين كانوا لا يفيضون حتى تطلع الشمس، ويقولون: أشرق ثبير كيما نغدو، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم خالفهم، فأفاض قبل أن تطلع الشمس". رواه البخاري. أي أن النبي صلى الله عليه وسلم خالف المشركين في وقوفه بعرفة، فلم يقف عند المشعر الحرام، ثم حينما بات بمزدلفة ودعا الله جل وعلا عند المشعر الحرام، دفع كذلك قبل طلوع الشمس وبعد أن أسفر طويلا. قال: "والسنة أن يقف حتى يسفر جدا، أي فيدعو الله جل وعلا عند المشعر الحرام". وبهذا قال الشافعي وأحمد وأصحاب الرأي. وكان مالك يرى الدفع قبل الإسفار. الإمام مالك رحمه الله تعالى يرى الدفع قبل الإسفار، بمعنى أنه إذا صلى الفجر مكث يسيرا يدعو ربه جل وعلا ثم ينطلق إلى الجمرة، إلى جمرة العقبة ويرمي. والصحيح الأول لحديث عمار ولحديث جابر، حيث عمار السابق ولحديث جابر: "أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يزل واقفا حتى أسفر جدا، فدفع قبل أن تطلع الشمس". وكان ابن عمر وابن مسعود وغيرهما من الصحابة يفعلونه، أي يسفرون جدا، حتى جاء في بعض الأحاديث والآثار: "أنهم حتى يرى الإبل موضع أو أثر قدمها". وهذا يدل على أن الصبح قد ظهر بوضوح. ذهب الإمام الشافعي وأحمد ومالك أيضا إلى أن السنة أن يبقى بمزدلفة إلى طلوع الفجر، ذهب هؤلاء إلى أن السنة أن يبقى بمزدلفة إلى طلوع الفجر إلا الضعفة، فيستحب لهم الدفع قبل الفجر. فإن دفع غير الضعفة قبل الفجر، بعد نصف الليل، جاز ولا دم عليهم. وذهب أبو حنيفة إلى أنه لا يجوز الدفع قبل طلوع الشمس، فإن دفع قبل الفجر لزمه الدم. استدل الأولون بحديث ابن عباس قال: "بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم من جمع بليل". رواه البخاري. وفي لفظ أيضا أو في حديث آخر للبخاري أيضا قال ابن عباس: "أنا ممن قدم النبي صلى الله عليه وسلم ليلة المزدلفة في ضعفة أهله". وجاء في حديث أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنها وأرضاها: "أنها نزلت ليلة جمع عند المزدلفة، فقامت تصلي، فصلت ساعة ثم قالت لمولاها عبد الله: يا بني هل غاب القمر؟ قال: قلت لا، قالت: فصلت ساعة ثم قالت: هل غاب القمر؟ قال: قلت نعم، قالت: فارتحلوا، فارتحلنا ومضينا حتى رمت الجمرة ثم رجعت فصلت الصبح في منزلها". فقلت: "يا عبد الله مولى أسماء"، يقول: "فقلت: يا هنتاه ما أرانا إلا قد غلسنا". قالت: "يا بني إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أذن للضعفة أن يرموا بهذا الوقت". وكذلك استدلوا بذا-حديث عائشة-قالت: "استأذنت سودة النبي صلى الله عليه وسلم ليلة جمع، وكانت ثقيلة سبطة، فأذن لها". وحيث كذلك في البخاري. وجاء كذلك في حديث عائشة قالت: "أرسل النبي صلى الله عليه وسلم بأم سلمة ليلة النحر، فرمت الجمرة قبل الفجر ثم مضت، فأفاضت". وكان ذلك اليوم اليوم الذي يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم عندها. رواه أبو داود، ولكنه حديث ضعيف. قالوا: يعني الآن هذه أدل كما ترون في العجزة والضعفة، فهؤلاء قالوا: فإذا رخص لهؤلاء دل على الجواز، فلو رخص قالوا: فترخيصهم صلى الله عليه وسلم لهؤلاء يدل على الجواز، إذ لو لم يكن واجبا لما رخص لهم. قالوا: "ومن دفع من جمع قبل نصف الليل، هم في البداية قالوا: قبل أيش؟ قبل نصف الليل، له أن يدفع لو أن يدفع بعد ماذا؟ بعد نصف الليل". قالوا: "فإذا دفع قبل نصف الليل ولم يعد في الليل، فعليه دم، فإن عاد فيه فلا دم عليه، كالذي دفع من عرفة نهارا ولم يوافق مزدلفة إلا في النصف الأخير من الليل". قالوا: "ومن لم يوافق مزدلفة إلا في النصف الأخير من الليل، فلا شيء عليه؛ لأنه لم يدرك جزءا من النصف الأول، فلم يتعلق به حكمه، كمن أدرك الليل بعرفات دون النهار". قالوا: "خلاصة مذهب هؤلاء بأنهم يقولون: أن المبيت بمزدلفة يجب أن يكون إلى منتصف الليل، وبعد منتصف الليل يشرع الخروج من مزدلفة". واستدلوا على هذا بما سمعتم من أدلة. قالوا: "وهذه الأدلة وإن كانت ظاهرة في هؤلاء المعذورين، إلا أنها ماذا؟ إلا أن الرخصة تدل على الإذن وعدم الوجوب". قالوا: "وأما من خرج من مزدلفة قبل طلوع أو قبل نصف الليل، فإن عليه دم". من أين لهم هذا؟ قالوا: "يستفاد هذا من مجموع الأدلة في الباب، ومن حديث أسماء: أنها ما خرجت إلا بعد أن غاب القمر، ثم قالت: هكذا رخص النبي صلى الله عليه وسلم". وجاء في حديث ابن عباس وحديث عائشة والحديث الذي في الباب: "أن فيها أن النبي صلى الله عليه وسلم أطلق الليل". فما أطلق في الحديث الأخرى يقيد بما جاء في حديث أسماء، يقيد بما جاء في حديث أسماء. فقالوا: "هذا الوقت يدل على أنه وقت الرخصة، وما عداه لم يكن من وقت ماذا؟ الرخصة، فهو من وقت الوجوب". فمن خرج من الليل قبل منتصف الليل، فإن عليه ماذا؟ فإن عليه دما. قالوا: "لكن إذا خرج نصف الليل أو قبل نصف الليل ثم رجع واستمر في الليل إلى الصبح، فليس عليه شيء". واضح على جماعة: "لا إذا خرج ثم رجع فليس عليه شيء، إذا خرج وما رجع فإن عليه دما". وذهب أبو حنيفة كما سمعتم إلى أنه لا يجوز الدفع قبل طلوع الشمس، فإن دفع قبل الفجر لزمه الدم. وذهب بعض أهل العلم إلى أنه يدفع بعد الفجر، إلى أنه له أن يدفع بعد صلاة الفجر. قال الإمام الصنعاني رحمه الله تعالى بعد أن ذكر بعض الأقوال في المسألة: "والذي فعله النبي صلى الله عليه وسلم المبيت بها إلى أن صلى الفجر، وقال: خذوا عني مناسككم". فمفهموا أنه ماذا؟ أنه يبقى في مزدلفة إلى أن يصلي الفجر، بعد أن يصلي الفجر له أن ينطلق ويخرج من مزدلفة. قال: "فالظاهر والله تعالى أعلى وأعلم أن غير أهل الأعذار يجب عليهم البقاء في مزدلفة إلى بعد صلاة الفجر". ويدل على هذا أمور: الأول حديث عروة بن مضرس رضي الله عنه وأرضاه، فيه: "من صلى صلاتنا، أو قال: من صلى صلاة معنا حتى نغدو، وقد وقف بعرفة، وجاء فيه أنه قال: ماذا؟ فوقف معنا". قال: "من صلى صلاتنا فوقف معنا حتى نغدو، وقد وقف بعرفة قبل ذلك ليلا أو نهارا، فقد تم حجه وقضى تفثه". فهذا يدل على أن هذه الأمور أقل أحوالها بأنها تكون ماذا؟ تكون واجبة. وأمر آخر: أن النبي صلى الله عليه وسلم كما جاء في حديث جابر وغيره بقي أو بات في مزدلفة حتى أصبح، ثم صلى الفجر، ثم انطلق إلى المشعر الحرام، فجعل يذكر ربه جل وعلا عند المشعر الحرام. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: "لتأخذوا عني مناسككم". فهذا يدل على أن الواجب على المسلم أن يبقى إلى هذا الوقت. وأيضا ترخيص النبي صلى الله عليه وسلم لأهل الأعذار يدل على الوجوب، يدل على العزيمة، إذ لا رخصة إلا بماذا؟ إلا على ما كان عزيمة. لذا ثبت عن عائشة رضي الله عنها وأرضاه في البخاري: بعد أن ذكرت رضي الله عنها وأرضاه أن النبي صلى الله عليه وسلم أن سودة استأذنت النبي صلى الله عليه وسلم فأذن لها في الضعفة، فرمت ليلا. قالت عائشة رضي الله عنها وأرضاه: "فلما أصبحنا انطلقنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم". وذكرت أنها رمت ثم قالت: "وليتني استأذنت رسول الله صلى الله عليه وسلم". وقالت: "ليتني ترخصت أو استأذنت رسول الله صلى الله عليه وسلم كما استأذنته سودة، لكان هذا أحب إلي مما يفرح به". الشاهد من هذا: أن عائشة شعرت بالحرج، لكن تقول ماذا؟ أنها ترخصت، بقيت مع النبي صلى الله عليه وسلم. فلما ذهبت مع النبي صلى الله عليه وسلم ورموا معه ورأوا ما رأوا من الزحام والتعب إلى غير ذلك، تمنت أن تكون ماذا؟ استأذنت معه. فهذا يدلنا على ماذا؟ على أن الأمر كان على هذا، لا يفعل أحد إلا بماذا؟ إلا برخصة وإلا بإذن. لذا قال علماء رحمهم الله تعالى: "أن غير أهل الأعذار لا يشرع لهم من قال بوجوب ذلك". وأما أهل الأعذار والضعف من النساء وكذلك الصغار أطفال، وكذلك كبار السن أو المرضى، وكذا مرافقوهم، فيجوز لهم أن يدفعوا إذا غاب القمر في تلك الليلة. فإن كانت في ليلة غيم، فإنهم كلما أخروا إلى آخر الليل كان أسلم. والله أعلى وأعلم. واضح هذا. جماعة: لا، إذا كان النساء رجل ذهب بحج معه نساء معه أطفال عنده كبار السن، ضعفة مرضى أو ما شابه ذلك، له أن يذهب معهم في ليل. ومتى يذهب في الليل؟ قال العلماء رحمهم الله تعالى: "أنه كلما أخر كان أحسن، كلما أخر أي كان قبيل أقرب إلى الفجر، كلما كان ماذا؟ كلما كان أحسن". بل ذكر الشيخ العلامة العثيمين رحمه الله تعالى: "أن القول بأنه إلى نصف الليل يدفع بعد نصف الليل، يقول: هذا لا دليل عليه". يقول: "هذا القول وهذا التحديد لا دليل عليه". وقال: "قد يستفاد من حديثي أو نعم من فعل أسماء رضي الله عنها وأرضاها: أنها فعلت ذلك بعد ثلثي الليل". فالحاصل من هذا: أن الإنسان متى فعل وأخر، هذا كان أحسن، كلما أخر كان ماذا؟ كان أحسن، وكان أسلم. مثلا الموضع يدخل متى يدخل؟ الساعة السادسة مثلا الفجر، مثلا الساعة الخامسة في ليلة الغيم، يقسم النصفين ويجعل نفسه في ماذا؟ في القسم الآخر. ولو قسمه ثلاثة أقسام كان أحسن، ودخله في الثلث الآخر. مثلا 11 ساعة، يجعل أربع ساعات وأربع ساعات، سيكون كم؟ يعني أربع مع الساعة عشر، وأربع مع العشر كم سيكون؟ الساعة الثامنة تقريبا. يعني ينفر في هذا الوقت. ما شاء الله واضحة. جماعة: كل فجر طلع الساعة الرابعة أو الخامسة، ينفر الساعة الثانية، الساعة الواحدة، الساعة الثالثة، كل ما كان أقرب إلى الفجر كان أحسن. وحصل المقصود: أن يتفادى هؤلاء الضعفة والنساء من ماذا؟ من حطمة الزحام. وهذا يحصل بهذا المعنى. طيب، وهذا كما سمعتم أبعد من الخلاف. طيب، مسألة أخرى: من لم يصل إلى مزدلفة إلا بعد صلاة الفجر بسبب الزحام، فما الحكم؟ هذا يا جماعة في هذه الأيام ممكن، قد يكون في أزمان قديمة غير ممكن هذا أو بعيد. أما في أزماننا مع كثرة الحجيج، فإنه ممكن. بلغنا أن الناس في هذه السنة، العمرة لسنة 1432، العمرة حسب ما أخبرت: أنهم بلغوا نحو سبعة ملايين معتمر. فلو جاء الحجاج على النصف من هؤلاء، ثلاثة مليون ونصف، معنى في سنة 1420 سمعت الشيخ العثيمين رحمه الله تعالى في الحرم يقول: "بلغ يقول أن الحجاج في هذا العام في سنة عشرين، يقول: نحو أو أكثر من ثلاثة أو من ثلاثة مليون". هذا سنة كم يا جماعة؟ قبل 12 سنة. ومع الأيام كلما تعرفون كلما يمر يوم، كلما يزداد عن سنة يزداد الحجيج يزداد الحجيج. فالحاصل أن هذه الصورة موجودة وممكنة. فمن لم يصل إلى مزدلفة إلا بعد صلاة الفجر بسبب الزحام، فما الحكم؟ ذهب بعض أهل العلم إلى أنه يجب عليهم دم؛ لأنه فاتهم المبيت بمزدلفة، وهو واجب. وذهب بعض أهل العلم إلى أنهم متى وصلوا إلى مزدلفة في أي وقت، أي ولو بعض صلاة الفجر، ولو بعض طلوع الشمس، ولو صلوا إلى مزدلفة، قالوا: متى وصلوا إلى مزدلفة في أي وقت، وقفوا ولو يسيرا في مزدلفة، حتى يحصل لهم اسم الوقوف، ثم انصرفوا، ولا شيء عليهم. قال العلامة العثيمين رحمه الله تعالى: "وهذا أقرب إلى الصواب". ثم قال رحمه الله: "ولو قيل أيضا بأنه يسقط الوقوف؛ لأنه فاته وقته، لأنه فاته لم يكن بعيدا". فقال: "فالراجح أنه لا يلزمه بدم؛ لأنه ترك هذا الواجب عجزا عنه". وهذا الأخير أقرب، وهذا الأخير أقرب من الذي قبله، والذي قبله أصح من الذي قبله. واضح جماعة: بمعنى أنه لا يلزم بشيء، بمعنى أنه لا يلزم بشيء، وليس عليه شيء. لماذا؟ لأنه اتقى الله ما استطاع، لأنه اتقى الله ما استطاع. وقد قال الله جل وعلا: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾. لا يكلف الله نفسا إلا وسعها. هو في الطريق يسير، يريد مزدلفة، ومسلم من غروب شمس عرفة، وهو في الطريق يسير، يسير، وما وصل إلا ماذا؟ ما وصل إلى مزدلفة إلا نهارا. ماذا يصنع؟ لا يكلف الله نفسا إلا وسعها. فليس عليه شيء، ليس عليه شيء. والله تعالى أعلى وأعلم. طيب، كذلك المسائل المتعلقة بمزدلفة: كذلك المسائل المتعلقة بمزدلفة، هل يصلي الوتر في تلك الليلة؟ أي في ليلة مزدلفة. قال العلامة العثيمين رحمه الله تعالى: "لم يذكر في حديث جابر ولا غيره فيما نعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم أوتر تلك الليلة؛ لأنه كما سمعتم في حديث جابر: أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى العشاء ثم نام، فلما أصبح". فيقول الشيخ عثيمين: "لم يذكر في حديث جابر ولا غير فيما نعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم أوتر تلك الليلة". قال: "لكن الأصل أنه كان لا يدع الوتر حضرا ولا سفرا". قال: "فنقول: إنه يوتر تلك الليلة، وعدم النقل ليس نقلا للعدم". قال: "ولو تركه تلك الليلة، أي لو ترك النبي صلى الله عليه وسلم الصلاة تلك الليلة لنقل". أي لنقل بالنصب، معنى أن يقال: لم يصل الوتر. قال: "وكذلك يقال في سنة الفجر في مزدلفة". فجابر رضي الله عنه يقول: "صلى الصبح حين تبين له الصبح بأذان وإقامة، ولم يذكر سنة الفجر". مع أن النبي صلى الله عليه وسلم كان لا يدعها حضرا ولا سفرا. فيقول: "يشرع له أن يصلي الوتر، كما أنه يشرع له أن يصلي ركعتين سنة الفجر". وذهب بعض أهل العلم إلى أنه لا يصلي الوتر في تلك الليلة، وقالوا: بأن النبي صلى الله عليه وسلم ما صلاها، ولو صلىها لنقل. هؤلاء عكس الدليل. واضح جماعة. قال: "لو صلىها النبي صلى الله عليه وسلم لنقلت". وجابر نقل عن نبي صلى الله عليه وسلم جميع الصفات في الحج أو أكثرها أو غالبها. قال: "ولو صلىها لنقل". وجابر يقول: "بعد أن صلى العشاء نام حتى أصبح". وممن قال أو اختار هذا القول من المعاصرين العلامة الألباني رحمه الله، شيخ البير رحمه الله تعالى. يقول: "هذا من التخفيف في ليلة مزدلفة: أنه لا صلاة فيها". إذا صلى الإنسان المغرب والعشاء، نام حتى يصبح. والأظهر الله تعالى أعلى وأعلم: أن الأمر واسع في فعلها وتركها. بمعنى: من فعلها فلا ينكر عليه، أخذا بعمومات الأدلة في الباب. ومن تركها فلا ينكر عليه، أخذا بظاهر حديث جابر. ولعل فعلها أفضل، ولعل فعلها أفضل وأولى لما تقدم من الأدلة ذكرها العلامة العثيمين رحمه الله تعالى من العمومة في هذا. وكذلك لفعل أسماء رضي الله عنها. واضح جماعة. لفعل أسماء رضي الله عنها، كما تقدم في المسألة السابقة: "جاءنا أسماء تصلي ثم تقول لمولاها عبد الله: هل طلع هل غرب القمر؟ يقول لها: لا، فتصلي". فيدل على أن ماذا؟ كانت تصلي في تلك الليلة. فهذا يدل على ماذا؟ على أن هذا الأمر من الأمور مشروعة. ولسنا كما سمعتم عمومات، وقد فعلها بعض الصحابة. وقد فعلها بعضهم. الصحابة لا يستحبون فيها كما هو واضح وظاهر التخفيف، يستحب في الصلاة لا تكون صلاة طويلة؛ لأنهم في صبيحة يوم النحر، تكون أعمال الحج كلها إلا المبيت بمزدلفة، إلا ماذا؟ إلا الوقوف بعرفة، يكون الرمي يكون الطواف يكون السعي يكون النحر. فيستحب ماذا؟ إن صلى الإنسان الوتر، ينبغي له أن يخفف، حتى يصبح في يوم النحر وهو ماذا؟ وهو قوي ونشيط، فيقوم بما تبقى من أعمال الحج. طيب، مسألة أخرى أيضا. قال العلماء رحمهم الله تعالى: "يستحب الإسراع في وادي محسر، وهو ما بين جمع ومزدلفة". الآن كما سمعتم: صلى وفعل كل شيء، انطلق إلى ماذا؟ ينطلق إلى منى. بين منى ومزدلفة واد يقال له وادي محسر. قال العلماء رحمهم الله تعالى: "يستحب الإسراع في وادي محسر، وهو ما بين جمع أي مزدلفة ومنى". قالوا: "فإن كان ماشيا أسرع، وإن كان راكبا حرك دابته". وفي أيامنا هذه إن كان على سيارة، وكان هناك متسع أيضا أسرع في سيارته إن استطاع؛ لأن جابرا قال في صفة حج النبي صلى الله عليه وسلم: "إنه لما أتى بطن محسر حرك قليلا". حرك قليلا، أسرع قليلا. ويروى كذلك عن عمر: "أنه لما أتى محسر أسرع". قال النووي رحمه الله: "وقد نقل ابن المنذر عن ابن مسعود وابن عمر وابن عباس وابن الزبير هذا القول". قال: "وتبعهم عليه أهل العلم". قال النووي: "وقد قدمنا عن ابن عباس خلاف هذا". ابن المنذر ينقل عن ابن عباس أنه موافق الجماعة، والنووي رحمه الله تعالى ينقل عنه أنه خالف، يحتاج إلى نظر. فالحاصل أن هذا الأمر مشروع لفعل النبي صلى الله عليه وسلم كما جاء في حديث جابر. قال ابن قدامة رحمه الله: "الآن يا جماعة أنتم متصورون معي الآن خرج من مزدلفة يمشي، خرج من مزدلفة ماذا؟ وماشيا إلى أين؟ إلى منى، وصل إلى محسر أسرع". قال ابن قدامة رحمه الله: "ويكون ملبيا في طريقه، أي من مزدلفة إلى أين؟ إلى منى". قال: "فإن الفضل بن عباس كان رديف رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ، وروى أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يزل يلبي حتى رمى جمرة العقبة". لم يزل ملبيا حتى رمى جمرة العقبة. وحدث متفق عليه. قال ابن قدامة: "ولأن التلبية من شعار الحج، فلا يقطع إلا بالشروع في الإحلال، وأوله من رمي جمرة العقبة". فهم يا جماعة متى يبدأ التلبية؟ قلنا: من إحرام الحج يوم التروية. واضح. ويستمر يذهب إلى عرفة وهو ملبي، ينزل من عرفة كما جاء معنا كذلك في حديث أسماء وحديث جابر وهو ماذا؟ ملبيا. واضح جماعة: من عرفة إلى مزدلفة وهو يلبي، ثم من مزدلفة إلى منى وهو ملبي. فإذا رمى الجمرة قطع التلبية. واضح هذا جماعة. قال ابن قدامة: "واستحب قطع التلبية عند أول حصاة". يعني متى يقطع التلبية؟ هل عندما يرمي جمرة العقبة إلى آخر حصاة أو عند أول حصاة؟ خلاف بين أهل العلم. يقول ابن قدامة: "واستحب قطع التلبية عند أول حصاة، أول ما يرمي أول حصاة". واستحب له أن يقطع التلبية. قال: "رواه حنبل في المناسك أي عن إمام أحمد رحمه الله تعالى: أنه استحب قطع التلبية عند أول حصاة". قال ابن قدامة: "وهذا بيان يتعين الأخذ به". قال: "وفي رواية: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يكبر مع كل حصاة". أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يكبر مع كل حصاة: الله أكبر الله أكبر مع كل حصاة. واضح جماعة. يقول ابن قدامة: "أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يكبر مع كل حصاة". قال: "دليل على أنه لم يكن يلبي". واضح جميعا. دليل على أنه لم يكن يلبي إلى أول حصاة. أول حصاة يقول ماذا؟ الله أكبر، تقطع التلبية؛ لأنه في حصاة الثانية الله أكبر، ثالثة الله أكبر. وهكذا يرمي إلى أن ينتهي من السبع. يعني ما يقول الله أكبر لبيك اللهم لبيك. ثم لا. واضح جميعا. لا يرمي الله أكبر ويأخذ الثانية، ثم يرمي الله أكبر. وهكذا. فيقول مقدام رحمه الله: "أي فعل نبيه صلى الله عليه وسلم: أنه كان يكبر مع كل حصاة". قال: "دليل على أنه لم يكن يلبي". ولأنه يتحلل. قال: "ولأنه يتحلل بالرمي، فإذا شرع فيه قطع التلبية، كالمعتمر يقطع التلبية بالشروع في الطواف". واضح جماعة. وذهب بعض أهل العلم إلى أنه يقطعها بالانتهاء من الرمي. للأول أرجح وأصح، بل هو الصحيح. وذهب بعض السلف إلى أن التلبية تنقطع يوم عرفة إلى زالت الشمس. واضح جماعة. ذهب بعض السلف إلى أن التلبية تنقطع يوم عرفة إلى زالت الشمس. بمعنى أنه يوم التروية يبدأ التلبية هكذا جماعة. يبدأ الإنسان المتمتع يبدأ بماذا؟ بإحرام جديد. والقارن والمفرد ينطلقون جميعا ماذا؟ يوم التروية إلى منى وهم يلبون، ثم إلى عرفة وهم يلبون. بعض السلف إذا وصل عرفة له أن يلبي إلى زوال الشمس. إذا زالت الشمس انقطع عن التلبية. انقطع عن التلبية؛ لأنه سيستمر سيبقى في دعاء، سيبقى في إلى آخر تلك الأشياء. فيقطع ماذا؟ التلبية. ومما روي عنه هذا القول: علي بن أبي طالب، علي أم سلمة رضي الله عنهم جميعا. وبنحوه جاء عن سعد بن أبي وقاص وعائشة. والأول أصح، أصح لحديث جابر والفضل بن عباس رضي الله عنهم. رضي الله جميعا عن الصحابة جميعا. رضي الله عن الصحابة أجمعين. واضح هذا الجميع. جاء في حديث جابر: النبي صلى الله عليه وسلم لما نزل من عرفة، لما أتى من عرفة إلى مزدلفة كان يلبي. واضح. ثم جاء في حديثه كذا جابر. وكذا في حديث الفضل: "أنه من مزدلفة إلى منى وهو ماذا؟ وهو لبي". ما قطع التلبية إلا عند أول حصاة. والفضل كان رضي فالنبي صلى الله عليه وسلم من مزدلفة إلى منى، فهو أقرب وأعلم بتلبية النبي صلى الله عليه وسلم من غيره. واضح هذا جماعة. لا نكتفي بهذا إلى هنا. سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، وأنا ...